Just another WordPress.com site

  قرأت وبكل أسف  مقال الدكتورة  المكرمة سعيدة خاطر بجريدة الشبيبة و المعنون  بــ ” أين المواطنة يا مواطن ؟ “  والذي ورد  في جزأين : الأول منه نشُر بتاريخ 24 أبريل والثاني  بتاريخ الأول من شهر مايو . والجزء الذي  أنا بعرض الحديث عنه  هو الثاني . فالدكتورة في هذا الجزء من المقال بعد أن تعرضت لتعريف مفهوم المواطنة بأنه ( علاقة تبادلية بين الأرض ” الوطن” و الإنسان فيها – أي في هذه العلاقة-  يبادل الأخذ والعطاء ” الحقوق والواجبات ” بين الطرفين وأهم عطاء الوطن للإنسان هو الهوية والانتماء) ، عرجتْ بعد ذلك إلى تصنيف مجالات المواطنة من سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وكم كنت أتمنى أن تحيل القارئ إلى المرجع العلمي أو القاموس الذي استندت عليه في تصنيفات هذه  المواطنات ، وما علاقة ذلك بقياس درجة المواطنة أو الانتماء  ،لأن مفهوم المواطنة  لا يقبل الانقسام فكرًا وشعورًا، فعدم ممارسة الشخص لنشاط سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي في وطنه ،  لا يعني بالضرورة  نقص في وطنيته أو انتمائه لوطنه .

     ومن نافلة القول كما تقول الدكتورة سعيدة خاطر: ( إن عُمان حافلة بالتنوع الثقافي الذي يعود إلى التنوع العرقي وتمازج الثقافات نتيجة للوضع الحضاري لعُمان ، وقد أدت الدولة حق دورها التام في المساواة بين كافة المواطنين دون التفرقة بين جنس وآخر).

        ثم  شرعت بعد ذلك في تصنيف الجنس العُماني فهناك “العُماني بالأصل” و”العُماني بالتجنس” وأن الدولة لا تفرق بينهما في الحقوق السياسية أو غيرها من الحقوق.  والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة حين قراءة هذا الطرح بما فيه من بديهية  مدركة  من قِبل  كل العٌمانيين بما فيهم طفل المرحلة الابتدائية ، هو ما المقصود من هذا الطرح  الشائك الملموس لا فقط من كلمات: العُماني بالأصل والعُماني بالتجنس بل أيضًا من خلال ما ورد في المقال من مفردات مثل الفئوية و العرقية والمذهبية والقبلية ؟ ما القصد من وراء كل هذا و في هذا التوقيت الحساس بالذات  ؟!! حيث مجتمعنا مفعم بالاعتصام ولا يحتاج إلى عوامل إضافية تزيد من درجة هياجه،  ومن ثم فإنني لا أرى لهذا الطرح معنًا سوى إثارة معاني الانقسامية  .

       كان لزامًًا علىَّ أن أقف إزاء هذا الطرح بمفرداته الجديدة التي بدأت تزحف داخل  مجتمعنا بشكل لم نعهده من قبل، خاصة وأنه طرح تواتر أيضًا في الآونة الأخيرة في المنتديات الإلكترونية. لغة شيطانية هادمة بدأت تهدف مجتمعنا بكل ما فيه من تلاحم و انسجام ووئام.  أفعوانية في الفكر تهدف إلى نسف بطانة هذا المجتمع من جوهره  ،  لقد عشنا  ما ينوف عن أربعة عقود لم تطرح  هذه المسميات الفئوية : السواحيلي  والبلوشي و اللتياني والهندي والظفاري  والعُماني الأصيل والعُماني  بالتجنس،  هذه المفردات الهادمة  لم يعرفها مجتمعنا لا علي صعيد الشعور، ولا على صعيد التعامل اليومي،  ولا على صعيد الحقوق والوجبات  عشنا جميعًا ، ولا نزال نعيش تحت مظلة  واحدة حامية وحاضنة  لنا جميًعا هذه المظلة هي ” الوطن ؛ عُمان”.

       ومع ذلك لم أهتم بالرد أو الكتابة  علي ما طُرح  في مواقع  المنتديات لاعتباري أن مَنْ طرحها  يعد من محدودي  الأفق بالعلم بالتاريخ والحضارة والثقافة  العُمانية ، وهو أمر يُستشف من ضعف المفردة ، واضمحلال مستواها الفكري،  فضلا عن الجبن الأخلاقي، وآية ذلك الاختفاء وراء أقنعة  من الأسماء الوهمية.

     لكن اليوم وحين تطرح هذه الانقسامية الشيطانية في جريدة محلية وبشكل مباشر يُستشف منه القصد والهدف، ومن مَنْ ؟ امرأة حاملة لدرجة الدكتوراه وعضوه مكرمة  بمجلس الدولة !!! فالموقف يحتاج إلى وقفة منا جميعًا؛ وقفة متأنية وحازمة بل رادعة ، لا سيما وحين يخرج الموضوع عن حيز الحرية  في التعبير ليخترق أمن مجتمع بأكله  . حيث تقول الدكتورة سعيدة خاطر وفي معرض حديثها عن “الموطنة الثقافية ” ولا أعلم من أين أتت بهذا المصطلح ؟!! ( لدينا – أي في عُمان – يصرٌ بعض العُمانيين على التحدث باللغة غير العربية فمَنْ قدم من  أفريقيا يتكلم السواحلية ، ويصر الجنس القادم من آسيا رغم وجوده لسنوات طويلة في عُمان علي التحدث باللغة الأورديه أو البلوشية ، وهذا الأمر ينتقص من مواطنة كليهما )  وهي بهذا لا تكتفي  بطرح الانقسامية  و تذكير القارئ بالفئوية ،  بل  تشرع في التأكيد  على انتقاص المواطنة و الوطنية في بعض فئات المجتمع العُماني، وهنا أسأل الدكتورة سعيدة مرة أخرى ما القصد من كلماتك هذه وفي هذا التوقيت بالذات ؟ و مَنْ  الذي خولك للحكم على وطنية الآخرين أو مواطنتهم ؟ ومَنْ الذي أعطاك حق قياس هذه الوطنية بالنقصان أو بالكمال ؟

       غني عن البيان أن معرفة اللغة العربية والتحدث بها،  يعد أمرًا هامًا  من منطلق أنها لغة ديننا الحنيف ، واللغة الرسمية و اللغة الأم لوطننا كدولة عربية،  وأنا من مشجعي اللغة العربية دومًا ، بحكم تخصصي الأكاديمي،  وبحكم أنها لغة هويتنا ،إلا إن  هذا لا يعني أن التحدث بلغة أخرى غير العربية  دليل على انتقاص الوطنية والمواطنة .

    ولا تكتفي الدكتورة بهذا القدر بل تسترسل في خطاب  ناسف وخطير لا يخلو من الشعور بالفوقية حين تتساءل  متشككة  في هوية هؤلاء ( كيف ستعرف تراثك وتاريخك ؟ وأنت لا تتحدث بلغة مجتمعك ، بل  وتصر على تضييع اللغة  التي تحمل هويتها وجنسيتها ) و ( تصر على  قلب الذكر أنثي و الأنثى ذكرًا وفقًا لِــمَا  اعتدت عليه ، وهي لغة مغايرة للغة وطنك الحالي الذي تحمل  هويته وانتماءه) . وهنا أقول للدكتورة سعيدة:  إن معرفة التراث والتاريخ ليس بالضرورة أن تتمم  عبر  إتقان الشخص للغة العربية أو للغة هذا التراث والدليل على ذلك أننا كشعوب عربية اضطلعنا على ثقافات المجتمعات المختلفة  وتراثها عبر العربية ولغات أخرى أجنبية ، ودون معرفة اللغات الأم لتلك المجتمعات كتراث المجتمع الفارسي مثلاً ، فمعرفة العُماني باللغة الإنجليزية تمكنه من الاضطلاع على تراث بلده وتاريخه بالإنجليزية ، وما أكثر الكتب التي كُتبت في هذا المجال بالإنجليزية ، ولا يعني هذا أن  العُماني ناقص الهوية. كما اسأل الدكتورة سعيدة خاطر ما الذي تقصده بقولها (الوطن الحالي)  ، هل تقصد بذلك أن القبائل العُمانية والتي لا حصر لها بما في ذلك الأسرة الحاكمة، حين هاجرت  هذه القبائل إلى شرق أفريقيا وجزيرة زنجبار تحديدًا،  لأسباب تاريخية  معروفة ، هذه القبائل لها وطن  أول وأصول غير الأصول العُمانية؟!! وإذا كان هذا صحيحًا فما هو تبرير الدكتورة على جود أصول لهذه القبائل في مناطق السلطنة المختلفة؟ أم أنها تساوي بين كل هؤلاء  وبين فئة (البدون) الموجودة في الدول المجاورة و التي تعرضت لها في مقالها ؟

        ومن غرابة مقال الدكتورة في طرحها لموضوع حساس، أنها تستند في موضوع الهوية والانتماء والوطنية إلى واقعة تافهة شهادة  تلميذة !! أخرجت عُمان من حيز الدول العربية في رحلة مرشدات بدولة الكويت لأنها سمعت المرشدات العُمانيات يتحدثن بالسواحيلية والبلوشية ، وحيث إن الدكتورة كانت رئيسة الوفد في هذه الرحلة فقد قررت متباهية والاقتباس من واقع مقالها ( كان لابد من عقاب صارم طبق عليهن هناك وعند العودة ، إذ عدلنا من شروط الترشح للمشاركة الخارجية للمرشدات والقائدات فيما بعد ، والسؤال أين مواطنة هؤلاء؟). والسؤال المطروح هنا متى كانت السياسة العُليا في عٌمان تتعامل بمنطق التفرقة ؟ وهؤلاء الذين تتهمهم الدكتورة بعدم المواطنة وهي تقصد بذلك التشكيك في وطنيتهم، أليس هم ممَنْ عينهم صاحب الجلالة في مراكز قيادية كوزيرات وسفيرات، بل ووزراء و رؤساء جامعات ، أليس هم إناثًا وذكورًا، مِن ذوي المناصب المختلفة في عُمان ويعطون بكل ما لديهم من ولاء وحب للوطن. فسياسة التفرقة المطروحة من قِبَل الدكتورة لا مجال لواقعيتها في السلطنة. اللهم إلا إذا كانت الدكتورة  تريد أن تقدم لنا سياسة جديدة !! كما أنني لا أستشف من وراء هذا الطرح سوى إثارة الفتنة والبلبلة. و أضيف هنا لأسأل الدكتورة أتحبين و هل ستعتبرين أن هذا عدل ؟ إذا ما تم  إلغاء اسمك من أي مهمة رسمية دولية لمجرد أنك لا تعرفين لغة الدولة التي ستتجهين إليها ؟

      وإمعانًا في إثارة الفتنة  تصرح الدكتورة بقولها ( أننا ندفن رؤوسنا تغاضيًا عن هذه المشكلة ، فالإعلام لا يريد أن يجرح مشاعر أحد ، ولا يريد أن يناقشها كمشكلة حقيقية تهدد المواطنة، وقد رفضت إحدى الجرائد مقالاً قديمًا لي لأنه يتحدث عن هذا الجرح بحجة أنه من الممنوعات ) وهنا أذكر الدكتورة بأن  الإعلام جهاز مسئول ويعي جيدًا صداه على المجتمع، كما يستمد سياسته من سياسة القائد الحكيم الذي استطاع بحق جلالته أبقاه الله، أن يحافظ على المجتمع العُماني في نسيج متماسك ، فالموضوع لا علاقة له بدفن الرؤوس وبالحجج ، قدر ما هو متعلق بإدراك كامل بأن أكبر الفتن  والحروب الطائفية في المجتمعات بدأت بشرارة بسيطة، فلا  تأتين أنت اليوم يا دكتورة وتريدين إشعال هذه الشرارة، ويكفي مقالك المشار إليه أعلاه بما أثارة من سلبيات ، أقل ما فيها أنه أثار حفيظة الكثيرين ، وللتأكد مما أقوله أرجعي إلى منتديات المواقع الإلكترونية  .

     ومن المفارقات بأن الدكتورة بعد أن بثت رسالتها الهادمة والسامة ، وبعد  أن اتهمت أُناس في مجتمعها ، بالنقص في هويتهم وفي وطنيتهم وفي انتمائهم للوطن سواء ما جاء تصريحًا منها  أو ما بين السطور، تأتي في نهاية مقالتها مفترضة السذاجة و البلاهة في القارئ فتقول في لغة تنم عن تضخم الذات، محاولة التنصل من أية تهمة قد توجه إليها مستقبلاً   : (  وللعلم نحن لا نشكك في وطنية هؤلاء ولا في إخلاصهم لوطنهم ولا في ولائهم لقيادتهم السياسية ولا في خدمة مجتمعهم). أي افتراض مرفوض هذا  يا دكتورة لقارئ بليد لا وجود له بيننا .

      والآن آن أوان الرد ، فَمَنْ قمت بالتشكيك في وطنيتهم وانتمائهم وهويتهم لمجرد أنهم يتكلمون البلوشية و الأوردية والهندية والسواحيلية كل هؤلاء لهم تاريخهم الذي يثبت وطنيتهم  وهم ليسوا في حاجة  إلى شهادة أحد.

       فقبيلة البلوش يا دكتورة والتي تحوي في طياتها تصنيفات كثيرة ، كي أجمعها لك الآن أحتاج إلى إقامة دراسة مستقلة  . هذه القبيلة إذا ما عدتِ إلى كتب التاريخ ستجدين لها تاريخ طويل في الحروب دفاعًا عن الوطن وولاءً للأسرة الحاكمة ، هذه القبيلة وقفت في مقدمة من حامى خيرات عُمان واستشهد من أجل عُمان ، ولم يكن هذا داخل  السلطنة فحسب، بل خارجها  أيضًا ، فمثلاً في جزيرة زنجبار وبالتحديد  في حي ” الساعتين” توجد عائلات من هذه القبيلة ، لا يخلو الواحد منها من جد أو جد جد أو أب أو  عم أو خال أستشهد في الحروب والثورات من أجل عُمان. كما أحب أن أضيف هنا أن عددًا لا حصر له من عائلات هذه القبيلة الممتدة على خط  منطقة الباطنة والموجود بعضها  أيضًا في مناطق: الشرقية  والداخلية والظاهرة و صلاله ومسقط ، هذه العائلات استقرت في عُمان  منذ أكثر من خمسة قرون وهي لا تعرف من اللغات  سوى العربية وبإتقان  . وما أطلقتْ عليه الدكتورة اللغة البلوشية فإنني أصحح المعلومة، البلوشية لهجة و ليست لغة تكتب أو تقرأ ، شأنها شأن كثير من اللهجات الموجودة في عُمان. فضلاً عن أنني أعرف من قبيلة البلوش مَنْ يتقن بجانب اللغة العربية لغات أخرى مثل الإنجليزية والفرنسية و السواحيلية وهم يوظفونها جميعًا في خدمة هذا الوطن وفي مجالات مختلفة .

      أما مَنْ استأتْ منهم من العُمانيين لمجرد أنهم يتكلمون اللغة الهندية أو الأوردية و من ثم  انتقصتْ من انتمائهم للوطن  ، فإنني أذكرك  يا دكتورة  بان معظم ساكني مسقط يتكلمون هذه اللغات، كما أن قبيلة اللواتية  كان لها دور ملموس في  تاريخ عُمان الأدبي و الاقتصادي والتجاري بدءً من ميناء مطرح وصولاً إلى بلاد  الهند ، و للتأكد من فاعلية  تاريخهم عودي إلى عشرات الأبحاث التي أنجزت مؤخرًا في مؤتمر جامعة السلطان قابوس ، “عُمان والهند آفاق وحضارة “، فضلاً عن الكتب المختلفة .  كما أود أن أؤكد هنا أن من قبيلة اللواتية مَنْ قام بترجمة نماذج من الأدب الهندي والفارسي إلى العربية، فاستنادًا إلى مصطلح الدكتورة  ( المواطنة الثقافية ) لا أعتقد أن هناك ما هو أقوى من هذا للتأكيد على هذه المواطنة.

        وعن مَنْ قمتْ بتجريح وطنيتهم وهويتهم لأنهم يتكلمون اللغة السواحيلية ، فإنني أذكر الدكتورة بأن هؤلاء  هم من كافة القبائل العُمانية الممتدة في ربوع  عُمان بما في ذلك قبيلة آل سعيد للأسرة الحاكمة وقبيلة البلوش ، وهم جميعًا بذلوا أرواحهم وأموالهم  رخيصة من أجل إقامة حضارة وإمبراطورية عُمانية في الساحل الشرقي الإفريقي وجزيرة زنجبار ، وهي إمبراطورية يعود تاريخها إلى ما قبل القرن السادس عشر الميلادي، ويشهد عليها مئات من كتب التاريخ المدونة باللغة العربية وغيرها من اللغات، هذا فضلاً عن زنجبار ذاتها التي كانت حاضرة ؛ عاصمة للدولة العُمانية في مرحلة من مراحل التاريخ، ،قد أفرزت زنجبار والجزيرة الخضراء (بمبا Pemba)  بقبائلهما الشامخة تراثًا مدونًا باللغة العربية الفصحى  في التاريخ والنقد و الصحافة والأدب العُماني وتفسير القرآن وغير ذلك من الموضوعات ، ولولا ضيق الحيز الكتابي لأفردت للدكتورة قائمة مرجعية  بها بما يثبت معرفة هؤلاء  للغة العربية . هذا فضلاً عن إتقانهم  بجانب اللغة السواحيلية  العربية والانجليزية والفرنسية.

    هذا عن الماضي يا دكتورة ، أما الحاضر فإنني على أتم استعداد أن أدون لك قائمة مطولة بأسماء العُمانيين من مختلف  القبائل إناثًا وذكورًا مِمَن يتحدثون السواحيلية ولا يعرفون العربية، ومع ذلك  فقد وصلوا إلى الدولية رافعين اسم  عٌمان في مجالات مختلفة  بكل زهو وفخر ، سواء كان ذلك قبل عصر النهضة المباركة أو بعدها ، كما أنني  على أتم استعداد أن أسرد لك مع كل اسم  سيرة ذاتية مختصرة حتى تقومين بمقارنتها بسيرتك الذاتية، و لا تعليق من قِبَلي على نتيجة المقارنة . وحيث إنك نصبت ذاتك حاكمًا على وطنية هؤلاء  وعلى درجة انتمائهم للهوية العُمانية ، فإنني أوضح لك معلومة هامة لا بد أن تضعيها في معيار الحكم، وهي أن هؤلاء جميعًا تركوا ما كانوا عليه من مناصب و رواتب خيالية ورغد عيش عائدين لخدمة وطنهم عُمان منذ السبعينيات، حيث بدايات عُمان التي إلى يومنا هذا في تقدير متواصل لهم.

     وبحق الزمالة الثقافية التي تجمعنا فإنني أذكرك يا دكتورة بأن الكلمة مسئولية المنطوقة منها والمدونة، والوطن والمجتمع مسئولية أكبر فاتق الله فيهما ، واتق الله في سلطان البلاد المفدى الذي أكرم عليك بثقته وأمر بتعينك في مجلس الدولة، وتذكري دومًا قول المولى عز وجل في كتابه العزيز: ” ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين” (سورة الشعراء آية : 183).

   كما أنني أنبه كافة أبناء وطني بخطورة هذا الخطاب الناشز الذي بدأ يتخلل مجتمعنا فلنتكاتف جميعًا للتصدي له ومجابهته ولا نترك الفرصة لأي أفعى يريد أن يبث سمومه بيننا، فعُمان باستقرارها وسلامها هي جنة الله على الأرض والجنة لا حيز فيها  للأفاعي والشياطين.

    وختامًا أناشد كافة الأجهزة الأمنية بالدولة الانتباه إلى خطورة مثل هذا الطرح ، إذ الأمر ليس كلمة نُشرت أو ستنشر فحسب ، بل الدمار الذي يمكن أن نجنيه  من عواقب هذه الكلمة، فأخطر المواقف وأكثرها جسامة بدأت بكلمة.

ملحوظة : فئة ( البدون) هم أُناس من مختلف الأصول يعيشون في بعض دول الخليج بلا جنسية .

ملحوظة : بناءً على طلب القراء المتكرر لقراءة  الترجمة الإنجليزية  الكاملة  للمقال المنشور بالعربية سابقًا في ملحق شرفات ، جريدة عُمان بتاريخ 10 مايو 2011م ، آثرنا تقديم هذه الترجمة عوضًا عن الملخص المترجم بالإنجليزية والمنشور بجريدة الObserver  بتاريخ 14 مايو 2011م.

رد د. أسية على مقال “أين المواطنة يا مواطن” في ملحق شرفات (جريدة عُمان) الثلاثاء 10 مايو 2011

رد د أسية على مقال اين المواطنة يا مواطن

مقال د. سعيدة الفارسي “أين المواطنة يا مواطن”

مقال اين المواطنة يا مواطنAgainst where is the citizenship article

تمهيــد:

        تتناول الدراسة شكل ومحتوى نموذجين من القصص الشعبي العُماني (الحكاية الخرافية والحكاية الشعبية)، وهو نمط من أنماط الأدب الشعبي العُماني الذي يُعد جزءاً لا يتجزأ من الفولكلور أي المأثورات الشعبية.

        ثمة إشكاليات بصدد تعريف مصطلح (الأدب الشعبي) (1) ، ومع ذلك يلزم التنويه إلى أنه لا يُقصد به أدب العوام أو الأدب العامي، وإنما التراث المشترك لكل فئات الشعب وطبقاته المختلفة التي تجمعها ثقافة مشتركة، ومن ثم يعبر هذا الأدب عن ثقافة المجتمع برمته بوصفه تعبيراً فنياً يوظف الكلمة المكتوبة أو المنطوقة. والأخيرة تجعل منه أدباً شفاهياً جماعياً، يعتمد على وجود راوٍ ومستمعين. والمشافهة فيه أضفت عليه سمات الاستمرارية والمرونة والتلقائية في التعبير، وجميعها سمات تجعل منه أدباً منظماً يخضع لنهج فني محدد وينأى عن فوضى التأليف.

        واستناداً إلى الطابع الشفاهي للأدب الشعبي ونهجه الفني المحدد، اعتمدت الدراسة على مخطوطة معدة للطبع، تم جمع مادتها شفاهياً (*) ، لتحوي حكايات متنوعة من القصص الشعبي العُماني، وذلك في ظل عدم وجود مؤلفات عُمانية متخصصة تتضمن مثل هذه الحكايات.

دوافع الدراسة وأهدافها:

        يفتقر الأدب الشعبي العُماني إلى دراسات متخصصة باستثناء دراسة واحدة تناولت الأمثال العُمانية فيما يتعلق بشجر النخل، مبينة التوظيف المتواتر للفظة النخل في الأمثال الشعبية العُمانية ومدى تعبيره عن البيئة الشعبية العُمانية بمختلف جوانبها (2).

        وبالإضافة إلى ما تقدم، فإن دراستنا لشكل ومحتوى نموذجين من حكايات القصص الشعبي العُماني، ترمى إلى الإجابة عن مجموعة من التساؤلات منها: إلى أي مدى تمثل الحكايات منتجاً ثقافياً جماعياً يعبر عن الجموع بوصفها ذاتاً تعكس هذه الحكايات جانبها الوجداني من أشواق وأحلام وآلام وآمال؟ وإلى أي حد تلعب الحكاية – بشكلها الفني المحدد – دوراً مؤثراً في تأكيد معتقدات الشعب العُماني والكشف عن فلسفة ما لها علاقة بتجربة إنسانية عميقة، ببعديها النفسي والاجتماعي؟ وذلك من منطلق أن الحكى سمة ملازمة للإنسان منذ القدم، وهي سمة يتطلبها نموه الفكري وتطوره، ويرتبط بها جانبه المعرفي. من ثم تُعد الحكاية بؤرة التقاء الإنسان داخلياً وخارجياً، وكل قراءة لها قراءة للحياة وأسلوب معرفي يكشف عن دروب الإنسان في الكون ومتاهات الحياة.

        وثمة تساؤل آخر تحاول الدراسة الإجابة عنه، وهو: كيف يتسنى للحكاية استدعاء الغائب الحاضر؟ أو بعبارة أخرى كيف يحقق الشعب بواسطتها ما لم يحققه في واقعه؟ لاسيما أن الحكاية قد تحوي حدثاً لا يمثل بالضرورة واقعاً موضوعياً. هذا فضلاً عما يراه “يونج من أن الحكايات تمثل نماذج عليا أصلية أو أولية (Archetypes) (3) كامنة في اللاوعي الجماعي، ينطوي جوهرها على حقيقة مجردة تعلو فوق الزمانية والمكانية ومن ثم تتسم بالتكرار والاستمرارية.

منهج الدراسة:

        تتخذ الدراسة التحليل البنائي للحكايات لدى فلاديمير بروب (1895-1970م)، منهجاً لها، وهو ما يسمى بـ “التحليل المورفولوجي” الذي هو “وصف للحكايات وفقاً لأجزاء محتواها، وعلاقة هذه الأجزاء بعضها ببعض، ثم علاقتها بالمجموع” (4) على اعتبار أن “المورفولوجيا”، بوجه عام، مصطلح يُعنى بدراسة الشكل.

        وقد أطلق “بروب” على أجزاء الحكاية مسمى الوحدات الوظيفية (Functional Units)، وعدَّها المحتوى الأساسي للحكايات، انطلاقاً من أن هذه الوحدات “ليست مجرد أفعال، وإنما هي الإسهام الذي تسهم به هذه الأفعال في الحكايات ككل” (5) مع التسليم باختلاف شكل الشخصيات القائمة بهذه الأفعال من حكاية لأخرى.

        ولا يتسع المقام لذكر الوحدات الوظيفية جميعها بشيء من التفصيل، وإن كنا سنعرض لبعضها في تحليلنا للنموذجين موضوع الدراسة. ومع ذلك ننوه إلى أن “بروب” قد حصر هذه الوحدات في إحدى وثلاثين وحدة، لافتاً النظر إلى أنه ليس من الضروري اجتماعها في كل حكاية نظراً لتفاوت عددها من حكاية لأخرى، ومُقراً بوجود علاقة إلزامية بين تلك الوحدات في الحكاية الواحدة من خلال التعارض أو التماثل لا التطابق (6).

        وفي إطار المنهج المورفولوجي التحليلي، فإننا سنركز في دراستنا للنموذجين على شكل الحكايتين من حيث الوحدات الوظيفية الواردة فيهما وكيفية ورودها وارتباطها ببعضها بعض داخل النموذجين، وكذا من حيث جوهرها أي إبراز ما تؤديه كل وحدة وظيفية من دلالة في إطار علاقتها بغيرها.

        ولتحقيق ذلك، ينبغي استخلاص الوحدات الوظيفية في النموذجين لتبيان الثابت المتكرر منها في النموذجين، والمتناقض منها داخل كل نموذج. هذا من حيث الشكل، أما من حيث الجوهر، فسوف نستنبط الدلالات الكامنة وراء توظيف رموز بعينها في كلا النموذجين.

الـدراسـة:

        قبل الخوض في تفاصيل الدراسة، ينبغي التأكيد أنه رغم أن الحكاية الخرافية والحكاية الشعبية وليدتا معتقدات شعب ما، وأنهما من بقايا تأملاته الحسية وقواه الفكرية وخبراته (7) ، فإنهما نوعان مختلفان من حكايات القصص الشعبي، وإن تقاربت الحدود الفاصلة بينهما وتداخلت، الأمر الذي استوجب وجود تعاريف مختلفة ومحددة لكل منهما.

        فالحكاية الخرافية نمط رومانسي من أنماط القصص الشعبي وهي ذلك “النمط من الحكايات الذي يتدخل فيه عنصر خارق أو سحري، يؤثر في تنامي الأحداث” (8). أما الحكاية الشعبية فيرى البعض أنها قصة من نسج الخيال الشعبي حول حدث مهم، يستمتع الشعب بروايتها والاستماع إليها جيلاً بعد جيل عن طريق الرواية الشفوية (9)، مما يرجح أخذ وقائعها مأخذ الصدق أو الحقيقة، وهو أمر لا ينسحب بالضرورة على الحكاية الخرافية. ومن ثم فإن “الحكاية الشعبية تعبير موضوعي، أما الحكاية الخرافية فتعبير ذاتي” (10) ، فضلاً عن اختلاف البواعث النفسية والمرجعية وراء نشوء كليهما.

        ورغم أن المجال لا يتسع لمزيد من التفاصيل بصدد الفوارق بين نوعيْ الحكاية، فإننا ننوه إلى أن ثمة مواضع مختلفة في عدة مؤلفات عرضت لهذه الفوارق، لاسيما ما يتعلق منها بطبيعة البطل وتكوينه (11) وطبيعة الشخصيات الأخرى وأدوارها (12)، وكذا طبيعة الأحداث وكيفية ورودها (13)، وأيضاً تعدد الوظائف وتنوع الأهداف في كلا النوعين (14)، وقد أفدنا منها جميعاً.

        والنموذجان اللذان وقع الاختيار عليهما موضوعاً للدراسة هما: “النصف ذهب والنصف فضة” (حكاية خرافية) و”فاضل أو رمادوه” (حكاية شعبية).

        ونورد فيما يلي موجزاً لكل نموذج على حدة، بادئين بالحكاية الخرافية، على اعتبار أنهما أقدم من الحكاية الشعبية مع ملاحظة التقيد الكامل من جانبنا في الصياغة بالعربية الفصحى باستثناء بعض المواضع التي آثرنا الإبقاء عليها كما وردت في المخطوطة ووضعها بين علامات تنصيص، لما لها من أهمية في عملية التحليل كما سيتضح لاحقاً.

- الحكاية الخرافية “النصف ذهب والنصف فضة” (15):

        “يُحكى أن الملك كان يتجول بين أزقة المدينة، يتحسس أحوال شعبه، وينظر في أحوال الكبار والفقراء ونحو ذلك، وبينما كان يمشي سمع ثلاث فتيات يتحدثن…”. تقول الأولى: لو تزوجني الملك لأطعمت جيشه “بتمرة” وتقول الثانية: لو تزوجني لأطعمت جيشه “بحبة أرز واحدة”. أما الثالثة فتقول: لو تزوجني لأنجبت له ولداً “نصفه ذهب ونصفه فضة”.

        تزوج الملك من الفتيات الثلاث شريطة أن يطلق مَنْ لن تفي بوعدها. وفت الأولى والثانية بالوعد. أما الثالثة فلم تفعل على الفور لاحتياج الحمل إلى وقت.

        وأثناء غياب الملك كعادته لفترات طويلة في إحدى رحلات القنص في الصحراء، ظهر حمل الزوجة الثالثة ثم ما لبثت أن وضعت ولداً نصفه ذهب ونصفه فضة، فتآمرت الزوجتان الأخريان على الأم ووليدها؛ إذ دفنتا الأم إثر غيبوبة الوضع تحت “أول عتبة من السلم” الذي يؤدي إلى قاعة جلوس العائلة، ووضعتا الوليد في “صندوق” وألقيتاه في الصحراء.

        وحين عاد الملك من رحلته علم بوفاة زوجته ولم يعلم شيئاً عن المولود الذي التقطته امرأة “بدوية” وأرضعته من حليب الغنم وقامت بتربيته حتى ترعرع تحت اسم “حُريف” (*) دون أن يعرف له أماً سواها، وكلما سألها عن أبيه أخبرته بأنه مات وهو صغير.

        نشأ حريف نشأة بدوية، أكسبته “الإقدام والصلابة” حتى صار “فارساً بارعاً” واختصته أمه البدوية “بجواد خفيف سريع الحركة”، ومن ثم اعتاد الخروج إلى الصحراء والأودية والجبال لقنص الغزلان والطيور؛ إذ كان مغرماً بذلك مثلما كان أبوه.

        وذات يوم وبمحض المصادفة، التقى ولدا الملك، من زوجتيه المتآمرين، بحريف، فتعجبا من مظهر الشاب الغريب الذي نصفه ذهب ونصفه فضة، ويمتطي جواداً قوياً، وحاوراه وعلما أن اسمه حُريفاً وأنه ماهر في القنص. ثم طلبا منه شراء ما اصطاده من طيور فأعطاها لهما هدية محبة وصداقة.

        عاد الولدان إلى القصر دون أن يعلم حريف أنهما أخواه، وقد ادعيا اصطياد تلك الطيور.

        وفي صبيحة اليوم التالي ذهبا مبكراً إلى الوادي نفسه وسألا حريفاً عن الكم الذي بوسعه صيده من الغزلان، فأجاب: “الكثير والكثير، ولكن الله أوصانا بالاقتصاد”. وانتهى الحوار بالاتفاق على اصطياد أربعة غزلان.

        عاد الولدان إلى القصر وقد ادعيا “مرة أخرى” أنهما اصطادا الغزلان، بيد أن الأُمين شكتا في الأمر وقررتا الانتظار حتى اليوم الثالث حيث جاء الولدان بغزلان أخرى وادعيا “للمرة الثالثة” قدرتهما على القنص. وللوقوف على الحقيقة، طلبت إحدى الأُمين من الولدين الإتيان بالمها لإثبات قدرتهما على القنص. فذهبا في اليوم التالي لمقابلة حُريف… ونظراً لتكرر تأخر حُريف، أحست أمه البدوية بالقلق، فسألته عن السبب، فأخبرها بما كان من أمره مع ولديْ الملك، فحذرته من أهل المدن، وخصوصاً الكبار منهم، قائلة له: “إذا أحبوك أعطوك… وإن كرهوك سجنوك أو قتلوك”، “فهم يبدأون كرماء، وما يلبثون أن يتحولوا”.

        وبعد مداولات بين حُريف وولديْ الملك، نجح حُريف في اصطياد المها من مناطق نائية، وبعد تضييق الأُمين الخناق على الولدين وفشلهما في اختلاق الأكاذيب بصدد الصيد، اعترفا بمقابلتهما شاباً غريباً نصفه ذهب ونصفه فضة، وهو قنّاص ماهر اصطاد لهما الطيور والغزلان والمها.

        أيقنت المرأتان أن الشاب الغريب هو ابن ضرتهما. وعليه أخبرتا ولديهما أن “هذا البدوي، لو ظهر على الملأ وعلم به الملك، لكان له الحظوة عنده، ولربما صار ولي العهد، فهلاكه خير من بقائه”.

        وبعد مناقشات مستفيضة، أيقن الجميع صعوبة الخلاص منه “لما له من قوة عضل وذكاء، ولما يتمتع به من مهارات في الفروسية، وقدرة احتمال وصبر، وما علمته الحياة الصحراوية من صلابة وشقاء”. وعليه قرروا الاستعانة بأحد “السحرة الظالمين، العالِمين بأسرار الجن والشياطين”، فأخبرهم بصعوبة التخلص منه لأن “نيته صادقة…، قلبه قوي…، نجمه قوي، وهو محظوظ وطالعه دائماً سعيد”، وأعلمهم أن أفضل وسيلة للإضرار به هي إرساله إلى بلاد الجن لإحضار شيء؛ “رمانة تبكي وأخرى تضحك”. حينئذ لن يعود لأن الجان سيفتكون به.

        خدع ولدا الملك حُريفاً، واختلقا أكذوبة فحواها أن والدهما الملك معجب به بعدما سمعه عنه، ومن ثم يطلب منه إحضار شيء واحد “رمانة تبكي وأخرى تضحك” وبعد حوار اتسمت كلماته بالترغيب تارة في عطية الملك حال تلبية الطلب، والترهيب تارة أخرى من انتقامه حال الإخفاق.

        عاد حُريف إلى أمه البدوية وقد استولى عليه الفكر وانتابه الحسرة؛ إذ لا علم له ولا دراية بمكان الشيء المطلوب، فأبلغته أنها سمعت بوجود الرمان الباكي والضاحك في بلاد الجان، لكنها لم تسمع أن أحداً أحضر شيئاً منه. وحذرته من مجرد التفكير في الأمر، لأن من يقدم عليه مصيره الهلاك. وإزاء تصميمه اصطحبته إلى “أحد العلماء” الذي أرشده إلى بلاد الجان ولكنه لا يعرف “أسلوب الوصول” إليها.

        وفي اليوم التالي اتجه حُريف صوب بلاد الجن، قاطعاً “الفيافي والجبال والأودية الوعرة، التي لم يصلها قبله أي بشر، وقاسى من الأهوال ما قاسى … وبينما كان يمشي، هبت عليه عاصفة شديدة، تحمل الأتربة والغبار التي تحجب الرؤيا، فتوقف وأغمض عينيه، حتى قل الغبار الذي انكشف عن شخص (رجل) ضخم قبيح المنظر، لم يحاول حُريف عند ذلك الهرب ولم يشعر بالخوف”. ثم دنا منه الرجل ووضعه بين ذراعيه الكبيرتين. وبعد حوار دار بينهما، تكشف للرجل أن لحُريف “عقلاً وذهناً متفتحاً وشجاعة دون تهور”، وكلها سمات ضرورية لمن يريد الوصول إلى بلاد الجن، فقرر مساعدته، ناصحاً إياه أن يسير في دربه دون التفات يمنة أو يسرة، حتى يصل إلى “امرأة (جنية) ضخمة، تطحن، قد ألقت بثدييها على كتفيها وراء ظهرها”، محذراً إياه من أن تراه؛ إذ عليه الوصول إليها في خفة دون أن تشعر به، والرضع منها في سرعة، وبذا يصبح ابناً لها، يطلب منها ما يريد.

        فعل حُريف ما أُمر به، وحينئذ قالت له المرأة: “والله لو لم ترضع مني وصرت في مقام ابني، لجعلتك مسحوقاً كالتراب”. وسألته من هو وماذا يريد، فأجابها “ابنك حُريف، أريد رمانة تضحك ورمانة تبكي”. فوجهته إلى ما وجهه إليه الرجل الضخم، بالسير في الدرب نفسه دون التفات، حتى يرى امرأة أخرى على هيئتها ووضعها، لكنها أضخم منها، فإذا ما رضع منها بكل سرعة وخفة، دون أن تراه أو تشعر به، صار ابناً لها تعطيه ما يريد.

        نفذ حُريف ما طُلب منه، فأخبرته المرأة (الثانية) بأنه لو لم يرضع منها لحولته “غباراً”، ناصحة إياه بما نصحه به كل من الرجل والمرأة (الأولى)، حتى إذا ما رأى امرأة (ثالثة)، لها هيئة المرأتين السابقتين ووضعهما، بيد أنها أضخم حجماً وأبشع صورة وأكبر سناً، رضع منها دون وجل، فأخبرته أنه لو لم يرضع منها لصيرته “دخاناً”، وسألته عما يريد، فأخبرها. وبعد يأسها من إثنائه عن عزمه؛ إذ يُعد مطلبه ضرباً من المستحيل، منحته أغصاناً من شجرة، ثم دلته على الطريق التي عليه السير فيها “ثلاثة أيام”. فإذا وجد مدينة كبيرة، أناسها غير الناس … عليه ألا يدخلها إلا ليلاً حتى ولو وصلها نهاراً، وعليه ألا يكلم أحداً ولا يفرط في الأغصان، فإذا ما اقتحم السور، ورأى ابنة السلطان والأشجار الضاحكة والراقصة والمضيئة… والرمان الباكي والضاحك أخذ ما شاء.

        ثم كان أن بلغ حُريف البستان الذي به الرمان، فدخله والأغصان في يده. وبينما هو منهمك في جمع الكثير من الرمان الضاحك والباكي، تساقطت منه الأغصان، ليس هذا فحسب، بل إنه ألقى بآخرها، ناسياً نصيحة آخر جنية (المرأة) له، وظناً منه أنه لن يحتاج إليها في طريق العودة. عندئذ شم الجان رائحة حُريف الإنسية، فشعر الأخير بفداحة الخطأ الذي ارتكبه برميه الأغصان، ومن ثم سارع ممسكاً بأحدها، لكن الجان كانوا قد حاصروه وأمسكوا به واقتادوه حتى انتهوا به إلى “قصر عظيم شامخ الأبراج، بأبواب مرصعة بالجواهر والمصابيح الملونة الفاخرة… ممرد ببلاط زجاجي، يعكس ما عليه من أثاث ومخلوقات و…”. واصل الجميع السير في تؤدة حتى وصلوا إلى قاعة لم ير حُريف أجمل منها؛ إذ “تحفها التحف من كل جانب… بساطها حرير… أرق من الحرير، يتوسط صدرها أسرة ذات فُرُش مبطنة بالقطن، تجلس على أوسطها فتاة لم يخلق مثلها في البلاد…، فاق جمالها جمال البشر والجن”. وعندما رأته الفتاة، ابتسمت له وحاورته. ولما اكتشفت جمال وجهه وأن ملامحه لا تنم عن شر، سامحته، شريطة أن تستضيفه “أسبوعاً”. رفض حُريف، لأن الملك قد أعطاه مهلة أسبوع لإحضار الرمان، وقد انقضى منها خمسة أيام؛ فوافقت الفتاة (ملكة الجن) أن يمكث عندها يومين، نتج عنهما علاقة “محبة وتوادٍ” بينهما.

        عاد حُريف، وبصحبته عدد من الجنود يحملون الكثير من الرمان الضاحك والباكي، بعدما أخذت منه ملكة الجن عهداً أن يتصل بها وألا يفعل شيئاً إلا بمشورتها، لاسيما أنها منحته “حصاناً” يمكنه من الوصول إليها دون معارضة أو عناء. وحين قابل حُريف أمه البدوية، زال عنها الهم والقلق، ثم ذهب بالرمان إلى قصر الملك، وتعجب الجميع. وحينما رأي الملك الرمان، سأل عن مصدره، فأجابته إحدى زوجتيه أنها اشترته من رجل غريب سرعان ما انصرف. عندئذ أيقنت الزوجتان بخطورة عودة حُريف وقررتا التخلص منه بالسم، فأرسلتا ولديهما لدعوته على حفل عشاء اختار حُريف ليلة الجمعة موعداً له. ثم امتطى صهوة جواده وذهب إلى ملكة الجن التي اتفقت معه على الزواج واصطحبته إلى حفل العشاء.

        وفي مساء يوم الخميس، دخل حُريف ومعه ملكة الجن إلى قصر الملك، وصعد حُريف السلم متجهاً إلى غرفة الضيافة متبوعاً بملكة الجن التي التصق قدمها الأيمن بأول درجات السلم، فنادت حُريفاً وأخبرته بأن أمه الحقيقية ليست المرأة البدوية، وإنما هي امرأة دفنت حية تحت السلم. تعجب الجميع وعلا الضجيج. ولما علم الملك بالأمر، أمر باستخراج المرأة وعلاجها وقتل زوجتيه الشريرتين وأقصى ولديه منهما، وأكرم البدوية، وتزوّج حُريف ملكة الجن، وعاش مع أبيه الملك وأمه التي صارت ملكة. “وعاش الجميع في سرور وحبور وأقاموا السهرات والحفلات ووزعوا الهدايا”. وتنتهي الحكاية بقول الراوية: “وقد عدت من عندهم ولم يعطونني حتى رمانة واحدة”.

- الحكاية الشعبية “فاضل أو رمادوه” (16) .

        “يُحكى أن تاجراً كان له ولد اسمه فاضل، توفيت أمه، فتزوج والده من امرأة أخرى. وان لدى فاضل خيل إنسيِّة (*) ، يتحدث معها دائماً ويحبها، وكانت زوجة أبيه لا تحبه، وتتمنى التخلص منه ليخلو لها وجه زوجها”.

        ولما كان والد فاضل تاجراً، مما استدعى غيابه عن المنزل نهاراً، فلا يعود إلا ليلاً. من ثم دأبت عمة (**) فاضل على ضربه وإهانته وحرمانه من الطعام. ليس هذا فحسب، بل إنها كانت تحرض أخاها الأكبر، معلم القرآن، على الكيد له. لكن فاضل كان شديد الصبر والتحمل.

        وإزاء تكرار فشل مكائد زوجة الأب وأخيها في إرغام فاضل على الهرب، قررا ذات يوم التخلص منه بدس السم له في الطعام، بيد أن الخيل الإنسيِّة أخبرت فاضل بما انتويا عليه، فرفض فاضل تناول الطعام الجيّد المعد له في طبق نظيف على غير العادة، واتجه إلى قِدْر بالمطبخ ليأكل منه، معللاً ذاك بإيثاره ترك الطبق لعمته. ثم دبرت الزوجة وأخوها مكيدة أخرى؛ إذ وضعا السحر في قميص فاضل، فأخبرته الخيل بالأمر. ولما وجد قميصه نظيفاً على غير العادة، أخذه بطرف العصا وأحرقه في الحديقة متذرعاً بأن أباه سيشتري له غيره جديداً.

        وبعد أن فطنت عمة فاضل وأخوها إلى أن الخيل الإنسيِّة هي التي تخبره بما يدبران له، قررا التخلص منها، فأخبرت الخيل فاضل بالأمر.

        وكانت المكيدة هذه المرة (الثالثة) هي ادعاء العمة المرض بوضع خبز جاف وخوص يابس تحت فراشها، وحينما يدخل عليها زوجها ليلاً تئن وتتقلب على الفراش موحية إليه بما يصدر من صوت الخبز الجاف والخوص اليابس أن عظامها وعضلاتها تتكسر. وانخدع الزوج بالمكيدة التي حبكتها الزوجة بقولها: إن الحكيم قد أوصى بتناول كبد الخيل الإنسيِّة حتى تُشفى. كل ذلك وفاضل يسمع الحوار، فعلم أن والده مقدم على ذبح الخيل الإنسيِّة، فأخبرها وناقش معها الأمر صباحاً، فاقترحت أن تصهل ثلاث صهلات قوية حال وجوده عند المعلم؛ الصهلة “الأولى” عند إخراجها من الاصطبل و”الثانية” عند إخراجها من الدار، و”الثالثة” عند وصولها للجزار. ولما لم يُؤذن لفاضل بالخروج عند الصهلتين الأولى والثانية، غافل المعلم في الثالثة وهرول إلى ساحة الذبح حيث قابل أباه الذي أقنعه بذبح خيله الإنسيّة فداءً لعمته “الطيبة” وتعويضه بشراء أخرى له. ولما بات الذبح مؤكداً، استأذن فاضل والده بالركض بالخيل بضعة أشواط على سبيل الوداع.

        ركض فاضل بالخيل دون عودة، وكتب إلى أبيه عن مكائد زوجته وحيلة الخبز والخوص. ولما اكتشف الأب خداع زوجته، فُضح أمرها ولكن بعد فوات الأوان، فقد هرب فاضل وجاب الصحراء والبلدان، بحثاً عن مكان آمن له ولخيله، حتى استقر به المقام في بلدة ذات خيرات كثيرة.

        وخوفاً من انكشاف أمره، ومن ثم إرغامه على العودة إلى عمته الشريرة، أحرق حطباً ودهن جسمه برماده حتى صار رمادي اللون بغية التنكر، تاركاً خيله خارج البلدة بعدما اتفقا على أن يأخذ “خصلة من شعرها” وعند احتياجه إليها، يحرق “شعرة واحدة فتأتيه مسرعة منجدة”.

        صار “فاضل” الذي أصبح معروفاً باسم “رمادوه”، “محبوباً ممن حوله لجده وإخلاصه” مما ترتب عليه عمله “مزارعاً” بإحدى حدائق أمير البلدة.

        سمع فاضل أو رمادوه أن ملكاً جباراً اعتاد التسلط على البلدان المجاورة بفرض الجزية عليها والزواج عنوة بإحدى فتياتها التي قد يتركها جثة هامدة صبيحة زفافها. وفي هذا العام وقع الاختيار على الابنة الصغرى لأمير البلدة التي استقر بها فاضل؛ إذ كانت أجمل الفتيات.

        خيم الهم والحزن على أهل البلدة، لاسيما أميرها الذي لديه “ست بنات” يكبرن مَنْ وقع عليها الاختيار، ولم يسبق للملك الجبار اختيار واحدة منهن، بل كان يكتفي بما التزم به الأمير من دفع الجزية وتقديم إحدى فتيات البلدة.

        شعر رمادوه بحزن الأمير الذي كان يكن له كل تقدير، فأخذ يفكر في حل للمشكلة؛ إذ أصبح لزاماً على أهل البلدة زفاف الأميرة الصغرى إلى قصر الملك والخروج منه قبل وصوله ليلاً، وإلا حصر الحراس رؤوس المتخلفين. وعليه قام رمادوه بحرق “شعرة واحدة” من خصلة شعر خيله، فاتته مسرعة، فركض بها في الصحراء بعد اغتساله وارتدائه أحلى الثياب، واقتحم القصر وهو ملثم وقتل الملك، ثم غمس كفه في دمه، قافراً من على ظهر الخيل، طابعاً بصمة كفه على أعلـى ما استطـاع الوصول إليه من جدار القصر. كل ذلك والأمير الصغرى تتابع ما يقع.

        وفي صبيحة اليوم التالي خرج الأمير وحاشيته إلى القصر، يتحسسون أمر ابنته مع الملك. وأثناء تجوالهم، فوجئوا بمقتل الملك وبجثث جنوده ملقاة في الصحراء، من ثم طلب الأمير من شباب البلدة القفز إلى موضع بصمة الكف لمعرفة الفارس المغوار قاتل الملك الجبار ومنقذ الأميرة الصغرى وأهل البلدة، راصداً لذلك مكافأة مالية كبرى، لكن لم يجرؤ أحد على القفز نظراً لارتفاع موضع البصمة.

        وذات يوم كانت الأميرة الصغرى تطل من القصر، فرأت رمادوه يسبح في بركة البستان وقد بدا جسمه “أبيض جميلاً” ثم ما لبث أن ارتدى ملابسه بعد أن دهن جسمه بالرماد حتى صار قذراً، فأحست أن وراءه سراً، وأنه ضحية ظروف قاسية. ونظراً لتكرر الموقف ذاته، وترقبها لعينيه، أيقنت من نظراته وصوته أنه ذلك “البطل الملثم” الذي قتل الملك، منقذاً حياتها، فمال قلبها إليه؛ وبادلها الشعور ذاته، إلا أنه كان يخشى البوح به.

        وفي يوم ما، وبينما الأمير في مجلسه مع وزرائه ومستشاريه، أرسلت إحدى بناته طبقاً به رمان، تعجب الأمير، فبيَّن له أحد جلسائه أن بناته يرغبن في الزواج. جمع الأمير، أبناء أقربائه، وكان رمادوه وقتذاك ضمن خدم “البرزة” أي المجلس. أعطيت كل بنت من بنات الأمير رمانة لتلقيها على مَنْ تريده زوجاً لها، فألقت “البنات الست” الرمانات على أبناء الأقارب. أما “الأميرة الصغرى” (البنت السابعة)، فقد ألقتها على صدر رمادوه، فصاح الجميع “غوية” أي غلطة. أُعيدت الرمانة إليها فألقتها “مرة ثانية” على رأسه، فعلا الصراخ، فأعيدت الرمانة إليها فألقتها عليه “مرة ثالثة”. غضب الأمير لكنه وافق على الزيجة لأنه وعد بناته بالزواج.

        وعقب الزواج ترك رمادوه بستان الأمير ليعمل في مزارع المواطنين بأجر زهيد، ومع ذلك ازدادت زوجته قناعة به لما رأته فيه من “خلق وشجاعة وإباء”. وترسخت ثقتها فيه كلما صارحها بماضيه، لكنهما اتفقا على عدم البوح به.

        مرض الأمير مرضاً شديداً، وأوصى الأطباء بتناوله “كبد ظبي رضيع”، وهو مطلب عسير. وعليه جُمع الناس وأُخبروا بالأمر. قام أزواج بنات الأمير وأقربائه برحلات فردية في الصحراء والجبال بحثاً عن المطلوب. أما رمادوه فقد أحرق “شعرة ثانية” من خصلة شعر خيله، فأتت إليه، وخرجا سوياً طلباً للظبي الرضيع وحصلا عليه، فضلاً عن صغار الظبي غير الرضع، التي قام رمادوه على رعايتها في حظيرة بالصحراء.

        مر أزواج بنات الأمير، الواحد تلو الآخر على رمادوه لشراء الظبي الرضيع، فأخبرهم أنه مطلب صعب المنال، وأن لديه صغاراً كأنهم رضع وبثمن زهيد، فوافقوا نظراً لصعوبة التفرقة بين النوعين.

        ولما سأل كل منهم عن الثمن، أجابهم رمادوه أنه وشم يوضع خلف الرقبة بين الكتفين، فوافقوا جميعاً لأنه لا يؤلم ولا يراه أحد، فضلاً عن أنه صفقة سهلة مربحة تقربهم من الأمير. وكان ذلك الوشم عبارة عن خاتم مكتوب عليه “صاحب الوشم الموشوم خادم لرمادوه”.

        أكل الملك أكباد الظباء الستة دون شفاء، حتى أتته ابنته، الأميرة الصغرى، بالظبي الرضيع، فأكل كبده وشُفي، وشكرها وزوجها، وبدأ يفكر في الصفح عنهما.

        أعلن ابن الملك الجبار الحرب على بلدة الأمير، ثأراً لمقتل أبيه، واستنفر الأمير أهل البلدة وأمدهم بالسلاح والخطط للدفاع عنها.

        أراد رمادوه المشاركة في الحرب، فطلب من الأمير فرساً وسيفاً، بيد أن طلبه قوبل بالسخرية من قبل الأمير وجلسائه، فهو – كغيره من الخدم والفلاحين – لا خبرة له بالقتال. وإمعاناً في الهزء به، أُعطي حماراً أعرج وسيفاً قديماً مكسوراً. وكلما مرت عليه زمرة من الجنود، سخرت منه، حتى إذا اطمأن إلى مرورهم جميعاً، أحرق “شعرة ثالثة” من خصلة شعر خيله، فهرولت إليه.

        دارت رحى المعركة بين الجيشين، وانتهت بانتصار جيش الأمير. وبعد أن أبلى رمادوه في القتال بلاءً حسناً، عاد الجميع فرحين، يتحدثون عن ذلك “الفارس العنيد” الذي لولاه ما انتصر جيشهم الضئيل على جحافل جيش العدو. ولم يكن رمادوه بينهم؛ إذ هربت به خيله إلى مكان قصي، ليضمد جراحه، ثم ما لبث أن عاد وركب الحمار الأعرج وأمسك بالسيف القديم وودع خيله عائداً إلى البلدة، وظل الجنود على سخريتهم منه، لكنه تحملها مع آلام جراحه في صمت وصبر.

        رغب الأمير في معرفة حقيقية الفارس الذي قلب “ميزان المعركة”، وليقينه أنه مصاب بجروح بالغة ويحتاج إلى علاج، أرسل عيونه للتصنت حول بيوت البلدة علهم يسمعون أنين الجرحى. وبعد فترة وجيزة، وصل الخبر أن أنيناً ينبعث من بيت رمادوه، فاتجه الأمير إلى المنزل، فوقع بصره على شاب أبيض الوجه وبجواره زوجته؛ ابنة الأمير الصغرى.

        دار الحوار بين ثلاثتهم، تبين منه للأمير أن الاسم الحقيقي لزوج ابنته هو فاضل، أما رمادوه فهو اسم مستعار.. كما وقف الأمير على حقيقة هروب فاضل وتعنت زوجة أبيه وخوفه منها. كذلك علم من ابنته أن فاضل أو رمادوه هو ذلك الفارس الملثم الذي قتل الملك الجبار وحارب ببسالة في ساحة المعركة، فأمر بعلاجه ثم أعلن عن إجراء منافسة لحيازة لقب “عضد الأمير أو مساعده”، وكان من شروط الفوز باللقب القفز من فوق ظهر الحصان وطبع بصمة الكف أعلى جدار قصر الملك المقتول، فضلاً عن عمل مشرف آخر يتفوق به الفائز على بقية المتنافسين.

        اعترض عدلاء فاضل على وجوده بين المتنافسين لأنه غريب، وليس من الأعيان ممن لهم خدم وحشم، فقال فاضل: “يا مولاي الأمير، إنني امتلك ستة من الخدم؛ ثلاثة على يمينك وثلاثة على شمالك” فغضب الأمير لجرأته وتطاوله؛ إذ في قوله استهانة بأزواج بناته وانتقاص لقدرهم وهم أبناء إخوانه. فطلب فاضل فحص خوالف رقابهم فوجدها الأمير موشومة بختم كُتب عليه: “الموشوم خادم رمادوه”. وعليه أُعلن فاضل مساعداً للأمير بلا أدنى اعتراض، وعاد لرؤية أبيه، فوجده يعيش بمفرده بعد أن طلّق زوجته الشريرة “عمة فاضل”.

أولاً: الدراسة من حيث الشكل:

        فيما يلي عرض لما يحتويه النموذجان موضوع الدراسة من عناصر فنية ووحدات وظيفية بهدف تبيان الأساس الذي عليه تم تصنيف الحكاية الأولى إلى خرافية والثانية إلى شعبية.

( أ ) العناصر الفنية:

        وتشتمل على الشخصيات، الأحداث، الزمان، المكان، اللغة.

- الشخصيات:

البطل: تقوم الحكاية الخرافية على بطل ينحدر من أصل نبيل، تقوده أفعاله البطولية إلى مرتبة أعلى من النبل والمهابة، وتمثل مرحلة ضياع البطل وتشرده – فيما تمثل – حلقة توصله بمجد قديم أو باعثاً لمجد مستقبلي، وهو ما ينطبق على حريف في نموذج الحكاية الخرافية، إذ إنه في الأصل ابن لملك، ويقوم بسلسلة من الأعمال البطولية: القنص بمهارة، مقابلة الجان الذي ظهر له في شكل رجل وثلاث نسوة دون رهبة، والدخول إلى مملكة الجان والإتيان بالرمان، وهي سلسلة من الأفعال، يفضي بعضها إلى بعض للعودة بالبطل إلى مجده الغابر في قصر أبيه الملك.

        وتقترن ولادة البطل الخرافي بظروف تؤدى إلى اغترابه أو إقصائه عن أهله، وهي ظروف قد ترتبط بمظاهر غريبة، مما يترتب عليه انزعاج البيئة المحيطة بالبطل، وهو ما حدث بالفعل مع حريف؛ فكونه مولوداً غريباً نصفه ذهب ونصفه فضة، بعث على الغيرة من جانب زوجتي والده الملك، ومن ثم كان إبعاده عن محيطه بوضعه في صندوق وإلقائه في الصحراء.

        وعادة ما يرتبط اسم البطل الخرافي بصفة تظل في حالة سكون إلا إذا اقترنت بأفعال تبعث على تحريك هذه الصفة وتأكيدها. وعليه فإن اسم حريف، ينطوي على دلالات الاحتراف، وهي دلالات لم تكن لتحقق إلا في ظل ارتباطها بأفعال البطل، وهي أفعال تؤكد سمة الاحتراف فيه والمتبلورة في العالم المرئي (قدرة البطل في اجتياز الصحاري والأودية والجبال، مهارة القنص) والعالم اللامرئي (اقتحام البطل له، والاتصال بالجان والإتيان بالمطلوب والزواج من هذا العالم).

        إن البطل الخرافي عادة ما يمتلك قدرات خارقة، تعينه على إنجاز المهام الصعبة. فحريف كما يرد في الحكاية، صلب، قوي القلب، مقدام يتصدى للشدائد، يواجه عالم الجان بلا رهبة وبقوة غير عادية، كما أنه وسيم، لا تنم ملامح وجهه عن الشر، وهو صادق النيّة، محظوظ، ومن ثم ينتصر على أعدائه وينال السعادة الأبدية بالزواج من ملكة الجن.

        كما أن هذا البطل يتسم بخفة الحركة والانتقال بحرية بين العالم المرئي والعالم اللامرئي، ومن ثم فإن حريفاً يرضع في خفة وسرعة من الجنيات الثلاث دون أن يشعرن به، وينتقل بين العالمين بلا أدنى عوائق، بواسطة جواد منحته إياه ملكة الجن.

        وحين يخترق البطل الخرافي العالم اللامرئي، فإن ذلك لا يكون بدافع استكشاف هذا العالم وسبر أغواره أو خوض تجربة فيه، بل بهدف الحصول على شيء يرغب هو فيه أو نزولاً على رغبة الآخرين. ولا يتسنى للبطل اختراق هذا العالم والحصول على حاجته إلا بمساعدة القوى الخارجية (الشخصيات المانحة أو المساعدة). فحريف لم يتمكن من اجتياز هذا العالم والإتيان بالرمان الباكي والضاحك إلا بمعونة من الرجل الجن والنسوة الجنيات، اللائي منحنه الأداة السحرية متمثلة في لبن الرضاعة وأغصان الشجرة. من ثم يتبين أن حريفاً شخصية تنمو خارجياً لا داخلياً؛ إذ لولا الشخصيات المانحة والأداة الممنوحة، لما نجا من خطر الموت الذي يتهدده، فهو إذن شخصية بلا عالم داخلي.

        أما الحكايات الشعبية، فليس من الضروري أن ينحدر بطلها من أصل نبيل، فهو إنسان واقعي، لا يتحتم ارتباط ميلاده بظروف خارقة للعادة، وقد يرتبط ميلاده بموت أمه، فيصبح وحيداً، ضعيفاً، يتيماً، مهدداً بالإبعاد عن المنزل. وهذا ما ينطبق على فاضل بطل الحكاية الشعبية محل الدراسة، فقد كان طفلاً عادياً، تربى في بيت أبيه التاجر، يتيماً وتعرض لتعنت زوجة أبيه وأخيها وتآمرهما على إبعاده عن المنزل.

        وبطل الحكاية الشعبية يستمد اسمه من صفة عقلية أو جسدية، أو غير ذلك، وهو ما ينطبق على اسميْ فاضل ورمادوه. فالاسم الأول ينم عن سجايا أخلاقية حميدة أبرزتها أفعال فاضل البطولية متمثلة في تقديره للأمير الذي منحه فرصة العمل مزارعاً في بستانه، وإقدامه على قتل الملك الجبار إنقاذاً للأميرة الصغرى، وبسالته في ساحة المعركة والتي لولاها لما انتصر جيش الأمير على جيش ابن الملك القتيل، أما اسم رمادوه بما فيه من دلالات حسية متمثلة في اللون الرمادي، فقد تبلور في الحكاية باعتباره صفة جسدية، ففاضل يدهن جسده برماد الحطب بغية التنكر.

        وحين يشعر هذا البطل بخطر ما يهدد مصيره في عالمه المرئي، لا يواجهه اعتماداً على القوى الخارجية فحسب، بل يستخدم عقله مستنيراً من تجارب الآخرين وسلوكياتهم.

        وعليه فإن فاضل في الحكاية بطل جميل الوجه أبيضه، يعمل مزارعاً، محبوب ممن حوله لجده وإخلاصه، ذكي، أبي، فارس مغوار، محارب شجاع وعنيد، صبور، يصنع مجده، معملاً فكره بدءاً بمغافلته معلمه وهرولته إلى ساحة الذبح، ومروراً بتحايله على أبيه مقنعاً إياه بالركض بالخيل بضعة أشواط على سبيل الوداع، وكذا دهن جسمه بالرماد من أجل التنكر، وانتهاءً بخداع عدلائه بحيلة الوشم خلف رقابهم، ومن ثم استحواذه على تقدير الأمير والظفر بلقب مساعده أو عضده.

        وعليه فإن فاضل شخصية تنمو داخلياً، فقد واجه ما هدد مصيره من ظلم وانتفاء للمثل والقيم الأخلاقية (عمة فاضل التي يفترض أن تكون معادلاً موضوعياً لأمه، وكذا أخوها معلم القرآن الذي يفترض أن يكون مثلاً أعلى يُحتذى)، وإن كان هذا لا يعني الاستغناء التام من جانب البطل عن القوى الخارجية التي تمنحه الأداة السحرية؛ إذ يرى البعض أن في الحكايات الشعبية، شخصية تعد تطوراً ونمواً للشخصية المانحة أو المساعدة في الحكايات الخرافية ألا وهي شخصية “العريف” التي تبصِّر البطل بالحقيقة وتكشف له المجهول (17)، وتتمثل هذه الشخصية “في الخيل الإنسية”، بما تنطوي عليه لفظة الإنسية من دلالات التشخيص وما تمنحه للبطل من أداة سحرية (خصلة الشعر)، تمكنه من الشروع في المغامرة دون أدنى عوائق أو عقبات، وكأن المصير الجميل مقدر للبطل منذ البداية، ومن ثم، وبواسطة الخيل، يكتشف فاضل مكائد زوجة أبيه وتآمرها مع أخيها. وبحرقه شعرة من خصلة شعرها، تأتيه منجدة له في كل مرة يحتاج إليها. وبواسطة الخيل أيضاً يتمكن من الانتقال السريع من مكان لآخر، أو القفز لأعلى جدار قصر الملك القتيل. مما يؤكد أن أحداث الحكاية الشعبية تمتزج بالواقع؛ فالبطل مقيد، لا يتمتع بطلاقة الحركة على النقيض من البطل الخرافي، وعليه يصبح أسير زمانه ومكانه.

        أما الشخصيات الأخرى في الحكاية الخرافية، فقد وردت بشكل تجريدي، بلا عالم داخلي ولا خارجي، فهي أحادية البعد؛ مُعينة للبطل أو ضده وهي بلا أسماء أو أوصاف تميزها، مثل الملك وزوجتاه وولداه، المرأة البدوية، الساحرة، العالِم، عالم الجن، ملكة الجن… حتى وإن ورد بعضها بأوصاف محددة، فإن وصفها لم يكن بغرض استثارة تصور أو شعور بعينه لدى المتلقي، بل لإلقاء مزيد من الضوء على البطل، إبرازاً لمهابته.

        أما في الحكاية الشعبية، فقد وردت الشخصيات الأخرى بلا خصائص جسدية أو نفسية أو فكرية، ومن ثم كان ورودها بمعزل عن العلاقات الإنسانية المعقدة، حتى إن حواراتها لم تكن مركبة ذات أبعاد أو دلالات بعينها. وعليه فإن شخصية الأب التاجر، وزوجته (عمة فاضل) ومعلم القرآن، والأمير وابنته الأميرة الصغرى، وبناته الكبرى الست وأزواجهم، والملك القتيل، تمثل نماذج أو أنماطاً اجتماعية.

        وغنى عن البيان أن البعض يعرِّف الحكاية الخرافية بأنها الحكاية التي تستخدم “الشخوص السبعة” بحيث يقوم كل منها بحركة أساسية في حياة البطل (18)، تقوده إلى بلوغ هدفه في نهاية الحكاية. وفي النموذج الخرافي المختار تتمثل هذه الشخوص – حسب أهمية الدور – في: زوجتَيْ الملك – المرأة البدوية – والديْ الملك – الرجل الجني – الجنيات الثلاث – ملكة الجن – الملك والد البطل.

        وتجدر الإشارة إلى أن هذه الشخوص السبعة تتمثل أيضاً في النموذج الشعبي المختار، ويأتي ترتيبها – حسب أهمية دورها – على النحو التالي: الخيل الإنسية – زوجة الأب – معلم القرآن – الأب التاجر – أمير البلدة – العُدلاء الستة – الأميرة الصغرى.

- الأحـداث:

        وتتخذ في النموذجين بنية حدثية، يمثل رحيل البطل بدايتها الفعلية، بما تنطوي عليه من حالة “اللاتوازن، الأمر الذي يتطلب ضرورة التغيير من خلال أفعال جديدة تقف في مواجهة الأفعال الأولى، إلى أن ينتهي الوضع باستقرار وتوازن جديدين” (19). وفي هذه البنية يظهر مبدأ الإضافة الحدثي الذي يشكل كيفية ترتيب الأحداث وارتباط بعضها ببعض، كما يظهر فيها مبدأ التكرار الثلاثي للفعل في الحدث الواحـد، وهو مبدأ يعده البعض من “وسائل الوصل في الحكاية” (20).

        تبدأ الأحداث في النموذج الخرافي، بوضع حريف في الصندوق وإلقائه في الصحراء، مما يترتب عليه رعاية المرأة البدوية له، ومن ثم صيرورته فارساً ومقابلته أخويه مصادفة، وخداعهما له، ورحيله إلى بلاد الجان قسراً، ومقابلته الرجل الجني والجنيات الثلاث، واقتحامه عالم الجن، وحصوله على الرمان المطلوب، ومن ثم انتهاء الحكاية بنهاية سعيدة، حيث يعود حُريف إلى قصر أبيه الملك، مظفراً ومتزوجاً من ملكة الجن، ومتعرفاً على أمه الحقيقية.

        والأحداث في النموذج الشعبي تبدأ بخروج فاضل هروباً من قسوة عمته وأخيها، ثم تنكره خوفاً من اكتشاف أمره، ودخوله بلدة الأمير واستقراره بها ثم اقتحامه قصر الملك الجبار وإنقاذه أهل البلدة والأميرة الصغرى ثم زواجه منها، واشتراكه في المعركة وانتصاره واكتشاف الأمير حقيقة أمره، وخداعه العدلاء بحيلة الوشم وفوزه بلقب مساعد الأمير، وبذا تنتهي الحكاية نهاية سعيدة، بزواج فاضل من الأميرة الصغرى ونيله الأمان بعودته إلى والده التاجر ليجده قد طلق زوجته الشريرة.

        إن ترتيب أحداث النموذجين، يأخذ مبدأ التسلسل الحدثي بحيث تسير الأحداث في خط مستقيم؛ فكل حدث يفضي إلى الآخر دون استباق أو استرجاع حدثي أو تفريعات في الحدث الواحد (*).

        أما مبدأ تكرار الفعل في الحدث الواحد ثلاث مرات فيتجلى في النموذج الخرافي في قيام حُريف بفعل الصيد ثلاث مرات؛ الطيور في اليوم الأول، الغزلان في الثاني، والمها في الثالث، وفي السير ثلاثة أيام (ثلاث مرات) حتى قابل الجنيات الثلاث، وفي رضاعه منهن وإفصاحه عما يريد ثلاث مرات.

        والأمر نفسه يتكرر مع النموذج الشعبي. فمكائد عمة فاضل للتخلص منه تتكرر ثلاث مرات، (وضع السم في الطعام، وضع السحر في القميص، حيلة الخبز والخوص اليابسين)، كما يتكرر إخبار فاضل ثلاث مرات من قبل الخير الإنسية، بهذه المكائد. ويتكرر إحراق فاضل لشعرة خصلة الخيل ثلاث مرات (حين عزم البطل اقتحام قصر الملك الجبار، حين رغبته المشاركة في المعركة، حين إرادته الحصول على الظبي الرضيع). ويتوافر المبدأ ذاته في إلقاء الأميرة الصغرى الرمانة ثلاث مرات على فاضل.

- الزمان والمكان:

        لا يتوافر الدور المعهود للزمان والمكان في كلا النموذجين، من توطيد للعلاقة النفسية بين شخصية البطل وبينهما؛ وتأكيد لعلاقة التأثر والتأثير التي من المفترض وجودها بين الطرفين. وعليه فإن الدور الذي يلعبه الزمان والمكان تجريبي فقط، أي أنه ينتهي بانتهاء الحدث فيهما.

- اللغـة:

        بما أن السرد في النموذجين قام على التوصيل الشفاهي المباشر (راوٍ ومستمع)، فقد جاءت اللغة سهلة واضحة، مشوبة بكثير من اللهجة العامية العُمانية، مما كفل لنا، بوصفنا متلقين، الوقوف على ما يرمي إليه النموذجان من أهداف، ومن ثم التأكد من أصالتهما.

(ب) الوحدات الوظيفية:

        يرى بروب – وفقاً لتحليله لمجموعة من الحكايات الخرافية – أن ثمة وحدات وظيفية ثابتة تتوافر في كل حكاية، وأنها تأتي بناء على ضرورة منطقية وفنية، كما أنها لا تقبل الانقسام، فهي مستقلة ولا تحل إحداها محل الأخرى، كما أن الوحدة الوظيفية الواحدة تتمثل في فعل من أفعال الشخوص (21).

        وغنى عن القول أن الحكايات الشعبية لا يتوافر فيها من الوحدات الوظيفية بكثرتها وتنوعها ما يتوافر في الحكايات الخرافية.

        ومن بين الوحدات الثابتة التي تمثلت في النموذجين ما يلي:

وحـدة الخـروج:

        وتتمثل في النموذج الخرافي في خروج البطل لا إرادياً (بوضع حُريف في الصندوق وإلقائه في الصحراء)، وفي النموذج الشعبي في خروجه إرادياً (نجاح مكائد زوجة الأب، ومن ثم هروب فاضل).

        وتمثل هذه الوحدة نقطة انطلاق لبطليْ النموذجين ليبدأا سلسلة من المغامرات تتجاوز المعتاد، فينتقلان من حالة لأخرى أكثر نضجاً وثراءً. وعليه فإن هذه الوحدة تمثل رحلة البطل للحصول على ما يفتقده كما بينا سلفاً.

وحدة تحذير البطل:

        فحُريف يتم تحذيره من قبل الجنية الأخيرة من التفريط في الأغصان حال دخوله ليلاً مملكة الجن. والخيل الإنسية تحذر فاضل من مكائد زوجة أبيه ومن ثم يسلم من شرها.

وحدة إيذاء البطل ووقوعه ضحية:

        فزوجتا الملك في النموذج الخرافي تلجأن إلى الساحر من أجل التخلص من حُريف، كما يلجأ أخواه إلى تهديده بالقتل على يد الملك، حال إخفاقه في الإتيان بالرمان المطلوب، وبذا يُخدع حُريف، ويُضطر إلى الرحيل إلى بلاد الجان، ويمثل هذا الخداع انتصاراً مؤقتاً للأعداء، يقابله الانتصار الكامل للبطل في نهاية الحكاية، متمثلاً في عودته ظافراً بالمطلوب ورجوعه إلى أبيه الملك، مستعيداً مجده القديم.

        ويتمثل إيذاء البطل في النموذج الشعبي في نجاح مكائد زوجة الأب في إزاحة فاضل، ومن ثم إجباره على الهروب، مما يُعد انتصاراً مؤقتاً، يقابله الانتصار الكامل للبطل في نجاحه في تحقيق ذاته فارساً، وزواجه من الأميرة الصغرى وعودته إلى بيت أبيه واستحواذه على ما افتقده من أمان.

        مما تقدّم يتأكد وجود بنية نقيضية في الحكاية. فسواء أكان خروج البطل نتيجة لتهديد كما هي الحال مع حُريف، أم نتيجة لنقص كما هي الحال مع فاضل، فلابد أن تنتهي الحكاية بزوال التهديد وانتفاء النقص، تعقبهما عودة البطل.

 

وحدة افتقار البطل إلى شيء ما:

        فحُريف يفتقر إلى الحياة ومن ثم كان رحيله بحثاً عن الحل (الرمان الباكي والضاحك) في العالم اللامرئي (عالم الجن) حتى ينجو من الموت. وفاضل يرحل إلى بلدة بعيدة، بحثاً عن الأمان الذي يفتقده في بيت أبيه.

        ويلزم التنويه إلى أن ثمة وحدات تمثلت في النموذج الخرافي ولم تتمثل في النموذج الشعبي وهي:

- القوى المعارضة تبحث عن معلومات عن البطل وتستقبلها:

        ويتمثل ذلك في ذهاب زوجتيْ الملك إلى الساحر لإيجاد وسيلة للتخلص من حُريف، فيمدهما بمعلومات عن سماته التي بيّناها سلفاً.

- البطل يخالف المحذور:

        فحُريف حال انشغاله بجمع الرمان في مملكة الجان، يُلقي بأغصان الشجرة (الأداة السحرية)، فيمسك به الجان.

        وأخيراً تجدر الإشارة إلى وجود إطار لنموذجيْ الحكاية، يتمثل في بدايتهما ونهايتهما، ولا يُعد ضمن الوحدات الوظيفية.

        وتتمثل البداية في موقف استهلالي أو افتتاحية لها أهميتها؛ إذ تقوم في النموذج الخرافي بتقديم الأسرة (الملك وزوجاته الثلاث)، فضلاً عن تقديم سمات البطل (الوليد الذي نصفه ذهب ونصفه فضة) ومكانته (ابن ملك). كما تحتوي الافتتاحية على مفردات لها علاقة بالمأثورات الشعبية العُمانية (الأرز والتمر ويُعدان من المأكولات الشعبية، والذهب والفضة وهما زينة النساء والرجال، فضلاً عن كونهما ضمن الصناعات الحرفية العُمانية). كما تشير الافتتاحية إلى السلوك المفترض أن ينتهجه الملك؛ تفقد أحوال الرعية دون حواجز.

        وفي نموذج الحكاية الشعبية، تُظهر الافتتاحية أفراد الأسرة (الأب التاجر، الزوجة، الخيل الإنسيّة)، فضلاً عن اسم البطل (فاضل) ووضعه (يتمه).

        وجدير بالذكر أن الافتتاحيتين السابقتين تعكسان حالة التوازن للأحداث في بداية الحكايتين، يعقبها حالة اللاتوازن التي تبدأ بخروج البطل.

        وتنتهي الحكايتان نهاية سعيدة يلخصها النموذج الخرافي في عبارة ختامية: “وعاش الجميع في سرور وحبور وأقاموا السهرات والحفلات ووزعوا الهدايا” ويبلورها النموذج الشعبي في موقف ختامي يتضمن انتصار البطل على خصومه، ومن ثم انتصار الخير على الشر، مما يمنحنا شعوراً بالرضا – بوصفنا متلقين – من منطلق أن البطل في النموذجين – باعتباره معادلاً موضوعياً للإنسان – يظفر بالانتصار وينعم بالأمان ويهنأ بالسعادة، بعد سلسلة طويلة من المعاناة والألم.

        وغنى عن البيان أنه ليس ثمة صيغة ثابتة لافتتاحيات الحكايات ونهاياتها؛ إذ تختلف باختلاف الشعوب. ومن أمثلة الافتتاحيات: (صلوا على النبي – كان يا ما كان في قديم الزمان – كان يا ما كان في سالف العصر والأوان). ومن أمثلة النهايات: (وعاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات).

ثانياً: الدراسة من حيث المحتوى:

        لما كانت الحكايات صورة مركبة ومغلفة بمضامين عميقة، فقد تعين الوقوف على مجموعة من الرموز الموظفة في النموذجين، إذ إن “التعبير الأدبي الشعبي لا يعكس الواقع على نحو مباشر، بل ينحرف انحرافاً شديداً عن هذا الواقع. ويتم هذا من خلال حركة اللغة في مستوياتها الإبداعية، وحركة الأحداث، وحركة الشخوص، وهذا هو سر السحر في الإبداع الشعبي” (22).

        وثمة قاسم مشترك في النموذجين، يتمثل في توظيف رموز بعينها، هي:

- رمزية العدد ثلاثة:

        وقد تبلور توظيف هذا العدد في تكرار الفعل ثلاث مرات سواء من قبل البطل أو الشخصيات الأخرى على نحو ما أسلفنا، بغية إعطاء التجربة سحرها واكتمالها؛ فالعدد واحد يدل على البداية وعدم التطور والعدد اثنان يدل على الازدواجية والتضاد ولا يدل على النهاية والاكتمال، ومن ثم كان تكرار التجربة ثلاث مرات ضرورياً لأن المرة الثالثة هي الحاسمة على نحو ما يذهب إليه التعبير الشعبي “الثالثة ثابتة” (23).

- رمزية العدد سبعة:

        وقد تجلّت في النموذج الخرافي في المهلة “أسبوع” الممنوحة لحُريف لإحضار الرمان، وفي النموذج الشعبي في أن بنات الأمير سبع، وفي النموذجين في كون الشخصيات المؤثرة في مصير البطل سبع. ذلك أن العدد “سبعة” هو “رمز الاكتمال والدائرة المكتملة والإنجاز والمبادرة والتطهر والحكمة، وهو أيضاً رمز للحركة عبر الزمان والمكان، وصولاً إلى المطلق والكلى، إلى الأمن والاستقرار والراحة وحسن المآل” (24).

        فلا غرو إذن أن يتم توظيف هذا العدد في النموذجين فالعدد (سبعة) (*) من الأعداد التي يُعتد بها لدى شعوب كثيرة، مثل البابليين، اليهود، العرب، نظراً لمرجعيته الأسطورية والعقائدية والكونية والشعبية.

        وحيث إن العدد سبعة يشير إلى دورة الحياة وحالة التكامل فيها من أجل العودة إلى البداية أو الميلاد، فإنه لم يكن في مقدور حُريف إنجاز المهمة والإفلات من الموت إلا بتمام الأسبوع، كما لم يكن بوسع فاضل البدء في حياة جديدة إلا بزواجه من الأميرة السابعة، كما لم يكن لهما تحقيق الذات إلا من خلال تأثير الشخصيات السبعة في مصيرهما.

- رمزية الحصان:

        وتدخل في نطاق الرمزية الحيوانية التي تستند إلى الرمزية الأنثروبولوجية المشتركة بين عالمي الإنسان والحيوان، لما بينهما من تشاكل وتماثل وتشابه، ومن ثم ارتبطت هذه الرمزية. بمستويـات عديدة في حياة البشر، وبأبعاد عقائدية ونفسية واجتماعية (25).

        و”الحصان في الحكايات يرمـز إلى الوقت، فهو يوفر الانتقال السريع أو السحري” (26). استناداً إلى ارتباط رمزية الحصان بالحسابات الطبيعية للزمن وهي حسابات مستمدة من العلاقة القائمة بيـن حركة الشمس والقمـر وسرعـة حركة الحصان (27). وعليه، فإن توظيف الحصان في النموذجين له بُعده النفسي والاجتماعي، لما ينطوي عليه من تعويض لنواحي النقص في قدرات الإنسان الذي يحلم دوماً بما هو خارق ومتطور. فالبطل في النموذجين – باعتباره معادلاً موضوعياً للإنسان – حقق ما حققه بواسطة الحصان. فحُريف يصبح فارساً بواسطة الجواد الذي منحته إياه أمه البدوية. وبواسطة الجواد الذي أعطته له ملكة الجن، يتسنى له العودة السريعة إلى مملكة الجن لاستشارتها. ولولا الخيل الإنسية، لَمَا اجتاز فاضل الصحراء وأنجز ما أنجز.

- رمزية الأداة السحرية:

        تم توظيفها في النموذجين بدلالتين مختلفتين. ففي النموذج الخرافي وُظفت أغصان الشجرة، بهدف إبراز طبيعة حُريف من حيث تصميمه على الحصول على المطلوب، ومن ثم قطع المسافات ورضع من الجنيات بغية الحصول على هذه الأغصان التي لولاها لما اخترق مملكة الجان وأحضر الرمان، وبالتالي حقق لذاته الحياة الكاملة. وفي النموذج الشعبي، وُظفت الشعرة بهدف إكساب البطل المعرفة؛ فبحرقها تمكن من استدعاء الخيل ومن ثم عرف كيف يقتل الملك،وكيف يصبح فارساً في المعركة، وكيف يحصل على الصعب؛ (الظبي الرضيع).

- رمزية الرمان:

        وقد تم توظيفها في النموذجين، لا بوصف الرمان فاكهة شعبية في المجتمع العُماني فحسب، بل لتحقيق مغزى أعمق. فحُريف في النموذج الخرافي، بحصوله على الرمان الباكي والضاحك من مملكة الجن، يستحوذ على الحياة كاملة بشقيها (الحزن والفرح). وهو في هذا – باعتباره معادلاً موضوعياً للإنسان – يعود بنا – بمرجعية ما – إلى أسطورة الخلق، حيث جنة الخلد، فلولا اختراق المحظور من قبل آدم وحواء بالأكل من الشجرة، لكان لهما الخلود. واستناداً إلى أن الحكاية الخرافية تعد ضمن بقايا الأساطير والمعتقدات الدينية، فإن الموقف ذاته ينطبق على حُريف؛ إذ لولا حصوله على الرمان من عالم اللاواقع (مملكة الجن) لكان مصيره الهلاك. ورمادوه (فاضل) في النموذج الشعبي، تلقي عليه الأميرة الصغرى الرمانة ثلاث مرات لتعريف الآخرين بِمَنْ تريده زوجاً لها. و”موتيفة” التعرف بالفاكهة معروفة في الأساطير والسير الشعبية (28).

- رمزية الشر:

        الشخصيات النسائية في النموذجين هي منبع الشر (زوجتا الملك في النموذج الخرافي وزوجة الأب في النموذج الشعبي)، مما يظهر أن الشر جزء من الثقافة الشعبية، التي يُبرز أدبها غلبة المرأة، رغم ضعفها، نظراً لدهائها ومكرها. فلا غرو أن يُخدع الملك – في النموذج الخرافي – من قبل زوجتيه، إذ لا يعلم شيئاً عن ولده (حُريف)، وأن يُخدع الأب التاجر – في النموذج الشعبي – من جانب زوجته، فيخسر ابنه (فاضل) بهروبه.

        وللشر دور إيجابي في النموذجين، إذ به استكمل البطلان أوجه القصور، وكان مثيراً لبلوغ الأفضل.

- رمزية النهاية السعيدة:

        تعكس النهاية السعيدة في النموذج الخرافي، غرضاً نفسياً، متمثلاً في رغبة الشعب في صورة البطل المثالي، التي تحقق له (أي الشعب) آماله وأحلامه، وفي تمنياته أن يتحول كل فرد فيه إلى نموذج يحاكي هذه الصورة، بكل ما فيها من حياة كاملة وسلوك إيجابي، يعكسه تفاؤل البطل وقدرته في تخطي الشرور والآلام. ولا يرجع ذلك لاعتقاد الشعب أن هذه الصورة المثالية يستحيل تحققها إلا في الخيال، بل لإيمانه بأنها الصورة الأصلية للحياة (30)، بمعنى أنها الصورة التي ينبغي أن تكون عليها الحياة.

        وفي النموذج الشعبي، تعبر النهاية السعيدة عن صرخة داخلية من أجل التفوق والقدرة على تغيير المصير، فضلاً عن ترسيخ القيم الإنسانية حيث غلبة الخير على الشر، مما يؤدي إلى توازن الإنسان مع ذاته ومع الآخرين، ومن ثم استعادة ثقته في الحياة.

        وثمة رمزية أخيرة، تمثلت في النموذج الخرافي فحسب، وهي رمزية الصندوق الذي وضع فيه البطل، وهي رمزية لها مرجعية أسطورية وعقائدية (31)، تكشف عن الجانب اللاشعوري في الإنسان، ورغبته في ميلاد جديد، استناداً إلى أن الصندوق رمز للرحم (32)، وهو ما تحقق لحُريف، مما يؤكد أن “كل رمز في الحكاية الخرافية، له مغزى في حد ذاته، وهو يسهم مع الرموز الأخرى في إبراز المغزى النفسي الكبير للحكاية” (33).

الخـاتمـة:

        بعد دراسة شكل ومحتوى النموذجين: الخرافي والشعبي، اعتماداً على منهج التحليل البنائي، تم التوصل إلى مجموعة من النتائج، نوجز أهمها فيما يلي:

إن البطل في النموذج الخرافي، ينحدر من أصل نبيل، وينم اسمه عن سمات بطولية وسلوكية، ويمتلك قدرات خارقة، إلا أنه يعتمد على القوى الخارجية في مواجهة الأخطار التي تهدده. وعلى النقيض، فإن البطل في النموذج الشعبي، إنسان عادي، ينم اسمه عن سجايا أخلاقية وصفات جسدية، ويُعمل فكره في مجابهة الأخطار، فضلاً عن الاستعانة بالقوى الخارجية.

إن شخصية البطل الخرافي تنمو خارجياً، بينما تنمو شخصية البطل الشعبي داخلياً. أما بقية الشخصيات في النموذجين فقد وردت بشكل تجريدي، إما لإبراز الجانب البطولي لدى البطل، أو لتمثيل أنماط اجتماعية.

إن رحيل البطل لا إرادياً في النموذج الخرافي، وإرادياً في النموذج الشعبي، يمثل النقطة الفعلية لبداية الأحداث التي تتخذ بنية قائمة على الإضافة والتكرار.

إن الزمان والمكان قد أتيا بدور تجريبي، وإن بساطة اللغة كانت أداة فعّالة لتجلية الأهداف المضمنة في النموذجين.

إن ثمة وحدات وظيفية ثابتة في النموذجين هي: خروج البطل – تحذيره – إيذاؤه – وقوعه ضحية – افتقاره إلى شيء ما. في حين أن وحدتي القوى المعارضة تبحث عن معلومات عن البطل وتستقبلها، ومخالفة البطل للمحظور، اقتصرتا على النموذج الخرافي.

إن هناك اختلاف في مفاد الافتتاحية في النموذجين، وإن كانت تعكس حالة التوازن الحدثي فيهما.

إنه قد تم توظيف رموز بعينها في النموذجين بدلالات مختلفة. فرمزية العدد ثلاثة تنطوي على دلالة اكتمال التجربة، كما تنطوي رمزية العدد سبعة على العودة على البداية أو الميلاد الجديد لبطلي النموذجين. ولرمزية الحصان بُعد نفسي واجتماعي، بما تعكسه من تعويض لنواحي النقص والقصور لدى البطلين، باعتبارهما معادلاً موضوعياً للإنسان. وتبين رمزية الأداة السحرية في النموذج الخرافي طبيعة البطل، كما تحقق الجانب المعرفي لدى بطل النموذج الشعبي.

إن ثمة مرجعية عقائدية في النموذج الخرافي وراء توظيف رمزية الرمان، وأخرى أسطورية وشعبية لتوظيف الرمزية ذاتها في النموذج الشعبي.

إن فعل الشر النابع من الشخصيات النسائية له رمزية ينطوي توظيفها على دور مزدوج: سلبي وإيجابي. كما تنطوي رمزية النهاية السعيدة في النموذج الخرافي على الرغبة الدائمة في البطولة النموذجية، وعلى ما يعتمل الإنسان من صرخة تعلن قدرته على تغيير مصيره في النموذج الشعبي.

وختاماً، فإن رمزية الصندوق قد تم توظيفها في النموذج الخرافي فحسب، للكشف عن الجانب اللاشعوري في الإنسان، من حيث رغبته في ميلاد جديد يتسم بالكمال.

الهـوامـش

(1) عن اختلاف وجهات النظر بصدد تعريف المصطلح وتبيان حدوده، راجع كلاً من:

- عبدالحميد يونس. معجم الفولكلور مع مسرد إنجليزي عربي، بيروت، مكتبة لبنان، (د.ت) باب “الهمزة”، ص24.

- أحمد علي مرسي. الأدب الشعبي العربي: المصطلح وحدوده، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع21، أكتوبر- ديسمبر، 1987م، ص ص 14-25.

- فاروق خورشيد. السيرة الشعبية العربية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988م، ص ص 24،26.

(*) قام بجمع الحكايات المضمنة في المخطوطة – من مختلف مناطق سلطنة عُمان سعيد بن محمد بن سلطان السليماني، المستشار (سابقاً) بمكتب وزير التعليم العالي بالسلطنة.

(2) See: Kinga Devenyi . Omani Proverbs: Date Palms and Dates, المستعرب  :Essays In Honour of Alexander Fodor on His Sixtieth Birthday, THE ARABIST , Budapest Studies in Arabic 23, published with the help of the Union Europeenne des Arabisants et Islamisants , 2001,pp.29-46.

- For more information about Omani Proverbs . See: Kinga Devenyi . Omanica in Omani Proverbs  Ipid , 26-27, 2003 , pp.123-137.

(3) راجع كلاً من:

- نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية، القاهرة، دار الفكر العربي، 1973م، ص 133.

- سيزا قاسم. روايات عربية: “قراءة مقارنة”، ط1، الدار البيضاء، شركة الرابطة، 1997م، ص ص33،34.

- غراء المهنا. الرمز في الحكايات الشعبية، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة: الهيئة المصرية العامة لكتاب، ع34، ديسمبر 1991م، ص33.

(4) نبيلة إبراهيم. مرجع سابق، ص26.

(5) أحمد أبو زيد. الواقع والأسطورة في القص الشعبي، مجلة عالم الفكر، الكويت، وزارة الإعلام، مج 17، ع1، إبريل- يونيو 1986م، ص14.

(6) لمزيد من التفاصيل بصدد هذه الوحدات؛ راجع:

- نبيلة إبراهيم. فن القص في النظرية والتطبيق، القاهرة، مكتبة غريب، (د.ت)، ص ص17-18، ومواضع أخرى.

- فلاديمير ياكوفلفيس بروب. مورفولوجيا الحكاية الخرافية؛ عرض وتحليل عبدالعزيز رفعت، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع ع 32-33، 1991م، ص ص 131-133.

- أحمد أبو زيد. مرجع سابق، ص ص 10-13.

(7) راجع. فردريش فون ديرلاين. الحكاية الخرافية: “نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها”؛ ترجمة نبيلة إبراهيم؛ مراجعة عز الدين إسماعيل، القاهرة، مكتبة غريب، (د.ت)، ص ص 23-24.

(8) فلاديمير ياكوفلفيس بروب. مرجع سابق، ص132.

(9) راجع: نبيلة إبراهيم. أشكال التعبير في الأدب الشعبي، ط3، القاهرة، دار المعارف، 1981م، ص133.

(10) فردريش فون ديرلاين. مرجع سابق، ص144.

(11) عن البطل في الحكاية الخرافية، راجع:

- نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، ص ص 124-125.

- ــــــ. فن القص …، مرجع سابق، ص18.

- جوزيف كامبل مع بيل مويرز. سلطان الأسطورة؛ تحرير بيتي سوفلاورز؛ ترجمة بدر الديب، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2002م، ص ص 169-170.

- عبدالله إبراهيم. السردية العربية: “بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي”، ط1، بيروت، المركز الثقافي العربي، يوليه 1992م، ص117.

- غراء المهنا. مرجع سابق، ص ص27،28.

أما عن البطل في الحكاية الشعبية، فراجع:

- غراء مهنا. السابق، ص ص 25، 26، 27.

- نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، ص ص 82، 89، 122، 128.

(12) عن طبيعة الشخصيات الأخرى في عالم الحكاية الخرافية، راجع:

- فردريش فون ديرلاين. مرجع سابق، ص ص 65-66.

- نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، ص ص 118، 122، 123.

وعن طبيعة تلك الشخصيات في عالم الحكاية الشعبية، راجع:

- نبيلة إبراهيم. السابق، ص ص 126-128.

- ــــــ. خصوصيات الإبداع الشعبي، مجلة فصول، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج2 “قضايا الإبداع”، مج10، ع ع 3-4، يناير 1992م، ص ص 72،73.

- غراء المهنا. مرجع سابق، ص25.

(13) عن طبيعة الأحداث في الحكاية الخرافية، راجع:

- فردريش فون دير لاين. مرجع سابق ص ص 65-66، 146، 147.

- نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، ص43.

          وعن طبيعة الأحداث في الحكاية الشعبية، راجع:

- نبيلة إبراهيم. السابق. ص ص 14، 86.

- فردريش فون ديرلاين. مرجع سابق، ص141.

- سيزا قاسم. مرجع سابق، ص74.

(14) بصدد وظائف الحكاية الخرافية وأهدافها، راجع:

- نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، صص 132، 196، 209.

- ــــــ. أشكال التعبير…، مرجع سابق، ص144.

     وبصدد وظائف الحكاية الشعبية وأهدافها، راجع:

- عبدالحميد يونس. مرجع سابق، ص114.

- فالتراود فولر، ما تياس فولر. الحكاية الشعبية في القرن العشرين؛ ترجمة أحمد عمار، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع 45، أكتوبر- ديسمبر، 1994م، ص39.

- نبيلة إبراهيم. أشكال التعبير…، مرجع سابق، ص ص 141، 142، 143.

(15) أصل العنوان هو “النص ذهب والنص فضة”، وقد جُمعت الحكاية شفاهة من المواطن خليفة بن سالم الشعيلي من ولاية “عبري” بمنطقة الظاهرة الواقعة في الجزء الشمالي من سلطنة عُمان، وكذا من المواطنيْن: سيف العراقي وهلال بن حمود الندابي من قرية “سرور” بولاية “سمائل” الواقعة بمنطقة الداخلية بالسلطنة.

(*) حُريف تصغير كلمة حَرْف وتعني في اللهجة العامية العُمانية قطعة ذهب مصاغة بإتقان.

(16) لم يحدد جامع الحكاية اسم راويها ولا موطنه بالسلطنة.

(*) الإنسية صفة تطلق – مجازاً – في اللهجة العامية العُمانية على الحيوانات الأليفة. لاحظ أن هذه الصفة تنطوي على عملية تشخيص للحيوان، وتعد ضمن بقايا الديانات القديمة كالديانة الطوطمية، راجع في ذلك: نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي، مرجع سابق، ص133.

(**) تطلق لفظة العمة في اللهجة العامية العُمانية على زوجة الأب.

(17) راجع: نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، ص128.

(*) راجع الحكاية الخرافية، ولاحظ أن أحد العلماء أكّد لحُريف وجود بلاد الجان دون إخطاره بسبيل الوصول إليها. ومع ذلك قطع حُريف رحلة شاقة دون عوائق حتى وصل إلى الرجل (الجني) الضخم.

(18) نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، ص43.

(19) نبيلة إبراهيم. فن القص…، مرجع سابق، ص84.

(20) نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، ص39.

(*) لاحظ أن تفريع الحدث الواحد لا يتوافر في الحكايتين، وإن كان هذا لا ينفي وجود مجموعة من الحوادث الفرعية فيهما، ترتبط بالبطل ارتباطاً مباشراً، منها على سبيل المثال في النموذج الخرافي لجوء زوجتا الملك للساحر ليدلهما على سبيل التخلص من حُريف، واصطحاب المرأة البدوية حُريفاً إلى العالم ليدلهما على مكان بلاد الجان، وفي النموذج الشعبي؛ حث زوجة الأب أخاها على الاستمرار في إهانة فاضل وإيذائه، وعمل فاضل مزارعاً في بستان الأمير، واستحمامه في بركة البستان، واكتشاف الأميرة الصغرى لحقيقة أمره، وإلقاء بنات الأمير الست الرمان على مَنْ يرغبن في الزواج منه.

(21) راجع: نبيلة إبراهيم. فن القص…، مرجع سابق، ص ص 17،18.

(22) نبيلة إبراهيم. خصوصيات الإبداع ، مرجع سابق ، ص ص72-73.

(23) راجع: نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، ص ص 39-40.

(24) شاكر عبدالحميد. الحلم والرمز والأسطورة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص137.

(*) في المثيولوجيات القديمة، خُلق العالم في سبعة أيام، وفي الأديان السماوية، خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش في اليوم السابع. والسماوات سبع والأراضي سبعة والأفلاك سبعة، وأيام الأسبوع سبعة والحبوب سبعة. وفي بعض التقاليد الشعبية يُمنح الطفل حمامه الأول في اليوم السابع لميلاده (السبوع). لمزيد من التفاصيل راجع: ثناء أنس الوجود. رمز الماء في الأدب الجاهلي، ط1، القاهرة، مكتبة الشباب، (د.ت)، ص ص 33، 59، 60.

          كما أن حالات القمر سبع، والألوان الأساسية سبعة، والسلم الموسيقي سُباعي، وقراءات القرآن الكريم سبع، ومراحل التصوف سبع، ومقاماته سبعة، لمزيد من التفاصيل، راجع: شاكر عبدالحميد. مرجع سابق، ص ص 136-137.

(25) راجع: محمد عجينة. موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية دلالاتها، ط1، بيروت، دار الفارابي، ج1، 1994م، ص345.

(26) غراء المهنا. مرجع سابق، ص32.

(27) جيلبير دوران. الأنثروبولوجيا: “رموزها، أساطيرها، أنساقها”؛ ترجمة مصباح الصمد، ط1، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1411هـ-1991م، ص53.

(28) فمثلاً في ملحمة “الأديسا” لهوميروس تعرفت زوجة أوديسيوس (أوليس) عليه بواسطة التفاحات حين عاد متنكراً. كما تعرفت اليمامة على أخيها الهجرس بالتفاحات في سيرة الزير سالم راجع: شوقي عبدالحكيم. الزير سالم أبو ليلى المهلهل، ط1، بيروت، دار ابن خلدون، 1982م، ص ص 123-124.

(29) راجع: عبدالحميد يونس. مرجع سابق، ص116.

(30) راجع: نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، ص132.

(31) في أسطورة أوزوريس – مثلاً – وضع الملك إيزيس في قفص وألقى في النيل. راجع: صموئيل هنري هووك. منعطف المخيلة البشرية: “بحث في الأساطير”؛ ترجمة صبحي حديدي، ط1، اللاذقية، دار الحوار للنشر والتوزيع، 1983م، ص55. كما وضع سيدنا موسى عليه السلام في التابوت وألقي في اليم. راجع: سورة القصص، آية 28.

(32) راجع: شاكر عبدالحميد. مرجع سابق، ص111.

(33) نبيلة إبراهيم. قصصنا الشعبي…، مرجع سابق، ص211.

ثبت المصادر والمراجع

أولاً: المصادر:

(1) سعيد بن محمد بن سلطان السليماني (جامع). “النصف ذهب والنصف فضة” (حكاية خرافية)،  رواية خليفة بن سالم الشعبي، وسيف العراقي، وهلال حمود الندابي.

(2) ـــــــــ.  “فاضل أو رمادوه” (حكاية شعبية)؛ الراوي مجهول الهوية.

(3) شوقي عبدالحكيم. الزير سالم أبو ليلى المهلهل، ط1، بيروت، دار ابن خلدون، 1982م.

(4) القرآن الكريم.

ثانياً: المراجع العربية الحديثة:

(1) ثناء أنس الوجود. رمز الماء في الأدب الجاهلي، ط1، القاهرة، مكتبة الشباب، (د.ت).

(2) سيزا قاسم. روايات عربية: “قراءة مقارنة”، ط1، الدار البيضاء، شركة الرابطة، 1997م.

(3) شاكر عبدالحميد. الحلم والرمز والأسطورة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م.

(4) عبدالله إبراهيم. السردية العربية: “بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي”، ط1، بيروت، المركز الثقافي العربي، يوليه 1992م.

(5) فاروق خورشيد. السيرة الشعبية العربية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988م.

(6) نبيلة إبراهيم. أشكال التعبير في الأدب الشعبي، ط3، القاهرة، دار المعارف، 1981م.

(7) ــــــ. فن القص في النظرية والتطبيق، القاهرة، مكتبة غريب، (د.ت).

(8) ــــــ. قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية، دار الفكر العربي، 1973م.

ثالثاً: المراجع المترجمة:

(1) جوزيف كامبل مع بيل مويرز. سلطان الأسطورة؛ تحرير بيتي سوفلاورز؛ ترجمة بدر الديب، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2002م.

(2) جيلبير دوران. الأنثروبولوجيا: “رموزها، أساطيرها، أنساقها”؛ ترجمة مصباح الصمد، ط1، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1411هـ-1991م.

(3) صموئيل هنري هووك. منعطف المخيلة البشرية: “بحث في الأساطير”؛ ترجمة صبحي حديدي، ط1، اللاذقية، دار الحوار للنشر والتوزيع، 1983م.

(4) فالتراود فولر، ما تياس فولر. الحكاية الشعبية في القرن العشرين؛ ترجمة أحمد عمّار، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع45، أكتوبر-ديسمبر، 1994م.

(5) فردريش فون ديرلاين. الحكاية الخرافية: “نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها”؛ ترجمة نبيلة إبراهيم؛ مراجعة عز الدين إسماعيل، القاهرة، مكتبة غريب، (د.ت).

(6) فلاديمير ياكوفلفيس بروب. مورفولوجيا الحكاية الخرافية؛ عرض وتحليل عبدالعزيز رفعت، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع ع 32-33، 1991م.

رابعاً: المراجع الأجنبية:

(1) Kinga Devenyi . Omani Proverbs: Date Palms and Dates, المستعرب  :Essays In Honour of Alexander Fodor on His Sixtieth Birthday, THE ARABIST , Budapest Studies in Arabic 23, published with the help of the Union Europeenne des Arabisants et Islamisants , 2001.

     – Kinga Devenyi . Omanica in Omani Proverbs  Ipid , 26-27, 2003.

خامساً: الدوريات.

(1) أحمد أبو زيد. “الواقع والأسطورة في القص الشعبي”، مجلة عالم الفكر، الكويت، وزارة الإعلام، مج 17، ع1، أبريل- يونيو 1986م.

(2) أحمد علي مرسي. الأدب الشعبي العربي: “المصطلح وحدوده”، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع21، أكتوبر- ديسمبر 1987م.

(3) غراء المهنا. “الرمز في الحكايات الشعبية”، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع34، ديسمبر 1991م.

(4) نبيلة إبراهيم. “خصوصيات الإبداع الشعبي”، مجلة فصول، ج2 “قضايا الإبداع”، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مج10، ع ع 3-4، يناير 1992م.

سادساً: الموسوعات.

(1) محمد عجينة. موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها، ط1، بيروت، دار الفارابي، ج1، 1994م.

سابعاً: المعاجـم.

(1) عبدالحميد يونس. معجم الفولكلور مع مسرد إنجليزي عربي، بيروت، مكتبة لبنان، (د.ت).

Abstract

The topic of this research is:”The Omani Fable Tale and Folk Tale: A study on the Form and Content of two types”.

The aim of the study is to discover the role of the tale in expressing the society as an entity and explaining the role played by the artistic form in unveiling a philosophy related to a human experience and how the nation fulfills its needs through tales what it can not achieve in reality.

The study which applies the Morphological Analysis of Propp “Vladimir Iakovlevich (1895-1970)” is divided into two parts in addition to a conclusion. The first part deals with the artistic elements and the functional units of the fable and folk tale, the second one handles a group of symbols used in the two tales, aiming to reveal their implications.

The conclusion comprises the important results of the study.

ملخـص البحـث

موضوع هذا البحث هو “الحكاية الخرافية والشعبية العُمانية: دراسة في الشكل والمحتوى لنموذجين”، “النصف ذهب والنصف فضة”، نموذجاً خرافياً، و”فاضل أو رمادوه” نموذجاً شعبياً.

        تهدف الدراسة إلى الكشف عن دور الحكاية في التعبير عن المجتمع بوصفه ذاتاً، وتبيان الدور الذي يلعبه الشكل الفني لها في الكشف عن فلسفة ما، لها علاقة بتجربة إنسانية، وكيفية تحقيق الشعب، بواسطة الحكاية، ما لا يستطيع تحقيقه في الواقع.

        وتتخذ الدراسة التحليل المورفولوجي لدى “فلاديمير بروب”، منهجاً لها، حيث تنقسم إلى قسمين، يعرض أولهما للعناصر الفنية والوحدات الوظيفية. أما الثاني فيتناول مجموعة من الرموز الموظفة في النموذجين، بهدف الوقوف على ما تنطوي عليه من دلالات. ويتلو ذلك خاتمة تحوي أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج.

تمهيــد:

        إن الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان المتمثل في أقصى الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية، قد جعل البلاد تطل على بحر العرب من أقصى الجنوب الشرقي، ومضيق هرمز شمالاً، واليمن من الجنوب الغربي، والسعودية غرباً ودولة الإمارات المتحدة شمالاً.

        وتُعد سلطنة عُمان مركزاً حضارياً نشطاً منذ أقدم العصور التاريخية، حيث شكلت على مدار التاريخ صلات تجارية وبحرية وحضارية مع الشعوب الأخرى لاسيما تلك التي تتمتع بحضارات قديمة مثل: بلاد الصين والهند وبلاد ما بين النهرين وبلاد شرق البحر المتوسط ووادي النيل وشمال أفريقيا.

        ودولة بمثل هذه الاستراتيجية الجغرافية والخصوصية الحضارية، من الطبيعي أن تتمتع بتراث عريق على الصعيدين المادي والمعنوي. حيث تقف القلاع والحصون والبيوت الأثرية… إلخ، شاهداً عياناً على مادية هذا التراث والتاريخ، بينما تأتي الموروثات الأخرى بكافة أشكالها كالعادات والتقاليد والآداب والفنون … إلخ دليلاً قاطعاً على الجانب المعنوي لهذا التراث.

        ونحن حين نقول: الفولكلور العُماني أو الفولكلور في سلطنة عُمان أو المأثور الشعبي العُماني، فإننا نعني بذلك كل أشكال التعبير الشعبي المنطوقة وغير المنطوقة أي كل “الفنون سواء استخدمت الكلمة أو الحركة أو الإشارة أو الإيقاع أو الخط أو اللون أو تُشَكِلْ مادة أو آلة بسيطة”.

ويُعد الفولكلور في سلطنة عُمان وسيلة اتصال جماعية، وهو في انقسامه الثنائي: مادي ومعنوي، يعتبر قسمه الأول أيسر في الدراسة والبحث لما يتوافر فيه من علاقة محسوسة تدرك بشكل مباشر بين الشيء واستخداماته أو وظيفته. ويشكل هذا القسم الجانب الآلي المحسوس في ثقافة الشعب العُماني.

        أما القسم المعنوي من الفولكلور في سلطنة عُمان فهو الأكثر تعقيداً بحثاً ودراسة وذلك لغموضه ولتعامله مع الحياة الاجتماعية بكل تعقيداتها وخفاياها، ومن ثم فهو يمثل البعد الأخلاقي والجمالي اللذين خلالهما يحقق الفولكلور أهدافه.

الأدب الشعبي العُماني:

        وإذا كان الجانب المادي في الفولكلور العُماني يتمثل فيما يتمثل من الحرف التراثية والآلات الموسيقية التقليدية، والموسيقى والألحان، وبعض الألعاب والأكلات الشعبية، فضلاً عن تنوع الزي العُماني باختلاف المناطق في السلطنة. فإن ضمن ما يمثل الجانب المعنوي من هذا الفولكلور هو الأدب الشعبي (Folk Literature ) الذي يمنح الشعور بالحرية في التعامل معه بها فيه من مرونة فهو أدب قابل ـ دوماً ـ للحذف والإضافة والتعديل، لاعتماده على الكلمة الشفاهية المنطوقة؛ السابقة للكلمة المكتوبة. والكلمة الشفاهية المنطوقة في هذا الأدب منحته سمة التواصل. فالأدب الشعبي هو الأدب الذي يصل إلى كل الطبقات بالسلطنة بمختلف فآتها الاجتماعية ومستوياتها وهو يحوي في طياته أنماط أدبية مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر. الأمثال الشعبية التي تجسد وتلخص نتائج خبرات البشر وتجاربهم الحياتية، والأغاني الشعبية Folk Songs تلك التي تُغنى جماعة في مناسبات بعينها كالأعراس أو الاحتفاء بقدوم مولود جديد أو قدوم العيد أو منتصف شهر رمضان … إلخ، فضلاً عن ذلك الحكايـات المختلفـة التي ينـدرج تحتهـا الحكايات الخرافية (Fobl tale) والشعبية (Folk tale) والحكـايـات الـتـي تحـكـى عـن ظـاهـرة خـسـوف القمـر (Tales in Relatino ship with Eclipse of the moon) وحكايات الجان (Jinn Tale) والسيرة الشعبية (the art of Sira     ) التي تمجد بطولة من البطولات الشعبية أو التاريخية.

        ولما كان المجال لا يتسع للتمثيل بنماذج من كل الأنماط السابقة، فقد آثرنا الوقوف على نمط الحكاية الخرافية في الأدب الشعبي لما وجدنا في النموذج التالي أبعاداً تفي للاستدلال على أن الحكاية الخرافية في الأدب الشعبي العُماني، لم توجد من باب الزخرفة القولبة أو الحشو السردي أو التسلية أو الترفيه، بل حوت في طياتها عمق التجربة الإنسانية وخلاصة تكرار مواقفها، فضلاً عن الجانب المأساوي فيها بكل ما فيه من مفارقات وثنائيات تعكس طبيعة العلاقة بين الإنسان والآخر من ناحية، وبينه وبين الحيوان من ناحية أخرى.

        وعلى كل الأحوال فلنترك الجانب التحليلي للحكاية إلى ما بعد سردها إذ ما سأذهب إليه نظرياً الآن سيجليه الجانب التطبيقي من حكاية (فاضل ورمادوه). (1)

الحكـايـة:

        كان ياما كان في سالف العصر وقديم الزمان: تاجراً له ابن وحيد يدعى (فاضل)، توفيت أمه وهو طفل صغير، فتزوج أبوه من امرأة أخرى لا تحب فاضل وتحاول دوماً التخلص منه حتى يتسنى لها الاستحواذ على قلب زوجها.

كان لفاضل خيل تدعى (إنسية)، والأخيرة بما فيها من دلالات الإنس والمؤانسة، أطلقها الإنسان العُماني البسيط مسماً شعبياً للحيوانات الأليفة.

        ولما كان والد فاضل تاجراً، تتطلب طبيعة عمله الغياب عن البيت من الصباح الباكر حتى نهاية اليوم، فإن زوجته التي كان صابر يناديها بـ (عمتي) (لاحظ أن المسمى يستخدم مجازاً للتعبير عن زوجة الأب في المجتمع العُماني وليس بالضرورة أن يُعنى بالكلمة معناها اللغوي) -  اعتادت تعذيب فاضل طول فترة غياب الأب، فتارة تمنع عنه الطعام، وأخرى تسبه، وثالثة تضربه. ليس هذا فحسب، بل كانت ترسله إلى الكُتّاب (مدرسة بدائية تعلم النشء قراءة وحفظ القرآن)، وهناك في الكُتّاب كان يواصل معلم القرآن (أخو الزوجة) رحلة تعذيب فاضل بالضرب والإهانة.

        وفي ففي يوم من الأيام وأثناء اجتماع زوجة الأب بأخيها (معلم القرآن) من أجل التخطيط لكيفية التخلص من فاضل تخلصاً نهائياً. تصادف أن الخيل (إنسية) كانت تنصت لمخططهما، ومن ثم أبلغت فاضل بكل التفاصيل.

        وعليه فإن في اليوم التالي، حيث عمة فاضل التي لم تعتاد الاعتناء به، قدمت إليه طبقاً نظيفاً من الطعام، بيد أن فاضل رفض تناوله، واتجه مباشرة نحو المطبخ وأخذ يأكل القدر معللاً فعلته بأنه آثر أن يترك الطعام والطبق النظيفين لعمته.

        ثم قدمت إليه عمته قميصاً نظيفاً كي يرتديه، فرفضه ورفع القميص بطرف عصا، وذهب به إلى الحديقة ليحرقه. قانعاً عمته بأن أباه سيشتري له قميصاً جديداً بدلاً من المحروق.

        وفي المرة الثالثة وحين شكت الزوجة وأخوها، أن الخيل (إنسية) تخبر فاضل في كل مرة عن تفاصيل مخططهما، قررا في هذه المرة أن لا تفشل المحاولة.

        وعليه ادعت زوجة الأب المرض الشديد، عبر حيلة الخوص والخبز اليابس، حيث وضعتهما تحت فراشها ثم رقدت، فحين عاد الأب في المساء ادعت المرأة المرض وشدة الآلام عبر تقلبها يميناً ويساراً على الفراش. ذلك التقلب الذي أحدث تكسيراً للخوص الخبز اليابس، ومن ثم صوتاً استطاعت أن توهم به زوجها بأنه صوت تكسر ضلوعها وعضلاتها من شدة آلامها ومعاناتها.

        وبناء على شدة المرض شرع الزوج في استدعاء الحكيم، لكن زوجته طمأنته بأن حضور الطبيب قد وقع فعلاً ووصيته لها بالشفاء أن تأكل من كبد خيل. من المؤكد أنها لم تكن تعني أية خيل، بل إنسية بالذات، وعليه استدركت الموقف حتى لا يشك الزوج في سوء نيتها بقولها: اعلم أن ذبح إنسية من الصعوبة بما كان لأن فاضل متعلق بها تعلقاً شديداً، .. فاقتنع الزوج مؤكداً لها أنه يمكن تعويض الخيل بشراء أخرى لابنه بيد أن حياتها غالية ولا يمكن تعويضها.

        وعليه ناقش فاضل في الصباح الباكر ـ مع خيله كيفية الخروج من المأزق فاقترحت عليه الخيل باقتراح الصهاليل الثلاث: إذ اتفقا حين يكون فاضل في المدرسة تصهل إنسية حين تهيأتها للخروج من الاستطبل الصهلة الأولى، وتصهل بكل ما أُوتيت من قوة للمرة الثانية حين وصولها لدى ساحة الجزارة ثم تصهل الصهلة الثالثة عند ذبحها.

        وبالفعل صهلت إنسية الثلاثة صهلات واستطاع فاضل في مدرسته أن يسمعها لكنه مع الصهلة الأولى، حاول أن يستأذن من معلمه للخروج من الصف بعذر الذهاب إلى البيت فرفض المعلم، وفي المرة الثانية كرر الاستئذان بعذر العطش فتكرر الرفض، وعليه في المرة ا لثالثة غافل معلمه وخرج يجري إلى ساحة الذبح.

        وفي الساحة قابل فاضل أباه فأخبره الأخير بمرض عمته وأنه مضطر إلى ذبح الخيل إنسية.. أبدى فاضل كل الرضا على فعلة أبيه وطلب منه على سبيل الوداع أن يركض على ظهر إنسية لبضعة أشواط، وافق الأب مذكراً إياه بعدم التأخير إذ أن عمته تعاني شدة الآلام والمرض.

        ركض فاضل مع خيله بسرعة مذهلة إلى أن وصل إلى خارج المدينة، وهناك كاتب والده يخبره بفعلة عمته وما كانت تكيد له من شر، ثم عاد فاضل ليدخل المدينة حيث كان والده يصفق له ويستجديه العودة والبقاء، رفض فاضل وركض بعيداً مرة أخرى راسلاً ومكملاً ما كتبه سابقاً حيث أوضح مؤامرة وخديعة مرض عمته، ثم عاد إلى المدينة خارجاً منها في هذه المرة دون عودة، كل ذلك ووالده يحجب عن زوجته ما قاله فاضل، لكن حين خروج ابنه في المرة الأخيرة دون عودة، قرر الأب أن يواجه زوجته بخديعة الخوص والخبز الجاف… فافتضح أمرها وتمنى نادماً عودة ابنه بيد أن ذلك رجع بعيد.

        عبر فاضل مع إنسية الصحاري مسافراً من بلدة إلى أخرى مواجهاً مستقبلاً مجهولاً، وتاركاً ورائه خوفه الذي كان يلاحقه كشبح يسكنه، يروعه من معرفة عمته مكانه وعليه تكرار محاولاتها في المكيدة والتعذيب له.

        وأخيراً وصل فاضل مع إنسية بالقرب على حدود إمارة، عرف أميرها بالخير وحب شعبه لـه. فقرر فاضل دخول الإمارة بعد أن يتنكر بصبغ وجهه وجسده برماد الخطب حتى لا يتعرف عليه أحد. وزيادة في التنكر والتمويه اتفق مع خيله أن يدخل الإمارة بمفرده تاركاً إنسية على الحدود فأشارت عليه إنسية بحيلة الشعيرات الثلاثة، أي يأخذ منها ثلاث فصلات،وفي حالة الاحتياج إليها يقوم بحرق خصلة واحدة فتأتيه مسرعة منجدة إياه.

        دخل فاضل الإمارة متنكراً في لونه الرمادي، ولم يمض وقت طويل حتى استطاع أن يكسب ثقة أمير الإمارة الذي سلمه العمل في المزارع والحدائق نتيجة لإخلاصه وأمانته وتفانيه في العمل. كما صار محبوباً بين الناس الذين عرفوه باسم (مادوه).

        وفي يوم من الأيام تنامى إلى مسامع الأمير أن ملكاً جباراً لبلدة مجاورة، قد قرر أن يدخل الإمارة سطواً مع جيوشه، وأن يتزوج من إحدى بنات الأمير ثم يقتلها تاركاً جثتها هدية لأهلها، وهو ما كان يقترفه دائماً. وقد وقع اختياره في هذه المرة على الأميرة الصغرى أجمل بنات الأمير الست،وأكثرهن فتنة وحسناً.

        كابد الأمير حزنه متمنياً أن لا يأتي اليوم الموعود. فقرر فاضل وفاءً للأمير ومحبة له أن يخلصه من كدره وأن ينقذ الأميرة، فبينما حان وقت الغروب وموكب أهل الإمارة في منتهى الحزن وهم يوصلون الأميرة الصغيرة إلى قصر الملك تاركين إياها بمفردها مع حقائبها… اغتسل فاضل من الرماد ولبس أحلى الحلل وتلثم ثم أحرق خصلة من الشعيرات فأتته إنسية على الفور فامتطاها وركض بها في الصحراء متجاوزاً الحزن والأسى المخيمين في المكان إلى قصر الملك رأساً، مقتحماً إياه.. فقاوم الجنود وقتلهم وبعد أن قتل الملك الجبار، غمس كفه بدمه ثم صعد على ظهر خيله راكضاً بها بعيداً، ثم عائداً مسرعاً في اتجاه جدار القصر حيث قفز من ظهر جواده وأبصم، بكفه الملطخة بدماء الملك، أعلى ما استطاع الوصول إليه من صفحة جدار القصر، ثم سقط على ظهر جواده مسرعاً بها بعيداً خارج القصر والمدينة، كل ذلك وابنة الأمير في القصر تتابع وتشاهد كل ما حدث.

        في صباح اليوم التالي فبينما الأمير وأهل إمارته يتطلعون خبر ابنتهم في قصر الملك فجيئوا بأن الأميرة الصغرى حية بقصر الملك والأخير مع بقية جنوده جثة هامدة في القصر والصحراء.. بعد رؤية الأمير لعلامة الكف المبصمة دماً في أعلى جدار القصير دعا كل الشباب للقفز إلى مكان العلامة من أجل معرفة ومكافئة الفارس المغوار الشجاع الذي قتل الملك وأنقذ ابنته من براثنه.

        لم يجرؤ أحد من الشباب القفز للارتفاع الشديد لموضوع علامة الكف… تتواصل الأحداث حتى تكتشف الأميرة الجميلة حقيقة الفارس الملثم الذي أنقذ حياتها، وذلك حين شاهدته صدفة من نافذة قصرها وهو يغتسل في بركة مياه ببستان القصر فبدا جسده أبيض ووجهه وسيماً فعرفت أنه الفارس الذي أنقذ حياتها، إذ رأته بعد أن لبس ملابسه يدهن نفسه بالرماد حتى صار قذراً وتعجبت لأمره. بيد أنها أخذت تراقبه بدقة فتذكرت نظراته وصوته يذكرونها بنفس نظرات وحركات ذلك الفارس الملثم، فضلاً عن نبرات صوته حيت تهديداته للملك الجبار. وعليه مال قلبها إليه، وبادلها فاضل أو رمادوه نفس شعور العشق، لكنه كان يخشى التصريح بذلك.

        ذات يوم بينما كان الأمير جالساً في مجلسه بين وزرائه ومستشاريه، أرسلت بناته صحناً به حب رمان، فاستغرب الأمير ذلك، واستشار مَنْ حوله، فأفتاه القاضي بأن البنات يعبرن عن رغبتهم في الزواج. فأمر الأمير بجمع أقربائه من أبناء إخوانه وأبناء أنسابه فحضروا جميعاً في المجلس.

        فبينما كان الحرس والخدم والعمّال الخاصين بالأمير يقومون بخدمة ضيوف المجلس، كان رمادوه واقفاً بينهم وخادماً معهم. وحسب مشورة القاضي على الأمير فقد أعطت كل بنت من بنات الملك رمانة، لترميها نحو مَنْ ترغب الزواج منه، فرمت الابنة الكبرى رمانة على صدر أحد الشباب الجالسين وهكذا فعلت الثانية والثالثة… إلى أن أتى دور الأميرة الصغرى، التي رمت بدورها الرمانة على صدر رمادوه فصرخ المجلس (غوية غوية) أي غلطة غلطة، فأعيد إليها الرمانة فرمتها في المرة ا لثانية على رأسه وصرخ الجميع كما في المرة السابقة، أعيدت الرمانة إلى الأميرة الجميلة فأعادت رميها للمرة الثالثة على رمادوه، غضب الأمير غضباً شديداً، لكنه سبق أن وعد بناته بالزواج فوافق على زواج الأميرة الصغرى على مضض. ذلك المضض الذي تحول فيما بعد إلى تقدير وامتنان للفارس فاضل، بعد أن كشف الأمير حقيقة أمره وشجاعته مروءته وموقفه الإنساني تجاهه أثناء مرضه، ومن ثم إنقاذ حياته من الموت.. وتتوالى أحداث أخرى من الحكاية لتنتهي بالنهاية السعيدة انتصار فاضل بطلاً على الجميع وعيشته عيشة هيئة مع من أحب زوجته الأميرة الجميلة.

أولاً: التحليل من حيث البنية:

        بالرجوع إلى النص السابق نجد أنه ينطبق عليه مسمى (الحكاية الخرافية)، ذلك أنها ذات بنية فنية وسمات محددة ليست بالضرورة أن تتوافر هذه البنية بشكلها الكامل في كل حكاية خرافية، لكن لابد من وحدات بنائية أساسية أن توجد في الحكاية منها: أن تتسم أفعال البطل بالعجائية الخارقة، وهو ما توافر في الحكاية حيث نلاحظ أن (فاضل) أو (رمادوه) يستطيع أن يقفز بشكل خارق من فوق صهوة جواده ليلمس أعلى منطقة في جدار قصر الملك.. ثم يعود ساقطاً مرة أخرى فوق ظهر جواده فيجري به، ليس هذا فحسب بل لابد من وجود شخصية مانحة ومساعدة للبطل طوال الحكاية، قد تكون هذه الشخصية في بعض الحكايات شخصية الجنية أو الساحرة، وفي البعض الآخر قد تتمثل على هيئة حيوان، وهو ما ينطبق على الحكاية موضع التطبيق، حيث نجد الخيل (إنسية) تساعد فاضل في كل مأزق يقع فيه، فضلاً عن أن العلاقة التي تربط بينهما علاقة تتجاوز حدود المنطق كما يتضح من عملية المحادثة التي تقع بين الطرفين (فاضل وإنسية). وأيضاً من فعلة حرق فاضل لخصلات من شعيرات إنسية فتأتيه لنجدته على وجه الفور.

        وتواصلاً مع الوحدات الفنية لبنية الحكاية الخرافية نذكر أن الحكايات الخرافية هي الحكايات المعروفة بحكايات الشخصيات السبعة أي التي يتوافر فيها سبعة أشخاص. وفي حكاية فاضل تتمثل هذه الشخصيات في شخصية (فاضل والأب والعمة “الشخصية الشريرة”، ومعلم القرآن، وإنسية “الخيل الشخصية المانحة”، والأميرة)، حيث تمثل هذه الشخصيات شخصيات أساسية وتلعب دوراً في بناء الحكاية وأحداثها.

        كما أن الفعل أو الحدث لابد أن يقع ثلاث مرات عبر المراحل التصاعدية المختلفة في الحكاية، وعادة هذه المحاولات تفشل في المرة الأولى والثانية وتنجح في الثالثة، ومن ثم نلاحظ أن محاولة زوجة الأب للتخلص من فاضل تتكرر ثلاث مرات وفي كل مرة يقاوم فاضل، فيكشف الأمر حتى حققت زوجة الأب الانتصار المؤقت في المرة الثالثة (محاولة ذبح إنسية)، تلك المرة التي ترتب عليها خروج فاضل من بلدته وتركه للبيت دون عودة وهو ما يطلق عليه بوحدة الخروج.

وبإمعان النظر في الحدث الحكائي نجد أن التكرار الثلاثي يتحقق أيضاً مع أفعال فاضل منها أخذه لثلاث شعيرات من الخيل إنسية ففي كل مرة يحتاج إلى مساعدة الشخصية المانحة يحرق شعرة، ومنها خروجه من بلدته مرتين مع خيله، وفي كل مرة يراسل أباه بتفاصيل معاملة عمته (زوجة الأب)، وفي المرة الثالثة يخرج فاضل من بلدته دون عودة.ومنها رمي الأميرة الصغرى لحبة الرمان ثلاث مرات على رمادوه أو فاضل في المجلس.

        ويجب أن نضع في الاعتبار أن وحدة الخروج سابقة الذكر عادة تسبق بوحدة الاستهلال في الحكايات الخرافية حيث تتكون الحكاية من أسرة بها (أب وأم وابن)، وفي النموذج الممثل من المفترض أن تحل العمة محل شخصية الأم. وعادة يضطر بطل الحكاية للانفصال عن محيط الأسرة، ومن ثم يسافر بعيداً أو يفارقها لسبب أو لآخر وهو ما وقع مع فاضل. ووحدة الخروج في الحكاية الخرافية تعد رحلة البحث عن الذات أو عن هدف بعينه مفقود داخل محيط البطل، ولذلك يبحث عنه خارج المحيط البيئي أو العائلي.

        وهذه الوحدة في الحكاية قد تمثل الانتصار أو الهزيمة المؤقتة يقابلها وحدة العودة في نهاية الحكاية حيث الانتصار الكامل للبطل. وهو ما وقع بالنسبة لفاضل حيث استطاعت زوجة أبيه أن تنتصر عليه الانتصار المؤقت، ومن ثم يهزم فاضل فيخرج مفارقاً أباه ومبتعداً عن البيت، بيد أنه يعود إلى بلدته وبيته في نهاية الحكاية منتصراً، ومتزوجاً من الأميرة. والزواج من ابنة الأمير أو الملك أو السلطان يُعد ضمن الوحدات الأساسية في الحكاية الخرافية، وهو ما يسمى بـ (النهاية السعيدة).

ثانياً: التحليل من حيث الدلالة:

        من المؤكد أن الوحدات البنائية للحكاية ا لخرافية والتي قد تصل إلى واحد وثلاثين وحدة بنائية، هذه الوحدات لـم تـأت من فراغ بل لهـا وظيفـة ودلالـة ولذلك سميت (بالوحدات الوظيفية) (2) (Functionel units)، لذا فهي لا تشكل البنية الفنية للحكاية، فحسب بل تشكل دلالات الحكاية من حيث علاقتها بصيرورة الإنسان العُماني في تكوينه النفسي والفكري والاجتماعي.

        فوحدة التكرار للحدث ثلاث مرات في الحكاية، تؤكد على مبدأ الإصرار في تواصل الفعل أو العمل من أجل النجاح، من منطلق إذا خفق الإنسان في المرة الأولى وفي الثانية سيحالفه النجاح والوفاق في الثالثة، ومن هنا نشوء المثل الشعبي (الثالثة ثابتة) ولا يقصد بالثالثة العدد في محدوديته لكن الإماءة إلى الكثرة، وعليه فإن مثلث الثلاثة   يمثل أحد أضلعه بداية التجربة والثاني تطورها والثالث اكتمالها وسحرها.

ويتفق مفهوم الكمال مع مسمى الحكاية الخرافية (الحكاية ذات الشخصيات السبعة) لما للرقم من دلالات الاكتمال؛ فمثلاً: السماوات سبع والأراضي سبع وأيام الأسبوع سبع، وتذهب التفاسير إلى أن الله سبحانه وتعالى خلق الكون في ستة أيام واستوى على العرش في اليوم السابع، ودلالة السبعة توجد في الأديان والثقافات الشعبية المختلفة، منها الطفل يعمد في المسيحية في اليوم السابع من مولده. والسبوع؛ (أي احتفال خاص لإعطاء المولود أول حمام له)، يقام للطفل في المأثور الشعبي المصري في اليوم السابع من مولده… إلخ.

        إن انتصار البطل في الحكاية يعد تأكيداً على انتصار الخير على الشر، والعدل على الظلم، والحب على الكراهية … إلخ. وعليه لابد أن تنتهي الحكاية بالنهاية السعيدة، تلك التي تعكس رغبة الإنسان في الوصول إلى الكامل المفقود واقعياً. وطالما عجز الإنسان عن تحقيق كل ما يرغبه ويتمناه في الحياة فإنه يلجأ إلى خياله لتحقيقه وعليه كان وجود الحكاية الخرافية التي بقدر ما فيها من خيال، فيها من واقع يجسد مأساة الإنسان لاسيما في المفارقات المفجة، التي تلازمه على مدى حياته اليومية، وعليه كان وجود الشخصية الشريرة (العامة) نموذجاً مناقضاً للنموذج المفترض (الأم)، فضلاً عن شخصية معلم القرآن نموذجاً آخر منافياً للمثال المفترض في القدوة والتوجيه.

        وختاماً إذا كان بطل الحكاية (فاضل) فقد المثال المرجو في عالمه عالم الإنس، فسعى نحو إيجاده في عالم الحيوان الممثل لـه بالخيل التي انسحب عليها كل الصفات المثلى: الصداقة، الحب، الإخلاص، الجراءة، … وعليه كان لابد أن تسمى (إنسية) في الثقافة العُمانية الشعبية التي تفترض أن يتسم الإنسان بهذه الصفات.

 الهـوامـش:

 (1) لاحظ أن السرد في (حكاية فاضل أو رمادوه)، قد تم بتصرف مع اختصار كثير من أجزائها وإبقاء ما هو مؤكد لجوانب التحليل المبتغاة. فضلاً عن اعتمادنا على نموذج لحكاية ضمن حكايات مختلفة جمعت جمعاً ميدانياً من مناطق مختلفة بسلطنة عُمان من قبل (سعيد السليماني، المستشار بوزارة التعليم العالي “سابقاً”). بيد أنه ينبغي التنويه بالنسبة للحكاية موضع التطبيق لم يحدد جامعها منطقة جمعها أو رواتها، الأمر الذي لا يخل بوضعية الحكاية من حيث كونها خرافية ذات بنية بعينها ووظائف ودلالات. لاسيما وأنه معروف لدى دارسي الحكاية الخرافية والمهتمين بها من الصعوبة بما كان تحديد أصل الحكاية الخرافية أو تفسيراتها، لقدمها ولتشابه الحكايات بين مختلف شعوب العالم، فضلاً عن أنها تعيد تشكيل ذاتها إذ تستمد تصوراتها عبر المراحل الحضارية المختلفة.

(2) لمزيد من التفاصيل حول الوحدات الوظيفية للحكاية الخرافية فضلاً عن تفاصيل أخرى راجع:

- نبيلـة إبراهيم. قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1973م.

- ـــــــ. الدراسات الشعبية بين النظرية والتطبيق، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1994م.

- فردريش فون ديرلاين. الحكاية الخرافية: نشأتها-مناهج دراستها- فنيتها؛ ترجمة: نبيلة إبراهيم؛ مراجعة: عز الدين إسماعيل، مكتبة غريب، القاهرة، (د.ت).

تمهيد.

        قبل الخوض فى الحديث عن كتاب (( ما بعد عصر الحريم )) لوضحى الجهورى ، أود أن أعرب عن إعجابى بشخصية الكاتبة فى سعيها الجاد نحو قراءة أو سماع أى نقد موجه إلى ما تكتبه ، سواء فيما بهذا الكتاب أوبإصداراتها السابقة ، إذ فى كل مرة تهدى فيه وضحى الجهورى إنتاجها الفكري تكرر جملتها المعهودة (( أرجو قراءة كتابي وإذا  رأيته لا يستحق التعليق أو الوقوف عنده لاتجاملنى وقل لى ذلك صراحة )).

الأمر الذى يشعرنى بارتياح فكرى ونفسى حين تناول أى من كتاباتها بالنقد والتعقيب. لاسيما وأن القاعدة معروفة أن أولى سُبل النجاح فى التأليف الفكرى والإبداعى الاعتداد بنقد الآخرين ، خاصة إذا ما كان هذا النقد أكاديميـًا متخصصًـا.

        أما عن كتاب  (( ما بعد عصر الحريم )) فإن القراءة الأولى والمتأنية للمسودة التي أهدتني إياها الكتابة أسفرت عن مجموعة من الملاحظات تتعلق بموضوعات الكتاب ،وبجدلية الطرح، وبمنهاجية البحث وأخيراً رأي الخاص تجاه الكتاب .

  • ·     موضوعات الكتاب.

إن موضوعات كتاب (( ما بعد الحريم )) تكشف عن الطموح الفكرى لصاحبته وهو ما يتبدى من طبيعة الموضوعات المطروحة فى فصول الكتاب والتى شملت هموم المرأة العربية على الصعيد الاجتماعى والسياسي والدينى.

فمن الموضوعات التي تناولها الكتاب ، تكريم الإسلام للمرأة وتعزيز النص القرآني والسنة النبوية لمكانة المرأة في مختلف مجالات الحياة ، كما ناقش الكتاب مفهوم الحرية بصفة عامة، وحرية المرأة بصفة خاصة في ظل الدين الإسلامي ، وما أصاب هذا المفهوم من تشويش وتشويه عبر الموروث الذكورى المهيمن في العادات والتقاليد الشرقية. هذا فضًـلا عن عرض الكتاب لدور المرأة في بناء المجتمعات عبر المراحل التاريخية والحضارية والدينية المختلفة ، ضاربة على ذلك الكاتبة نماذج من أسماء النساء.

 وكذا قضية حجاب المرأة من حيث كونه ورد قبل  الإسلام، وردة الفعل تجاه الحجاب بكل ما فيها من إتجاهات وحركات وتيارات نسائية مختلفة، والاصول المرجعية والتاريخية لهذه التيارات ….الخ.

     تلك نمادج سريعة لما طُرح من قضابا تضمنتها الكتاب، وحيث إن المجال لايتسع لسرد أو تلخيص بقية الموضوعات فإن ما يهمنى هنا الوقوف عن أمرين لفتا انتباهى:

الاول عنوان الكتاب: (( ما بعد عصر الحريم )) بكل ما فيه من خصوصية فى الدلالة مستوحاة من كلمـة (( الحريم )). فالعنوان يوجه القارئ نحو توقع الحديث عن عصر الحريم أولاً ، من حيث تأريخه وطبيعته وكيفيته ، ثم الانتقال بعد ذلك للحديث عن ما بعد هذا العصر، ومن ثم الإجابة على السؤال الذى يطرح ذاته هل ما وقع على المرأة بعد عصر الحريم تشابه مع عصر الحريم ؟ أم اختلف عنه أم كان إمتدادًا  له؟

     الأمر الثانى الذى لفت إنتباهى طبيعة طرح الموضوعات حيث يتضح للقارئ منذ الوهلة الأولى المعاناة الفكرية للكاتبة فهى فى حالة سباق جدلى مع الفكر، وفى حالة قلق دائم من نسيان أية فكرة لها علاقة بالمرأة دون تدوينها فى الكتاب. مما أوقع الكتاب فى سرعة الرصد فبدى بوتقة تختنق ، حوت مختلف الموضوعات الجامع بينهما كلمة واحدة هى( المرأة ) ، فى حين كان من المفترض أن تكون الصلة بين تلك الموضوعات أعمق من مجرد الكائن الأنثوي؛ المرأة،وأقصد بذلك الأسباب المعوقات…إلخ

     ومن ثم أرى من وجهة نظر نقدية تخصصية بحتة أن الكاتبة فى طرح موضوعات الكتاب ، لم تكن على وعى بقيمة الأفكارالمطروحة من حيث احتياجها للمناقشة وعمق التناول.

  • ·     جدلية الطرح.

إن القارئ لموضوعات الكتاب يلاحظ جدلية طرح الفكرة ومثالاً على ذلك تناول وضحى الجهورى لفكرة عمل المرأة. حيث تم مناقشة الفكرة على مستوى توظيف المراجع، فضلاَ عن عرض وجهات النظرالمختلفة التى تتراوح ما بين التأييد والرفض والموقف الوسط وتغير وجهات النظر هذه بناءً على المصلحة الشخصية ، وكذا رأى المؤلفة تجاه ذلك كله.

     والجدل الفكري فى طرح الموضوع الواحد قد أسفر عنه متعة فكرية فى قراءة الكتاب ، فضلاً عن الشعور بحضور المؤلفة بوصفها إمرأة ؛ أى جزءًا لايتجزأ من القضية العامة ( هموم المرأة ).

 

  • ·     أدوات البحث.

 

إصرار الكاتبة نحو جمع كل ما تعرفه فيما يتعلق بقضايا المرأة أدى إلى إبتعادها عن أدوات البحث،   إذ القصد من وراء هذا الكتاب هو بحثٍ علمى يتناول قضايا المرأة، بيد أن الطرح افتقد إلى سمة العمق نتيجة للسرعة فى الرصد.

هذا فضلاً عن أن الفكرة كانت سابقة لأدوات البحث فافتقد الأخير إلى الإدلاء بدوافع البحث والمتمثلة في الإجابة عن سؤال هام لماذا أكتب كتابى؟ هل لطرح قضايا تتعلق بالمرأة فحسب ؟ وإذا كان الأمر كذلك فإن كل ما طرح فى الكتاب قد قُتل بحثًـا من قبل. إذاً ما الجديد الذى كان من المفترض أن يتناوله الكتاب والمختلف عما تم تناوله من قبل؟علمًا بأن الجديد تمثل في ثنايا الكتاب لكن الكاتبة لم تُجيد إبرازه.

وعليه فإننى أقول: إن عدم إلمام الكاتبة بمناهج البحث العلمى وأدواته قد أفقد انتاجها قدراً كبيراً من قيمته رغم المجهود الكبير الذى بُذل فى الكتاب. ويكفى أن أشيرإلى مجموعة من الملاحظات التى وقع فيها الكتاب  منها غياب المنهجية البحَثية العلمية فى تدوين مراجع الكتاب ، فضَلاً عن عدم التوظيف الأكاديمي الصحيج لها، وكذا عدم متابعة الدقة فى رصد المعلومة من حيث صحتها أو خطائها والاعتماد على أفكار وردت فى محاضرات أو أوراق عمل لآخرين دون دقة فى متابعتها من مصادرها الأصلية.

  • ·     الخاتمة.

إن كتاب (( مابعد عصرالحريم )) يعد نواة أولية لعشرات من البحوث المستقلية ، ومن ثم أناشد صاحبته  إعادة تقيمه فى ظل الرجوع إلى كتب تخصصية تتعلق بكفية كتابة البحوث العلمية ، فضلاً عن ضرورة الاطلاع لمناهج البحث الوصفية والتاريخية والتحليلية…الخ فمن المؤكد ستكتشف أن ما رُصد هو أرضية خصبة قابلة للطرح.

        إن عدسة الفنان: محمد بن الزبير تعد مزيجاً فريداً يربطك بأجواء الحلم ويحملك بمناخات اليقظة، كما تفسح (أي العدسة) المجال الأوسع للرائي كي يطلق عنان خياله وحرية تأويله وتفسيره، حيث مفردات الطبيعية تُكسى بميلاد جديد يتجدد مع كل رؤية متذوقة للروعة والجمال، وعليه فإن أحاديث تصاوير الفنان تترك أثراً في النفس ضارباً في العمق إلى الحد الذي يسأل معه المشاهد أحلم ما أراه أم حقيقة ؟

        في مساء يوم الثلاثاء الموافق 12 ديسمبر 2006م. تم تدشين كتاب؛ (ألبوم الصور) لمعالي: محمد بن الزبير بن علي الذي ورد تحت عنوان (جبال وأودية عُمان) حيث كان الحدث في (بيت الزبير) بمسقط، وتحت رعاية معالي السيد: سعود بن إبراهيم البوسعيدي (وزير الداخلية) وبصحبة لفيف من كبار مسؤولي الدولة والفنانين ومتذوقي الفن ومحبيه من الأصدقاء والمعارف.

        يأتي كتاب (جبال وأودية عُان) بوصفه جزءاً ثالثاً ضمن إصدارات سلسلة فنية بدأها محمد الزبير بالجزء الأول كتاب: (عُمان بلادي الجميلة) الذي تلاه بجزء ثاني بعنوان (مناظر من ظفار).

        والمتابع لكتاب (جبال وأودية عُمان) يطالع في مقدمته إهداء الفنان المرفوع للمقام السامي؛ صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – لما لتشجيع وتوجهات جلالته السامية الدافع الأكبر للفنان إزاء إصدار سلسلته، ومما لا شك فيه أن القائد المفدى وابن عُمان البار هو حقاً أحق الناس بالإهداء إذ أن جلالته منبع الفن للوطن بأكمله، وآية ذلك نهضته المجيدة التي حولت من عُمان إلى تحفة فنية لا مثيل لها.

        كما لم ينس الفنان أن يقدم كلمة شكر وتقدير إلى كل مَنْ سانده فكرياً وفنياً ومن ثم رصد مجموعة من الأسماء هي: أ.د. أحمد درويش، ود. آسية البوعلي، وسعيد الساحب والشاعر الفنان ذياب صخر، وأحمد المخيني، وعبد الرحمن الهنائي ودعد وقاف والدكتور وليم سايفر وساره وايت، هذا فضلاً عن دعائه بالرحمة لكل الشعراء الذين وافتهم المنية واقتبس الفنان بعضاً من أشعارهم موظفاً إياها في كتابه. وكذا تقديره وشكره لشركة زينة للتصميم والإعلان.

        في حقيقة الأمر قصدت أن أبين اعتناء الفنان: محمد الزبير بذكر الشكر والتقدير وأيضاً إصراره على رصد الأسماء تفصيلاً حتى يكون الموقف بكل ما فيه من رفعة فكرية وإنسانية قدوة للأجيال اللاحقة في أعمالهم الثقافية والإبداعية لاسيما وأن الجميع يعرف ما يتمتع به معالي الزبير من مكانة أدبية واجتماعية، مع ذلك لم يجاهل مَنْ سانده في عمله الإبداعي خاصة وأنه يكرر دائماً أن يداً واحدة لا تصفق وأن الفن الجاد والصادق هو هجنة تولد من قرائح متنوعة.

        وقبل الخوض في الحديث تفصيلاً عن كتاب (جبال وأودية عُمان) أود أن أبين أن الجزء الأول من هذه السلسلة الذي هو (عُمان بلادي الجميلة) قد انصب على تركيز الفنان في ما تتمتع به عُمان من طبيعة خلابة متمثلة في مختلف المفردات: بحر، شاطئ، صحراء، أفق، زراعة، حصون، جبال… إلخ، كما أن الكتاب لاقى نجاحاً منقطع النظير وآية ذلك إعادة طباعته أكثر من مرة، فضلاً عن تحقيق رسالته في تأكيد الجانب الجمالي للطبيعة العُمانية وما استتبع ذلك من جذب عين السائح، وكذا توظيف صور الكتاب على جدار الفنادق والمؤسسات والهيئات الرسمية والخاصة وأيضاً طباعة صوره في مختلف الكتب والمجلات والنشرات.

        والمتابع لصور الفنان: محمد الزبير يشعر دوماً بأنه إزاء لوحة فنية متجددة الخطوط والألوان والزوايا، ولما كان وعي الفنان مدركاً لما ينجزه واعياً لأهدافه الفنية، فإنه في الجزء الثاني من إصدارته والذي ورد تحت عنوان (مناظر من ظفار) انتقل بعدسته من مفردة المكان إلى الزمان قاصداً بالأخيرة التأكيد على أن الزمان يعد عاملاً حاسماً في تشكيل المكان وهيئته. ومن ثم وقع الاختيار على مناظر من ظفار إبان فصل الخريف لما فيه من كسر لقاعدة الموت والانتهاء المرتبطة بهذا الفصل. لذا فاختيار محمد الزبير لفصل لخريف ظفار كان موفقاً من خلال إيضاحه لتدرجات اللون الأخضر على الجبال وعبر التنوع التشكيلي لمختلف الألوان في الزهور والورود بكل ما فيهما من اختلاف واتساق.

        إن رصد عدسة الزبير لمفردات المكان في الجزأين السابقين نراه يأتي من منظور خارجي يعكس ما يراه الفنان عبر عينٍ التقطت أبعاد جمالية، أضاف إليها زوايا تشكيلية بواسطة تقنية التصوير الرقمي.

        تلك التقنية التي يعيد توظيفها محمد الزبير في الجزء الثالث (جبال وأودية عُمان) حيث يعد الألبوم مرحلة نضـج فنية بما يطرحه من سؤال ألا وهو: هل يبادل المكان الإنسان علاقة التأثير والتأثر ؟

        يقر الفنان: محمد الزبير في مقدمة كتابه أن آلة تصويره وهي “تتجول من جبال وسهول وأودية عُمان لا تريد أن تقدم شرائح لمختبرات العلماء ولا وثائق لكتب الدارسين بقدر ما تريد التأمل في صفحات كتاب الكون الخالد ودلالتها الجميلة التي لا تحدها نهاية”.

        ذلك التأمل وتلك الدلالات التي كان الفنان على وعي بها وعليه فإن الصور أتت عاكسة عما يعتمل داخل الإنسان العُماني من ملكات القوة وردود أفعال وحاسة تذوق لجمال الجبال والأودية، وأن هيمنة مفردتي الجبال والأودية على الطبيعة العُمانية كانت ولا تزال منبعاً لأحاسيس التحدي وقهر المستحيل للوصول إلى الغاية والهدف، فضلاً عن تحمل المشاق والقدرة على اكتشاف الحلول كذا تأقلم الإنسان مع تلك الطبيعة وترويضه كل ما حوله كي يتناسب مع البيئة المحيطة، كما أن تلك الطبيعة كانت ولا تزال مثار خيال الإنسان فمنها نسج أساطيره، وفيها أيضاً حقق حضاراته وتاريخه بكل ما فيه من مواقف انتصار وانكسار.

        وقد حرص الفنان في إعطاء الجانب الوثائقي لصوره فدون في الفرس أسماء الجبال والأودية مثل: جبل شمس وجبل كور والجبل الأخضر ووادي الغول ووادي دربات ووادي خبة، والمتذوق لصدق اللحظة الفنية يستنبط مباشرة مدى حب الزبير لفنه الأمر الذي يتجلى من زوايا التصوير التي وردت تارة فوفية وأخرى عمودية وثالثة سطحية على نحو يعكس رحلة المشقة التي قطعها المصور لالتقاط صوره.

        كما حقق محمد الزبير عبر الحاسوب وتقنية التصوير الرقمي أعلى درجة من درجات التوظيف اللوني سواء من حيث التدرج أو من حيث التوزيع فبدت الصور في منطقة وسط ما بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة التشكيلية ليس هذا فحسب، بل في كثير من الصور يلمس المشاهد بعد التجسيم الذي تحقق باللون والزاوية من حيث توظيف درجات الارتفاع والانخفاض.

        وقد أدرك الفنان: محمد الزبير من خلال مجموعته هذه ولعل للمرة الأولى في أعماله الفنية أهمية دمج أدوات التعبير الفنية، ومن ثم لم يكتف بالعدسة في إبراز فنه فحسب، بل فعَّل ذلك بأداة الكلمة، وعليه وظف مقابل بعض الصور مجموعة من أبيات شعر المتنبي ونقولا الاسطنبولي وإلياس طعمة وأبي بكر أحمد بن سعيد الخروصي وغيرهم من الشعراء بغرض التفعيل الفني الذي يحقق للمشاهد إحساس المعايشة الكلية، فبدت الصور حية ناطقة بكل ما فيها.

        وحيث إن الفنون لا تكتمل إلا بتواصل العطاء الفني للفنان فلدي ملحوظتين سريعتين – الأولى فيما يتعلق بصورة الفنان محمد الزبير التي وردت في مطلع الكتاب فرغم احتوائها على على عنصري الحركة واللحظية (الآنية) وكذا تضمنها موضوع الكتاب (التصوير) الذي تم التعبير عنه بحمل الفنان لآلة الكاميرا وهو ما أضفى على الصورة جانبها الطبيعي الحي إلا أن من وجهة نظري أن الفنان عبد الرحمن الهنائي – مع كل التقدير والاحترام للفنان حيث إنني من أشد المعجبين بفنه – قد خفق في توظيف سمة (الفوتوجينك) التي يتسم بها وجه الزبير فبدى الأخير أكثر عجزاً وأقل وسامة من حقيقته.

        والملحوظة الثانية تختص بتوظيف درجة اللون ونوعه في بعض الصور وأقصد بصفة خاصة لون المياه في مجريات الأودية إذ ورد درجة توظيفها في بعض المواضع على نحو حاد مما أعطى الانطباع بانقسام الصورة إلى شقين، فضلاً عن إحساس الاصطناع (ARTIFICIAL) تجاهها.

        وختاماً تجدر الإشارة إلى أن صور الفنان: محمد الزبير كانت – ولا تزال موضع دهشتي الفكرية ومنبعاً لمتعتي الفنية، ومن ثم فهي دوماً بكل ما فيها من مصداقية فنية، تشكل دافعاً لكتاباتي التحليلية والنقدية. ([1])


(1) لمزيد من التفاصيل حول هذه الكتابات راجع مقالاتي في جريدة الوطن تحت عنوانين:

     (قراءة في عدسة الفنان محمد الزبير) بتاريخ 30 أكتوبر 2001م.

     (بيت الوادي أم بيت الأحلام) بتاريخ 12 فبراير، 2002م.

     (عدسة الزبير بين الرؤية والمخيلة) بتاريخ 12 مارس 2002م.

     (قلت عنه ولم أقل) بتاريخ 22 أكتوبر 2002م.

     (بمناسبة ميلادك أيها الفنان الصديق الإنساني) (جزأين) بتاريخ 28-29 أكتوبر 2003م.

     (وجهاً لوجه رؤية تحليلية) بتاريخ 11 مايو 2005م.

     (منتجع بر الجصة وحلم العمر) بتاريخ 11 مارس 2006م.

بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي: “المأثورات الشعبية (الفولكلور) والتنوع الثقافي”

المنعقد بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة من 27-30 نوفمبر 2006م

       يحتوي البحث على مجموعة من رؤوس أفكار تتمثل في العناوين الجانبية التالية:

* التمهيد.

* أهمية الصناعات الحرفية.

* الهيئة العامة للصناعات الحرفية.

* أوجه أخرى للاهتمام بالصناعات الحرفية، متمثلة في:

( أ )  الندوات.

(ب) مسابقات التميز الحرفي.

(ج) بيت الحرف العُماني.

( د ) مصنع النسيج.

(هـ) مصنع الفخار.

( و ) المهرجانات الدولية (مهرجان سيمثسونيان الدولي).

( ز ) الميادين العامة.

( ح ) الجهود الذاتية.

* أقسام الصناعات الحرفية العُمانية.

* الصناعات الحرفية في علاقتها بالهوية العُمانية.

* الصناعات الحرفية في علاقتها بالفن.

* صور من الصناعات الحرفية.

* الخاتمة.

* الهوامش.

 

تمهيــد.

        لا شك أن المأثورات الشعبية، على اختلاف أنواعها وأشكالها، تعد مرآة صادقة تعكس ثقافة المجتمع – أي مجتمع – فضلاً عن أسلوب حياة أفراده عبر كل مرحلة من مراحل التاريخ، إذ تسجل هذه المأثورات أنماط التفاعل الاجتماعي وأشكال السلوك وأنساق القيم وطبيعة الاستجابات في مختلف المواقف والمناسبات الحياتية، من ثم كانت هذه المأثورات الشعبية وما يرتبط بها من فنون أو غيرها- ولا تزال – تسجل التراث الحضاري للمجتمع الإنساني بصفة عامة.

        والمأثورات الشعبية في المجتمع العُماني – شأنها شأن نظيرتها في المجتمعات الأخرى – تنقسم إلى قسمين: قسم مادي وآخر غير مادي، يمارس كل منهما دوراً ملموساً في تشكيل البناء الثقافي للمجتمع والفرد بحيث يمكن اعتبارهما، في ظل اتصالهما بالحياة اليومية والبيئة الثقافية، وثائق اجتماعية ونفسية وتاريخية حية تشكل التيار العام للثقافة وهو تيار ((يستمد بقاءه وتكامله وقيمته من الاستجابة المباشرة لتجارب أفراد الجماعة، ومن الاشتراك العفوي في تجربة الجماعة وخبراتها وامتزاجه بذوقها، حيث ينجح الفرد في التوحيد بينه وبين جماعته وتراثها)) (1) .

        وعليه فإن الباحثة تضع نصب عينيها أهمية الكشف عن السبل التي بها تحقق المأثورات الشعبية العُمانية – بوصفها وسيلة اتصال جمعية – الاتصال بين الفرد والجماعة؛ وبعبارة أخرى التكامل بين البعد الذاتي والاجتماعي.

        ولما كان البحث يتخذ من الصناعات الحرفية العُمانية نموذجاً تطبيقياً للمأثورات الشعبية المادية، فإنه يلزم التنويه إلى أن هذه المأثورات تشتمل بجانب الصناعات الحرفية، على مفردات أخرى تتوزع ما بين الحصون والأبراج والأسوار والمساجد والبيوت الأثرية ومُجريات المياه التي تستخدم في الري، وتسمى بالأفلاج (2). وكل هذه المأثورات تحقق في جانبها المادي ((علاقة محسوسة يمكن أن تُدرك بشكل مباشر بين الشيء واستخدامه، ومن ثم يتحقق شكل الشيء بناءً على وظيفته)) (3).

        ومنذ بداية النهضة الحديثة لسلطنة عُمان في يوليو 1970م، طغت على الصناعات الحرفية نظرة معاصرة متطورة، فلم تعد نظرة تقصر هذه الصناعات على شريحة اجتماعية بعينها تتمثل في البسطاء من الناس والريفيين والأميين، بل صارت نظرة عميقة تعي وتدرك علاقة هذه الصناعات – بوصفها مأثورات شعبية – بالتنمية الشاملة عامة وبالتنمية الاجتماعية خاصة، وعليه فإن الباحثة ترى أنه من الأهمية بمكان وقبل الخوض تفصيلاً في تقسيمات الصناعات الحرفية العُمانية، إبراز ما لهذه الصناعات من أهمية في عماليات التنمية.

أهمية الصناعات الحرفية.

        تمثل الصناعات الحرفية العُمانية جانباً من جوانب الإبداع الشعبي، كما تعبر عن النظرة الجمالية للشخصية العُمانية خلال ممارستها للحياة اليومية، ومن ثم اتجه الخطاب العُماني نحو تعزيز سبل الاهتمام بهذه الصناعات، فليس من قَبيل المصادفة أن تأتي أول إشارة إلى الاهتمام بالصناعات الحرفية في نوفمبر 1972م، مع بدايات النهضة العُمانية الحديثة، حيث تضمن خطاب جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله –  أمراً بإنشاء إدارة لإحياء الحرف الوطنية بوزارة الاقتصاد، وكذا إرسال سبعين متدرباً في بعثات مهنية بالخارج تمكنهم من التدريب على حرف مختلفة من أجل إعداد جيل جديد متطور من الحرفيين العُمانيين (4).

        وتأكيداً لمقولة جلالة السلطان أن ((مَنْ لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل)) اتجهت توجيهاته نحو ضرورة المحافظة على المأثورات الشعبية والنهوض بها، لما لها من أهمية ثقافية واجتماعية ومادية، فضلاً عن دورها الإيجابي في دمج شعور المواطن بقيمه وأصوله، ومن ثم جاء خطاب صاحب الجلالة في نوفمبر 1986م محفزاً على استمرارية العطاء المهني والحرفي والإبداعي ومشيداً بإسهامات الحرفيين في تنمية البلاد، ومؤكداً على ضرورة الإقبال على المهن التقليدية لما لها من أهمية بالغة في الحفاظ على المقومات الحضارية للمجتمع العُماني (5).

        ومن هنا كان الإرشاد من قبل جلالته نحو ضرورة تكثيف الجهود في مجال الصناعات الحرفية إيماناً بأن ((المجتمعات لا تتطور إلا على أساس من احترام مهن الآباء والأجداد، كما أن تقدمها لا يقاس بالازدهار العُمراني فقط، وإنما بمدى أصالة هذا التقدم واستيعابه لقدرات المجتمع وتقاليده في العمل والعطاء)) (6). لذا كان حرص جلالته في احتفالات العيد الوطني السابع عشر (نوفمبر 1987م) على تكريم المواطنين المشتغلين بالحرف والمهن العُمانية التقليدية، إيماناً بقدراتهم على العمل الجاد، وتقديراً لجهودهم البنّاءة في شتى المجالات الإنتاجية، وتأكيداً على أن هذه الجهود تقوم مقام المثل والقدوة لجيل الشباب في الاعتزاز بأصالة شعبه وتقاليده العريقة في العمل والإبداع (7).

الهيئة العامة للصناعات الحرفية.

        إن خصوصية البيئة العُمانية بما فيها من ثلاثية: (بحر- صحراء- واحة) أدت إلى تنوع واختلاف طرق وأساليب الحياة الاجتماعية والاقتصادية في تلك البيئات. كما أدت إلى وجود الفروق بين ما تجود به كل بيئة من مواد خام ووسائل عمل خاصة بها، واختلاف سُبل تصنيع المنتجات بين الحرفيين أنفسهم.

        كل ذلك دفع بالحكومة العُمانية نحو رعاية المأثورات الشعبية ومنها بالطبع الصناعات الحرفية، عبر توفير كل الإمكانيات الأساسية لتطوير الحرف اليدوية بغية استمراريتها بقيمة معنوية وفائدة اقتصادية تعود بالنفع على المجتمع وأفراده.

        وعليه تبلورت أولى خطوات العناية بتلك الصناعات في إقصائها عن كل ما قد يعتريها من إهمال أو اندثار نتيجة للتطور الإنمائي الحديث.

        وقد ترجمت هذه العناية على نحو عملي، حيث تم إنشاء الهيئة العامة للصناعات الحرفية، في الثالث من شهر مارس، عام 2003م، بموجب المرسوم السلطاني رقم 24/2003م وهي هيئة تتمتع بشخصية اعتبارية، يشرف عليها ديوان البلاط السلطاني، تتولى العناية بكل ما يتصل بالصناعات الحرفية بالسلطنة وتحافظ على استمراريتها، وتساهم في تطويرها بجعلها صناعات إنتاجية قادرة على جذب مزيد من العاملين فيها (8).

        والهيئة العامة للصناعات الحرفية بالسلطنة تعمل منذ إنشائها على إبراز دور هذه الصناعات، وتركز على النهوض والارتقاء بها وتطويرها بما يلائم روح العصر، مع الوعي التام بأن تحقيق ذلك لن يتم إلا بوضع استراتيجية متكاملة للصناعات الحرفية، تعمل على تفعيلها من خلال الاهتمام بتدريب الحرفيين وتأهيلهم بغية تطويرهم وتنمية مهاراتهم وتحسين قدراتهم الحرفية، على نحو يجعل هذه الصناعات في صدارة الأعمال التراثية ويخرجها من محدودية الوضع التقليدي إلى رحابة الصناعات الحديثة التي تتسم بالأصالة ومن ثم تمكينها من منافسة الصناعات المثيلة عبر فتح منافذ تسويقية لها على المستويين: المحلي والدولي. من هنا تم تحديد المهام الأساسية للهيئة في وضع الخطط والبرامج التنفيذية للسياسات المعتمدة في مجالات الصناعات الحرفية، فضلاً عن حصر وتوثيق كافة هذه الصناعات وخاماتها واستخداماتها المختلفة التي تتميز بها كل منطقة من مناطق السلطنة وحمايتها بكل الطرق. وكذا الاهتمام بها من خلال الأنشطة البحثية بما يخدم الاحتياجات الحالية والمستقبلية للحرفيين واستحداث صناعات حرفية أخرى ذات جدوى اقتصادية (9).

        كل ذلك من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف قصيرة الأجل وطويلته، لعل أهمها يتمثل في توفير خدمات التوجيه والإرشاد للعاملين في هذه الصناعات إدارياً وفنياً وتقديم الأنشطة والخدمات التدريبية والتأهيلية لهم، وكذا توفير الدعم الفني للجمعيات التي لها علاقة بهذه الصناعات والعمل على تطوير القدرات الإبداعية لمنتسبيها، وثمة محور أوجدته الهيئة العامة للصناعات الحرفية يتعلق بتدريب الموهوبين من النشء على الصناعات الحرفية عبر إثراء قدراتهم الفكرية والفنية باعتبارهم نواة المجتمع. كما وضعت الهيئة نصب عينيها الدافع التسويقي للحرفيين بخلق منافذ تسويقية داخلية وخارجية لهم، وإعداد دراسات لمشاريع نموذجية في مختلف الأنشطة الحرفية (10).

صور أخرى للعناية بالصناعات الحرفية.

أ- الندوات.

        حرصت الهيئة العامة للصناعات الحرفية على تنمية مجالات التعاون وتبادل الخبرات والتجارب مع الهيئات ومراكز الصناعات الحرفية في الدول الأخرى للاستفادة من بيوت الخبرة العالمية في هذا المجال، من ثم كان تنظيم الهيئة العامة للصناعات الحرفية ندوة دولية أقيمت بمسقط، تركز على حماية هذه الصناعات وذلك بالتعاون مع كل من وزارة التجارة والصناعة والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الوايبو) في مارس 2003م، بهدف ((التعرف على الأسس والإجراءات الكفيلة بحماية الصناعات الحرفية العُمانية من التقليد أو التشويه والتعرف على واقع الصناعات الحرفية العُمانية ومصادر مواردها الأولية، والتعرف على الأهمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للصناعات الحرفيـة العُمانيـة، والتعرف على الآليات والقوانين والإجراءات التي تكفل حماية الصناعات الحرفية)) (11).

ب- مسابقات التميز الحرفي.

        لما كانت الصناعات الحرفية موروثاً حضارياً وثقافياً واجتماعياً عريقاً تتوارثه الأجيال المتعاقبة، فإن الهيئة العامة للصناعات الحرفية بالسلطنة تحرص – سنوياً – ومنذ عام 2003م على إقامة مسابقات للتميز الحرفي بهدف تحفيز الحرفيين وتشجيعهم بغية التنافس الشريف فيما بينهم.

وقد أسفرت الدراسات الدقيقة لتلك المسابقات – بموجب متابعة التوزيع الكمي للمشاركين حسب الجنس (ذكر أو أنثى) وحسب نوع الحرفة والمنطقة – عن مجموعة من النتائج تتضمن إشارات لها علاقة بإشكاليات اجتماعية، حيث أوضحت النتائج أن الإقبال على المشاركة في المسابقة السنوية من جانب الإناث أكثر من الذكور وأن عدد الإناث في ازدياد سنوياً على عكس عدد الذكور، مما يشير إلى ضرورة رفع مستوى الوعي الثقافي والحرفي للمتسابقين، كما أظهرت النتائج الحاجة إلى مزيد من دورات التدريب والتأهيل التي تنفذها الهيئة العامة للصناعات الحرفية، بهدف الارتقاء بالمستوى الفني لهذه الصناعات، إذ إن بعض مناطق السلطنة تحتاج إلى تفعيل دورات التدريب والتطوير بها حتى يتسنى لها المشاركة والمنافسة في المسابقات المستقبلية، كما أن ثمة حرفاً تحتاج إلى إعادة تأهيل ورعاية ، منها على سبيل المثال صناعات الحرف المعدنية (12).

ج- بيت الحرفي العُماني.

        يُعد بيت الحرفي العُماني بمسقط معرضاً دائماً يحوي المنتجات الفنية للصناعات الحرفية بكافة أشكالها وأنواعها، انطلاقاً من التعريف بهذه الصناعات والإبداعات المختلفة التي تعكس مختلف البيئات الجغرافية العُمانية بما فيها من بعد ثقافي وآخر فني.

        كما يأتي هذا البيت منفذاً تسويقياً، يشجع الحرفيين على الاستمرار في العمل بهذه الصناعات بإبراز دورها العام في تنشيط الحركة السياحية، بوصفها معالم ذات صلة وثيقة بالموروث الشعبي العُماني، تعكس تواصل هذا الموروث مع موروثات الحضارات الأخرى.

        ولما كان التسويق لهذه الصناعات هو الشغل الشاغل للهيئة العامة للصناعات الحرفية، فإن خطة الهيئة تتجه دوماً نحو فتح بيوت حرفية في محافظات السلطنة وبعض مناطقها على التوالي. هذا فضلاً عن فتح منافذ التسويق في المطارات والمواني، والمعابر الحدودية، كل ذلك بغرض التوزيع والانتشار لهذه الصناعات، والوقوف على الأسواق ذات القابلية المطلوبة لها، سواء كانت هذه الأسواق محلية أو خارجية، إذ إن نجاح التسويق مرهون بحل المعوقات المرتبطة بهذه الصناعات، التي يأتي على رأسها التضخيم الإنتاجي وجودته، فعمليتا الإنتاج والتسويق ترتبط كلتاهما بالأخرى ولا يمكن الاهتمام بإحداهما دون الأخرى، فالإنتاج الجيد يعطي تسويقاً جيداً ومضموناً.

        من هنا كان حرص الهيئة على توفير الجودة الفنية للصناعات الحرفية، هذا فضلاً عما تحققه الجودة من صمود لهذه الصناعات أمام المنافسة الخارجية للصناعات المماثلة والإعلان عن السلطنة على اعتبار أن الصناعات الحرفية خير سفير للحضارة العُمانية في الخارج. فمن أجل التحدي والتسويق وضمان الاستمرارية وإشباع الذوق العام، وضعت الهيئة عوامل تطوير الصناعات الحرفية والارتقاء بها وتأهيلها، على رأس قائمة اهتماماتها (13).

د- مصنع النسيج.

        حرصاً على الموروث الحضاري وارتباطه بالتاريخ، أنشأت الحكومة العُمانية مصنع النسيج عام 1976م بولاية (سمائل)؛ التي تعرف – أيضاً – باسم (الفيحاء) وهي ولاية من ولايات المنطقة الداخلية بالسلطنة، تبعد عن مسقط العاصمة حوالي 85 كم. تشتهر سمائل منذ القدم بزراعة النخيل وصناعة النسيج، لاسيما المنسوجات الأكثر تداولاً مثل: الإزار العُماني والسجاد (14).

        ومواكبة مع حركة التنمية الشاملة التي عمت السلطنة منذ عام 1970م تم إمداد المصنع بالآلات الحديثة بدلاً من الآلات التقليدية التي اعتمد عليها المصنع في بداية إنشائه، مما ساعد على الزيادة الإنتاجية.

        ويلزم التنويه إلى أن الهدف من إنشاء مصنع النسيج بولاية سمائل هو المحافظة على الإرث المتعلق بصناعات النسيج العُماني، وكذا إحياء الصناعات التقليدية المرتبطة بالنسيج وربطها بالحاضر المعاصر، فضلاً عن تشجيع الحرفيين على التمسك بصناعة النسيج، وتدريب الراغبين من الشباب على هذه الصناعة، وإكسابهم المهارة والخبرة الصناعية، وكذا إيجاد سبل تحسين دخل الأسر المعتمدة على الصناعات الحرفية الخاصة بالنسيج (15).

هـ- مصنع الفخار.

        أكدت الدراسات أن عصر النهضة الحديثة بالسلطنة أوجد تطوراً حضارياً في شتَّى مناحي الحياة، مما ترتب عليه أن كثيراً من أبناء الحرفيين تركوا مهن آبائهم واتجهوا نحو البحث عن فرص عمل أفضل اقتصادياً، فالحكومة العُمانية أدركت منذ وقت مبكر خطورة الوضع بالنسبة للصناعات الحرفية التي منها – بالطبع – صناعات الفخار.

        ففي عام 1978م تم إنشاء مصنع للفخار بولاية (بهلا) إحدى ولايات المنطقة الداخلية بالسلطنة، وتبعد عن مسقط حوالي 210 كم.

أكدت البحوث والاكتشافات الأثرية أن (بهلا) منذ القدم تشتهر بصناعة الفخار لتوافر أميز أنواع الطين بها، فضلاً عن مكانتها التاريخية لوجود الآثار بها مثل: قلعة بهلا وحصن جبرين وسور بهلا العتيق (16). مما كان دافعاً للحكومة إلى إنشاء مصنع الفخار بهذه الولاية، حفاظاً على مكتسبات الأجداد والآباء وضماناً لاستمراريتها، وكذا بغية تكوين أجيال تعمل في المجال الحرفي، قادرة على مواصلة العمل في الصناعات الفخارية بروح العصر ومكوناته. هذا فضلاً عن فتح منافذ أخرى للأسر لتحسين أوضاعها الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على الدخل الثابت فحسب. ولإظهار الوجه الحضاري لصناعات الفخار بعُمان عبر عصور التاريخ (17).

و- مهرجان الفولكلور (سيمثسونيان) Smithsonian .

        في إطار الامتداد للمد الثقافي العُماني الخارجي، سعت وزارة التراث والثقافة العُمانية بالتعاون مع مركز عُمان للموسيقى التقليدية (18)، ووزارة التنمية الاجتماعية والهيئة العامة للصناعات الحرفية، نحو المشاركة في المهرجان الدولي للمأثورات الشعبية الذي يقام سنوياً بواشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية.

        يرجع تاريخ مهرجان سميثسونيان (Smithsonian Folklile Festival) إلى عام 1967م، وقد شاركت فيه سلطنة عُمان في الفترة من 19 يونيو إلى 6 يوليو 2005م. حيث وردت هذه المشاركة تحت مسمى يعكس تنوع البيئة الجغرافية العُمانية؛ (عُمان: الصحراء والواحة والبحر) بهدف الاحتفاء بالمأثورات الشعبية العُمانية والتعريف بها دولياً، اعتماداً على أن المهرجانات هي خير جسور تصل بين ثقافات الشعوب بعضها بعض.

        إن مشاركة الباحثة شخصياً في المهرجان، تؤكد أن المأثورات الشعبية العُمانية بكافة أشكالها استطاعت أن تعبر حقاً عن ذاتها بأقوى الصور، لاسيما الصناعات الحرفية التي وردت عبر عروض لنماذج البيوت العُمانية التقليدية، ومجسمات السفن القديمة، وعروض للزي الرجالي والنسائي وأدوات الزينة من حُلي ورسوم الحناء، فضلاً عن العرض التطبيقي الذي تضمّن كيفية صناعة مجموعة من الصناعات مثل: صناعات الفضة والنحاس والسعفيات … إلخ.

        إن المشاركة الدولية في مهرجان السميثسونيان، لم يفتها الإعلان عن ماركات تجارية عُمانية متخصصة في صناعة البخور والكحل والعطور واللبان والصمغ، كما تضمنت هذه المشاركة مجموعة من الندوات والمحاضرات عن المأثور الشعبي العُماني، وردت تحت عناوين مختلفة منها: (الأدب الشعبي العُماني)، (تنوع الأزياء العُمانية النسائية)، (الإيمان والهوية العُمانية)، وغير ذلك من العناوين المتضمنة مختلف الموضوعات وسبل الحياة العُمانية بكل ما فيها من عادات وتقاليد.

        وقد استطاع المهرجان، بوصفه حدثاً ثقافياً، أن يسلط الأضواء طوال السنوات السابقة على أربع وخمسين دولة، إلا أن مشاركة سلطنة عُمان فيه مستقلة وبمفردها عام 2005م ((تعد المرة الأولى التي تبرز فيها دولة عربية على هذا النحو في المهرجان، خاصة في الظروف التي يسود فيها سوء فهم في الغرب عن العالم العربي، ومن ثم فإن عُمان تتيح بهذه المساهمة الرائدة فرصة للاطلاع على ذلك التنوع التراثي وتسليط الأضواء على ملامح من الحضارة العربية)) (19).

ز- الميادين العامة.

        تُعد المشاركات في المهرجانات الدولية مساراً خارجياً للتعريف بالمأثورات الشعبية العُمانية، بينما تولي الحكومة العُمانية اهتماماً خاصاً بالمسار الداخلي لهذا التعريف كما يتبدى من التوزيع المدروس لمجسمات الصناعات الحرفية في مختلف أحياء العاصمة والمناطق الأخرى بالسلطنة على نحو فني يجمع بين الأصالة والمعاصرة، كما تهتم بلدية مسقط ووزارة البلديات الإقليمية بنصب ميادين عامة تحوي نماذج من الصناعات الفضية والفخارية والخشبية والسفن التقليدية، من هذه الميادين – على سبيل المثال لا الحصر – ميدان البستان، ميدان الوادي الكبير، ميدان الرميس، ميدان حديقة ريام.

ح- الجهود الذاتية.

تستقطب الصناعات الحرفية العُمانية اهتمامات مسئولي الدولة ورجال الأعمال، إيماناً منهم بقيمتها، وتمشياً مع التوجه العام للنهضة العُمانية الحديثة في مساراتها الثقافية الشاملة، من ثم نجد مثاليـن بارزين يتمثل أولهما في موسوعة للصناعات الحرفية بعنوان ((التراث الحرفي في سلطنة عُمان)) (20). حيث أتت الموسوعة في مجلدين كبيرين مساهمة ومبادرة من صاحب السمو السيد: (شهاب بن طارق بن تيمور آل سعيد) (*) تخليداً للصناعات الحرفية العُمانية. وقد استغرق العمل في الموسوعة زهاء سبع سنوات متواصلة منذ مطلع عام 1996م، لتخرج الموسوعة معبرة في مجملها عن رؤية صاحب السمو إزاء الصناعات الحرفية بوصفها عملاً تراثياً يستمد قيمته من تواصله مع ضروريات الحياة اليومية، لاسيما الإدارية منها والاجتماعية والتجارية والأمنية والصحية.

        وتعضيداً للفكرة العامة للموسوعة، فإنها تضمنت جزءاً نظرياً وآخر تطبيقياً، اهتم الأول بالإشارات الدقيقة إلى مختلف البحوث والمراجع المتعلقة بكل حرفة على حدة، فضلاً عن رصد الوثائق والصور والرسومات المتعلقة بالحرف بأحدث وسائل التكنولوجيا لتكون أرشيفاً مستقبلياً ومرجعاً تراثياً كاملاً لكل مَنْ يريد الاطلاع على هذه الصناعات.

        بينما تضمن الجزء التطبيقي رصداً للزيارات الميدانية لمختلف المناطق بالسلطنة بوصفها خطوة أولى في مجال المسح الميداني للصناعات الحرفية.

        وبالانتقال إلى المثال الثاني، نجده يتمثل في متحف ((بيت الزبير))، الذي هو متحف خاص يُعد في الأصل إحدى البيوت التراثية بمدينة مسقط، بناه الشيخ الزبير بن علي عام 1914م مسكناً خاصاً له ولعائلته، ثم أعاد ترميمه ابنه معالي (محمد الزبير بن علي) (**) بوصفه متحفاً افتتحه عام 1988م ليضم المقتنيات الخاصة بعائلته وكذا مقتنيات أخرى تاريخية وتراثية تخص السلطنة بمختلف مناطقها.

        إن قيمة متحف ((بيت الزبير)) تتجلى فيما يلعبه من دور فعّال في تنمية الحركة الثقافية والتراثية والاقتصادية بالمجتمع. إذ تضم قاعات المتحف مفردات حرفية ورموز تراثية تتمثل في مجموعة الخناجر والسكاكين والملاقط والأسلحة النادرة، كما تحوي تشكيلة مختلفة من ملابس الرجال والنساء وأدوات الحُلي والمكاحل فضلاً عن أدوات فخارية ونحاسية وفضية… إلخ.

        والمتجول في ساحات البيت الخارجية باستطاعته رؤية نماذج من طرق المعيشة في السلطنة ببيئتها الجبلية والزراعية والساحلية على نحو تطبيقي، بما يولد التصور التام لنمط الحياة في تلك البيئات بملحقاتها المختلفة من سفن الصيد التقليدية وأدواتها، والمباني السعفية… إلخ.

        ومتحف بيت الزبير يهتم بشكل دوري بعرض المنتجات الحرفية العُمانية، والرقصات الشعبية لمختلف مناطق السلطنة، كما يضع نصب عينيه تشجيع التواصل الحرفي عبر منافذ تضمن التلاقي المهني، وهو ما يتضح من إقامته ورش عمل تضمن التواصل والتعاون بين أجيال الحرفيين، كما تضمن التلاقي بين حرفيي السلطنة ودعمهم وحثهم على التمسك بالحرف التراثية وتطويرها تأهيلاً لبيعهـا في البـزار (المعـرض) الخاص بالمتحف أو إصدارها إلى الخارج (21).

أقسام الصناعات الحرفية العُمانية.

        تنقسم الصناعات الحرفية العُمانية إلى أقسام هي: صناعة الفضيات، والنسيج، والسعفيات، والفخار والخزف، والصناعات الخشبية، والجلدية، وصناعات النحاس، والصناعات الحجرية والجبسية، وصناعات أدوات الصيد، وصناعات البخور والعطور وصناعات أخرى مختلفة مثل صناعات الحلوى العُمانية.

        وحيث إن المجال لا يتسع للحديث تفصيلاً عن كل صناعة من تلك الصناعات على حدة (22)، فإن الباحثة تكتفي بسردها إجمالاً مع اختيار نماذج منها تتمثل في الزي والبخور واللبان وبعض الصناعات الخشبية والنحاسية والصدفية، للتدليل على أن الصناعات الحرفية ليست مجرد أشياء لها وجود في المحيط الخارجي فحسب، بل ركائز أساسية في تحديد الهوية العُمانية وما يحيطها بها من منظومة ثقافية شاملة لاسيما جانبها الفني.

        تُعد الصناعات الفضية من أهم الصناعات المعدنية إذ إن توارثها بين الأجيال جعلها تقطع شوطاً كبيراً في سلم التطور، وتتمركز صناعة الفضيات بصورة أساسية في ولاية (نزوى) إحدى ولايات المنطقة الداخلية بالسلطنة، التي تبعد عن مسقط العاصمة حوالي 180 كم.

تشتهر ولاية نزوى بسوقها التقليدي وترويجها للصناعات الفضية، من ثم تعد مركزاً صناعياً وتجارياً لهذه الصناعات، ويبلغ إجمالي عدد الحرفيين المشتغلين في الصناعات الفضية بنزوى مائتين وثمانية وسبعين حرفياً، كما تتمثل أهم منتجات الصناعات الحرفية في الخناجر وفي حُلي النساء والأدوات والأواني المنزلية.

        وبالانتقال إلى صناعات النسيج، نجد أنه من أشهر منتجاتها قطع القماش المصنوع من الصوف والقطن والحرير، التي تدخل في كثير من خياطة ملابس الرجال والنساء مثل: العمائم والأوزار والشواذر، كما يصنع من الصوف بصفة عامة المساند والسروج والزينة الخاصة بالحيوانات، في حين ينتج من صوف الأغنام بصفة خاصة وشعر الماعز المفلى والمنسول الميداليات والاكسوارات النسائية.

        وتتنوع منتجات الصناعات السعفية، ما بين الأسلال والأغطية التي تستخدم لحفظ التمور والفواكه، كما يصنع من جريد النخيل بعض الأثاث وأدوات الزينة، ومن النبات الصحراوي (الغضف) تصنع المنتجات السعفية ذات الجودة العالية مثل: الكرمة والفانية والسلال.

        وتواصلاً مع الصناعات اليدوية نجد أن ولاية بهلا بالمنطقة الداخلية بالسلطنة تشتهر بصناعات الفخار والخزف، وإن كان هذا لا يعني انتفاء صناعة الفخار في ولايات أخرى، ولكن على نحو أقل. من هذه الولايات: بدبد وصحم، وبلاد بني بوحسن، ووادي المعاول، وسمائل وظفار.

        وصناعة الفخار بالسلطنة تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد، اعتماداً على ما أثبتته التنقيبات الأثرية بمنطقة (البريمي) شمال عُمان. كما تعتمد الصناعات الفخارية في مكوناتها الأساسية على الصلصال المأخوذ من التربة التي تتميز بالقدرة على الصمود إزاء عوامل التعرية والمتغيرات الطبيعية، والمواد الخام التي تدخل في صناعة منتجات الفخار هي: طينة (المدر) وهي عبارة عن طينة بيضاء اللون تميل أحياناً إلى اللون الرمادي، كما تدخل في هذه الصناعات طينة حمراء اللون يطلق عليها (الربوخ). ويستخدم الماء العذب الخالي من الأملاح والكلور لعجن الطينة، كما يستخدم الخشب والقش وقوداً لحرق الأواني ، وأخيراً تستعمل أداة (المشك) لطلاء الأواني وغيرها من المنتجات الفخارية.

        تنقسم المنتجات المصنوعة من مادة الفخار إلى: أواني لحفظ الأغذية؛ (الخرس، الجر، والحلول)، وأواني للطهي، وتتمثل في (الدلة والبرمة والملة والأكواب والفناجين والأباريق والصحون)، وأواني لحفظ الماء وتبريده مثل: (الجحلة والجدوية والحب/ الزير)، هذا فضلاً عن منتجات أخرى مثل: (المجامر، والمزهريات، وبعض المفردات الخاصة بزينة المنازل).

        وجدير بالذكر أن زخرفة الأواني الفخارية وغيرها من المنتجات الفخار تختلف باختلاف مناطق السلطنة. فمثلاً منطقة (ظفار) بجنوب عُمان تتميز مباخرها بالألوان الزاهية وبتفاوت أحجامها، بينما تلتزم مباخر منطقة الشمال بلوها الطيني وبحجم معين.

        وبالنسبة للصناعات الخشبية، فإن تاريخها يعود إلى أكثر من ألف عام، ومن أشهر منتجاتها السفن التقليدية التي تتضمن أسماء مختلفة منها: الغنجة، والبوم والبغلة، والسنبوق؛ والجالبوت، والبدن، والشوعى، والشاشة والبقارة والهوري وسفينة صحار المعروفة بالسندباد البحري، هذا فضلاً عن قوارب الصيد.

        إن لكل سفينة من تلك السفن شكلاً وحجماً معينين وكذا سعة حمولة محددة واستخدامات وأماكن للتواجد. فمثلاً: يعد (السنبوق) من السفن العُمانية التي تستخدم في الرحلات التجارية الطويلة المدى وتتراوح حمولتها ما بين العشرين والمئة والخمسين طناً، والسنبوق نوع من السفن كان يستخدم قديماً في صيد اللؤلؤ، بينما يستخدم حالياً في الشحن ونقل الركاب. وتعد ولايتا صحم وصحار من أشهر الولايات استخداماً لهذا النوع من السفن وإيواءً لها.

        وفي مقابل السنبوق نجد (الهواري) قارباً صغيراً منحوتاً من جذوع الأشجار، يتراوح طوله ما بين العشرة والعشرين قدماً، ويستخدم في صيد الأسماك ونقل السلع إلى مسافات قصيرة كما يعتبر من أشهر السفن الصغيرة استخداماً في السلطنة (23) .

        وتحوي الصناعات الخشبية بجانب السفن التقليدية صناعة (المندوس) وهو عبارة عن صندوق خشبي تزخرف أوجهه الخارجية بزخارف ونقوش متنوعة تتشكل عادة من معدن النحاس، وهنا تكمن صعوبة التشكيل، فكلما ازداد إتقان الصانع لها ارتفع قيمة الصندوق. ويمثل صندوق (المندوس) جزءاً أساسياً من قطع الأثاث في البيت العُماني التقليدي إذ بداخله تحفظ الأموال والملابس والمتعلقات الخاصة.

        وتدخل صناعة العصيّ ضمن منتجات الصناعات الخشبية، حيث تتنوع أحجامها وأشكالها والنقوش المزخرفة عليها، وفي أحايين كثيرة يغطي رأس العصا بقطعة من الفضة مما يزيد من قيمة العصا وجمالها.

        وتشتهر محافظة (مسندم) بأقصى شمال سلطنة عُمان بصناعات العصيّ، لاسيما (الجرز) التي يكون رأسها معدنياً مصنوعاً من حديد أو فضة أو ذهب.

        وجدير بالذكر أن العصا بجانب كونها رمزاً للالتزام والصرامة في الأعراف والتقاليد العُمانية فضلاً عن استخداماتها الأخرى في رعي الغنم، فهي جزء من وجاهة الرجل في ملبسه ومن ثم يحرص الرجال على حملها لاسيما في المناسبات الاجتماعية والرسمية.

        وتواصلاً مع الصناعات الحرفية تأتي الصناعات الجلدية التي تختلف عما سبق ذكره من صناعات من حيث الإعداد والتحضير، إذ تمر منتجات الصناعات الجلدية بمراحل زمنية طويلة تستغرق في تنظيف الجلود وغسلها وغليها ودبغها وصبغها. وتعد القربة، والسعف، والهبان، والدلو، والأحزمة، والأحذية، والحقائب، العكة، والغمد من أهم منتجات الصناعات الجلدية.

        واعتماداً على اكتشافات النقوش السومرية، فإن صناعات المعادن بالسلطنة يعود تاريخها إلى عام (2000 ق.م) حيث شرع العُمانيون في التنقيب عن المعادن وعرفوا قيمتها وأهميتها واستثمروها بحكمة، من ثم قامت حضارة (مجان) نسبة إلى الاسم القديم لعُمان، معتمدةً على علاقات تجارية مع الدول المجاورة في الشرق الأوسط (24).

        ومن أبرز الصناعات المعدنية صناعة النحاس التي تشمل صناعة الأواني المنزلية مثل: الملاعق والمغارف والمزهريات وطاسات المياه، ودلات القهوة. وينبثق من الصناعات النحاسية، مهارة (الصَفارة)؛ أي القدرة على إعادة البريق للأواني النحاسية واسترجاع حالتها التي كانت عليها قبل تغييرها من تكرار الاستخدام، وكذا مهارة (الحدادة)؛ أي القدرة على تشكيل الحديد بإتقان فني يتضمن صناعة السيوف والدروع والسكاكين وغيرها من المنتجات الضرورية لحياة العُماني كالأدوات المستخدمة في الزراعة.

        تقدم الصناعات الحجرية والجبسية مواد البناء التي يتم تكوينها بواسطة حرق الطين والحجر معاً ويستخلص منهما مادة (الصاروج) وهي عبارة عن مادة أسمنتية محلية تتميز بالقوة والصلابة تدخل بشكل أساسي في بناء القلاع والحصون وقنوات جري المياه المستخدمة في الري والتي تعرف محلياً باسم (الأفلاج). كما يتم استخراج مادة (الجير) أو (النورة) المستخدمة في صبغ المباني من الحجر الأبيض أو الرملة البيضاء.

        ويلزم التنويه إلى أن الشواهد التاريخية التي تدخل مادة (الصاروج) في بنائها بالسلطنة تشكل ثروة تراثية ومنبعاً من منابع تنشيط حركة السياحة لاسيما فيما يعرف بـ (السياحة التراثية)، وهذه الشواهد تزيد عن الألف أثر تتنوع ما بين القلعة والحصن والبرج والحارة والسور والمسجد والبيت الأثري، وتعد جميعها حلقة مضيئة لسلسلة من الدراسات المتخصصة في التراث الحضاري للإنسان العُماني (25).

        وأخيراً تأتي الصناعات الصغيرة ضمن الصناعات الحرفية مثل صناعة أدوات الصيد وصناعة التقطير وصناعة النيل وصناعة الكحل والنحت على العظام.

        فتشمل صناعة أدوات الصيد صناعة القراقير وشباك الصيد (الليوخ). وتقوم صناعة التقطير على استخلاص السائل من أزهار بعينها مثل: الورد والياسمين والكيذا والجعداء والياس والزموتا، كما يتم استخراج بعض الزيوت من ورق نبات الشوع والعرش لغرض التداوي من بعض الأمراض.

        وتعتمد صناعة النيل على استخراج مادة زرقاء من نبات العظم، بواسطة نقعه في أوعية فخارية تسمى باللهجة المحلية العُمانية بـ (الحوابس)، ويتم استخدام مادة النيل عادة في صبغ الملابس لاسيما النسائية منها.

        أما الكحل فيصنع من حجر أسود براق يطلق عليه اسم (الإثمد)، بعد دقه وطحنه حتى يصير ناعماً، ثم يوضع المسحوق في (جرن) وعاء معدني يكون من النحاس أو الفضة، ثم يُنشر المسحوق على (شال)؛ قطعة قماش ناعمة ليُنخل عبر الفتحات الصغيرة. وعملية الدق والنخل تتكرر أكثر من مرة للحصول على أعلى درجة من مسحوق ناعم يوضع بعد ذلك في المكحل ويضاف إليه زيت الزيتون الخالص. ويعد هذا النوع أفضل أنواع الكحل.

        وختاماً يدخل النحت على العظام لاسيما عظام الإبل وبعض الأصداف البحرية في صناعة العديد من حُلي (اكسسوارات) النساء التي تلبس في حالات الزينة وفي حالات أخرى، اعتقاداً في أنها تقي من السحر والعين والأعمال الشريرة.

        وجدير بالذكر أن أنواع الصناعات الحرفية تتفاوت من حيث درجة الكثافة والانتشار من منطقة إلى أخرى. فبينما تشتهر (نزوى) بالمنطقة الداخلية بالسلطنة – كما أسلفنا – بصناعة الفضيات لاسيما الخناجر منها، فإن منطقة الباطنة الممتدة من محافظة مسقط جنوباً حتى حدود الإمارات العربية المتحدة شمالاً، تشتهر بصناعات التطريز والسعفيات والغزل والنسيج والحدادة (26). كما تشتهر المنطقة الداخلية التي هي عبارة عن ((هضبة في وسط السلطنة تنحدر من سفوح الجبل الأخضر في الاتجاه الجنوبي للصحراء وتحدها من الغرب منطقة الظاهرة، ومن الشرق المنطقة الشرقية)) (27) بصناعة الفخاريات وطهي الحلوى العُمانية وغسل التمور وعمل البسور ونحت الأخشاب، وصناعة ونقش النوافذ والأبواب الخشبية (28) *.

        ومن الطبيعي أن يرافق كل حرفة من تلك الحرف أشكال من العادات والتقاليد المرتبطة بها، كما أن ثمة أواصر اجتماعية تجمع بين الحرفيين على اختلاف مهنهم، وأخرى اقتصادية تحدد عمليات التوافق وأسس التعاون فيما بينهم.

الصناعات الحرفية في علاقتها بالهوية العُمانية.

        لما كانت الصناعات الحرفية جزءاً هاماً من التراث العُماني، وتلعب دوراً أساسياً في إبراز الهوية العُمانية وتحديدها، فقد اختارت الباحثة أبرز نماذج هذه الصناعات متمثلة في الزي وبعض ملحقاته كالخنجر والبخور واللبان للتدليل عما لها من دور في تحديد الهوية.

أ- أزياء الرجال.

        يعد الزي بصفة عامة سواء الرجالي منه أو النسائي مظهراً من مظاهر المحافظة واعتزاز العُماني بتراثه، وعليه فإن الزي يتخذ مكانة خاصة في حياة الإنسان العُماني، وهو يتسم بالبساطة والتكيف مع البيئة وأحوال الطقس في ميلها إلى الحرارة.

        يتكون زي الرجال من (الدشداشة)؛ أي (الجلباب)، وهو عبارة عن ثوب طويل أبيض ذي عنق مستديرة، يحيط بها شريط رفيع يطرز بخيط من لون الثوب نفسه غالباً، ويتدلى من أعلى الصدر (الفراخة أو الكركوشة) وهي خيوط مدلاة من نوع الخيط المطرز به العنق، كما تطرز أطراف يديْ الثوب بشريط من الخيط  نفسه ولونه.

        ويختلف شكل تطريز (الدشداشة) حسب مناطق السلطنة، فمثلاً (الدشداشة) في ولاية (صور) بمنطقة الباطنة تكون كثيفة التطريز فتطرز من الأمام والخلف، بينما نجد (دشداشة) ولايات المنطقة الداخلية مطرزة من الأمام فحسب، وبدرجة أقل في الكثافة.

        كما تتفاوت كثافة التطريز بين (دشداشة) وأخرى حسب المرحلة العمرية، فبصفة عامة أثواب الأطفال أكثر تطريزاً من أثواب الرجال.

        ولا يكتمل الزي الرجالي العُماني إلا بغطاء الرأس، سواء العمامة ذات الألوان المختلفة والزاهية، أو الطاقية (الكمة) التي تطرز يدوياً بأشكال وزخارف متنوعة وتسمى عملية تطريز (الكمة) بالتنجيم وكلما اتسمت بالدقة والمهارة ارتفعت قيمة الطاقية.

        ويلف الرجال حول الخصر وفوق حزام الخنجر أحياناً شالاً من نوع العمامة ولونها، ثم يلبسون (البشت) وهو عبارة عن عباءة من الصوف الخفيف بنية أو سوداء أو رمادية اللون، تُطرز أكمامها وأطرافها بخيوط فضية أو ذهبية.

        ويعد الخنجر إحدى السمات البارزة في الشخصية العُمانية، وهو بصفة عامة عبارة عن سكين مقوس يوضع في غمد مُحلى بالنقوش، كان يحمله الرجال قديماً بوصفه سلاحاً للدفاع عن النفس، بينما يعد الخنجر حالياً من لوازم الأناقة والوجاهة في المناسبات الرسمية والاجتماعية، من ثم يحرص الرجال على ارتدائه وإهدائه بوصفه تحفة فنية.

        والخناجر العُمانية تختلف من حيث النوع فهناك الخنجر النزواني، نسبة إلى منطقة نزوى الشهيرة بصناعة الخناجر، الذي يتميز بحجمه الكبير مقارنة بالخنجر الصوري الذي تغرز في قرنه مسامير صغيرة على شكل نجم متوازي الأضلاع، كما يوجد الخنجر السعيدي الذي ينسب إلى العائلة المالكة وكذا الخنجر الصحاري.

        والاختلاف بين أنواع الخناجر العُمانية يتبين من طبيعة الحجم والشكل ونوع المعدن الذي يصنع منه أو يُطلى به وكذا المهارة في طريقة التصنيع.

        إن الفضة الخالصة هي أكثر أنواع المعادن استخداماً في صناعة الخناجر، وقديماً كان يتم استخراج الفضة من صهر النقود المتداولة بعد فصل الحديد منها، وعملية تخليص الفضة من الحديد كانت تستغرق شهراً من الزمان ليعقبها فترة زمنية أخرى تستغرق في نقش صفائح الفضة.

        والنقش يتم عادة إما بالقلع أو بالتكاسير، حيث في القلع يكون نقش صحيفة الفضة بواسطة الدق بمسمار دقيق، بينما التكاسير هو تزيين الخنجر بواسطة تثبيت خيوط فضية عليه. وتعد الطريقة الأخيرة طريقة مستحدثة وسريعة في صناعة الخناجر، ومن ثم يكون المنتج منها من الخناجر أقل قيمة من خناجر النوع الأول.

        وبعيداً عن تقسيمات الخناجر من حيث المناطق بالسلطنة، فإن أي خنجر عُماني يتكون من أربعة أجزاء أساسية هي: المقبض ويسمى باللهجة المحلية العُمانية بـ (القرن) وتتفاوت قيمته حسب المنطقة التي ينتمي إليها الخنجر، ولكن بصفة عامة أغلى أنواع المقابض هي المصنوعة من قرن الزراف أو الخرتيت، وقد يستخدم خشب الصندل أو الرخام كمواد بديلة للقرون في صناعة المقابض.

        شفرة الخنجر ويطلق عليها محلياً بـ (النصلة)، وتعد ضمن محددات قيمة الخنجر، بناءً على قوة الشفرة وجودتها.

        أعلى الغمد أو ما يسمى بـ (الصدر) وهو الجزء الأكثر جاذبية في الخنجر إذ عليه تظهر حرفية الصانع ومهارته سواء أكان الصدر منقوشاً بالفضة أم بالذهب الخالصين.

        وأخيراً أسفل الغمد وهو ما يسمى بـ (القطاعة) ويعد الجزء المكمل للجانب الجمالي لأعلى الغمد بصفة خاصة وللخنجر بأكمله بصفة عامة، وعادة ما يكون مطعماً بخيوط من الفضة.

        وعليه فإن القيمة الشرائية للخنجر العُماني قد تكمن في جزء معين من أجزائه أو قد تتوزع لتشمل كافة الأجزاء من قرن ونصلة وصدر وقطاعة حتى الطوق الذي هو أسفل المقبض. ولذا أطلق العُماني على خنجره المثل الشعبي (زينة وخزينة) معبراً عن جماله الفني وقيمته المادية.

ب- أزياء النساء.

        ينقسم الزي النسائي بكافة مناطق السلطنة إلى ثلاثة أجزاء أساسية هي:

حجاب الرأس ويسمى بـ (اللحاف أو الليسو أو الوقاية أو الفتيقة) حسب المنطقة التي ينتمي إليها الزي، وحجاب الرأس ما تتفنن فيه النساء عادة بتزيينه بالنقوش بواسطة (الترتر أو الخرز الملون) كما تُطرز أطرافه بخيط يشتمل على ثلاثة أو أربعة ألوان وهو ما يسمى بـ (الحضية أو الشلاشل).

ويلي حجاب الرأس الثوب أو الدشداشة النسائية وتسمى في بعض المناطق بـ (الكندورة)، التي هي عبارة عن فستان يطرز أكمامه يدوياً بالخيط الملون أو الترتر أو الخرز ليتشكل منها جميعاً أو من أحدها زخارف مختلفة. ويطلق على الأكمام في اللهجة المحلية العُمانية اسم (الردون). كما يثبت على شق الفستان الذي يتوسط الصدر مجموعة من النقوش جاهزة التصنيع عادة ما تكون حمراء أو بنفسجية اللون تسمى بـ (السفة أو السنجاف).

يمثل السروال القطعة الثالثة في زي النساء، ويكون واسعاً فضفاضاً من الأعلى وضيقاً عند الساق حتى أعلى القدمين، ويعد الجزء الضيّق من السروال هو الأعلى قيمة والأغلى ثمناً؛ إذ في حالات التمكن الاقتصادي يطرز يدوياً بخيوط من الفضة أو الذهب الخالصين، من ثم يطرز منفصلاً عن السروال ثم يخيط ليثبت مع بقية السروال. لذلك يكون الجزء الخاص بساقي السروال من قماش أثقل وأقوى نوعاً بحيث يتحمل التطريز، بينما يكون الجزء الأعلى الفضفاض من قماش أخف نوعاً. ففي حالات السراويل البالبة يفصل الجزء الأسفل منها ليثبت في سروال جديد.

وتغطي المرأة رأسها بالطرحة (الوقاية) التي يتدلى منها خيوط ملونة من الصوف المعقود، كما تلبس أعلى الوقاية (الخطية) التي تُزين أطرافها بخيوط من الصوف الملون أو (الزري) أي خيوط فضية.

وعلى النقيض من الثوب القصير بمنطقة الداخلية، يأتي ثوب منطقة ظفار بجنوب عُمان، طويلاً ومن ثم يطلق عليه مسمى (أبو ذيل)، والثوب الظفاري عادة ما يكون من قماش المخمل أو القطيفة أو القطن الثقيل، تزين رقبته بخيوط (البريسم)، أي الحرير (أو الزري) أو أية خيوط فضية أو ذهبية اللون، ويثبت على الثوب فصوص مصنوعة من الفضة أو الخرز، كما تضع المرأة بجنوب عُمان على رأسها (الشيلة) أي الطرحة وغالباً ما تكون من قماش القطن الخفيف أو الحرير المزينين بفصوص فضية اللون أو الخرز بأشكال مختلفة.

وهنا يكمن الفرق بين زي مناطق شمال السلطنة وزي مناطق جنوبها؛ حيث يتم التركيز في الشمال على السروال الذي قد يكون ثمنه أغلى من بقية أجزاء الزي، بينما يتحدد معدل غلاء الثوب الجنوبي في الثوب ذاته ومدى مهارة التطريز فيه ويأتي السروال في المقام الثاني.

وبصفة عامة لا يكتمل الزي النسائي في كافة مناطق السلطنة إلا بارتداء الحُلي الفضية أو الذهبية (29).

تواصلاً مع مفردات الزينة للهوية العُمانية بجنسيها (رجال ونساء) يأتي البخور الذي يعد عادة ملازمة للشخصية العُمانية منذ أقدم العصور، حيث يستخدم البخور في اليوم الواحد من حياة العُماني أكثر من مرة.

وينقسم البخور العُماني إلى أنواع: بخور عود خشب الصندل المستورد من الدول الآسيوية، وهو الأغلى ثمناً ويقدم عادة للضيوف حين مغادرة المنزل للتعبير عن كرم الضيافة وعن فرحة المضيف وحبه للضيف بما يتضمنه التقليد من دعوة ضمنية لتكرار الزيارة، كما يبخر ببخور الصندل ملابس العروسين وتتبخر به الأهالي، باعتباره عطراًً قبل خروجهم لتبادل الزيارات.

والنوع الثاني من البخور يسمى بخور الخلطة، ويأتي في المرتبة الثانية من حيث القيمة. ويتكون بخور الخلطة من مجموعة من الروائح التي تستخلص من زهور بعينها يصنع عطرها محلياً. ويستخدم هذا النوع من البخور للأغراض العادية وبعض المناسبات الاجتماعية كالأفراح والموالد والمآتم لدى فئة اجتماعية بعينها.

أما بخور اللبان فيعد نوعاً ثالثاً وهو الأكثر شيوعاً لا لكونه الأرخص ثمناً، إذ تتفاوت قيمته الشرائية حسب نوع اللبان المستخدم وجودته، بل لكونه أكثر الأنواع استخداماً في تبخير المنازل والملابس وكافة الأغراض الحياتية، فضلاً عن بعض المناسبات الاجتماعية كعادات الاحتفاء بالزواج والولادة وختان المولود، كما يستخدم بخور اللبان في تبخير المياه لإعطائها رائحة ونكهة طيّبة. هذا فضلاً عن أن الفئات الاجتماعية الشعبية تمضغه باعتباره لباناً ذا نكهة طيّبة.

وغنى عن البيان أن اللبان يعد دافعاً أساسياً للحركة التجارية العُمانية منذ القدم، إذ تعود تجارته إلى ما قبل سبعة آلاف سنة، حين تحركت السفن والقوافل التجارية من منطقة ظفار بجنوب عُمان إلى جنوب العراق وبلاد الشام حتى مصر القديمة. وتعد مدينة غزة في تلك الآونة نقطة انطلاق للبان العُماني إلى بلدان أوروبا لاسيما روما. كما تشير الدراسات إلى أن ظفار كانت ولا تزال مركز إنتاج اللبان العُماني عالمياً، إذ يصل مجمل ما تنتجه سنوياً إلى سبعـة آلاف طن وهو ما تقدر قيمته المبدئية بثلاثين مليون ريال عُماني (30).

تكمن أهمية اللبان العُماني عالمياً في أنه يدخل في كثير من صناعات الأدوية والزيوت والمساحيق والعطور والشموع، فضلاً عن استخداماته في العديد من دور العبادة.

وينقسم اللبان العُماني إلى أربعة أنواع: الحوجري ويعد أجود الأنواع ويليه النجدي ثم الشزري وأخيراً يأتي الشعبي. ومقياس جودة اللبان، نقاؤه وبياض لونه، فكلما كان ناصع البياض عُد الأحسن نوعاً ويسمى هذا النوع عند الجمع والفرز بـ (اللُقط) (31).

إن جمع اللبان يطلق عليه في اللهجة العامية العُمانية مسمى ((التجريح))، ويبدأ في أوائل شهر أبريل من كل عام حيث ارتفاع درجة الحرارة في ظفار، كما ينقسم الجمع إلى مراحل:

المرحلة الأولى: وتسمى بـ (التوقيع) ويقصد به ضرب شجرة اللبان الضربة الأولى بغية كشط قشرتها الخارجية فسرعان ما يتلو التوقيع سائل لزج حليبي اللون يترك ليتجمد لمدة أسبوعين، ثم تجمع ثماره الناصعة البياض التي تصنف بثمار الدرجة الأولى تكون للتصدير الخارجي وتسمى باللقط.

        ويتلو الضربة الأولى التجريح الثاني حيث تجمع ثماره التي لا تكون بنفس جودة ثمار الدرجة الأولى ومن ثم تعد غير تجارية ويكتفى بها للاستخدام المحلي.

        وبعد أسبوعين من التجريح الثاني يبدأ التجريح الثالث الذي تميل ثماره إلى اللون الأصفر، وتعرف بأنها أكثر الأنواع شيوعاً لرخص ثمنها وشعبيتها في الاستخدامات المختلفة.

        ويلزم التنويه إلى أن ضرب شجرة اللبان ليست عملية عشوائية، بل تحتاج إلى مهارة فائقة ويد خبيرة، إذ تختلف الضربات من شجرة لأخرى بموجب الحجم، كما يستمر موسم الحصاد لمدة زمنية تصل إلى ثلاثة أشهر، ويبلغ متوسط إنتاج الشجرة الواحدة عشرة كيلو جرامات تقريباً (32).

 

الصناعات الحرفية في علاقتها بالفن.

        إن اختلاف البيئة الجغرافية لسلطنة عُمان ما بين البحر والواحة والصحراء، قد أدى إلى التنوع في أنماط الفنون الشعبية. فثمة فنون ترتبط بالبحر والشاطئ والسفينة وأخرى ترتبط بالعمل وأشكاله المختلفة وثالثة ترتبط بالسمر.

        والموسيقى الشعبية العُمانية جزء لا يتجزأ من الفنون الشعبية بكل ما فيها من إيقاع وحركة. ولا يتسع المجال للخوض في الموسيقى الشعبية العُمانية وما يصاحبها من أشكال تعبيرية قائمة على الحركة أو الكلمة أو على كلتيهما معاً. إذ يحتاج هذا النوع من الخوض إلى دراسة شاملة تقف على كافة المؤثرات التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية لهذا النوع من الموسيقى، وكذا المؤثرات العملية (التطبيقية) بما فيها من آلات موسيقية وتدوين موسيقى وإيقاع ونظام لحني ورقصي وحركي، فضلاً عن المؤثرات العلمية وما تشمله من تصنيف علمي لأنماط الموسيقى وتحليلها والجمع الميداني لها والكشف عن نظامها اللحني وكذا الإيضاح إذا ما كانت هناك علاقة بين موسيقى عُمان الشعبية ونظيرتها في الدول الأخرى.

        ومن ثم فإن ما يهم الباحثة في هذا الموضع هو التأكيد على أن وظيفة الآلة الموسيقية وارتباطها بنوع معين من فنون الموسيقى الشعبية يلعب دوراً أساسياً في أسلوب صناعة الآلة.

        ولما كان الإيقاع يلعب دوراً هاماً في الموسيقى الشعبية العُمانية، فقد نجم عن ذلك تنوع الآلات الإيقاعية وكثرتها، ليبلغ إجمالي الآلات الإيقاعية المستخدمة في الموسيقى الشعبية العُمانية سبعاً وعشرين آلة إيقاعية في مقابل آلات لحنية لا يتجاوز عددها سبع آلات.

        ومن ثم نستطيع القول: إن الإيقاع هو العنصر المنظم في الموسيقى الشعبية العُمانية، في حين أن أية موسيقى أخرى تتكون من عنصري اللحن والإيقاع وأن الأخير يظهر من خلال الزخرفة بينما الأعم الأغلب من إيقاع الموسيقى الشعبية العُمانية يقوم على الإيقاع المحدود الذي يحدده القالب الموسيقي ووظيفته، دون الاعتماد على الزخرفة.

        إن هيمنة عنصر الإيقاع على الموسيقى الشعبية العُمانية مرجعها أن العُماني لا يزال يستخدم صوته في كثير من الفنون الشعبية دون الاستعانة بآلة لحنية، كما أن معظم هذه الفنون يشمل رقصات تدعمها الآلة الإيقاعية أكثر من دعمها بالآلة اللحنية.

        وعليه قام الإيقاع بدور هام في الفنون الموسيقية الشعبية العُمانية وتنوع ما بين الممزوج بإيقاع أفريقي وآخر بإيقاع آسيوي وثالث بإيقاعات عربية أصيلة وذلك بموجب نوع الفن وانتمائه إلى منطقة بعينها.

        تنقسم الآلات الإيقاعية في الموسيقى الشعبية العُمانية إلى طبول برقمتين وطبول برقمة واحدة وآلات إيقاعية بدون رقم.

        والرَقْمةُ هي الأثر بباطن عضد الحمار والفرس (33). وقد ورد في الحديث الشريف ((ما أنتم من الأمم إلا كالرَقْمَة في ذراع الدابة؛ الرَقْمَةُ: الهَنَةُ الناتئة في ذراع الدابة من الداخل، وهما رَقْمتان في ذراعيها، وقيل: الرَقمتان اللتان في باطن ذراعي الفرس لا تُنبتان الشعر)) (34).

        إن الطبول بوصفها آلات إيقاعية في الموسيقى الشعبية العُمانية لها علاقة بالصناعات الحرفية لاسيما الخشبية منها والجلدية، إذ تصنع من أخشاب مختلفة منها ما هو محلى ومنها ما هو مستورد من غرب آسيا وشرق أفريقيا. وتصل أنواع الأخشاب المصنوع منها الطبول إلى ستة عشر نوعاً منها أخشاب السدر والغاف وجوز الهند والنخيل والبيذام وغير ذلك من أنواع الأخشاب (35). كما يصنع الأعم الأغلب من هذه الطبول من جلد الغنم والثور وأحياناً الجمل.

        فالآلات الإيقاعية ذات الرقمتين تشتمل على فصيلة من الطبول بمسميات مختلفة منها: الرحماني والرحماني الطويل والرنة والكاسر والكاسر القصير والكاسر المفلطح والمراس، وأهم ما يميز هذه الفصيلة، بجانب أنها تحوي رقمتين، أن العازف عليها بإمكانه التحكم في شد أولين الرقمة بواسطة الحبال التي تُشد فتربط بين جهتي الرقمتين عبر أسطوانة جسم الآلة، كما تتنوع أساليب ضرب الرقمة في هذه الفصيلة فمنها ما يُضرب بالعصا على جانب واحد دون استخدام اليد، ومنها ما يضرب باليدين دون العصا.

        وطبول فصيلة الرحماني بصفة عامة، أكثر أنواع الطبول انتشاراً في مناطق السلطنة؛ إذ تعد جزءاً أساسياً في الفنون الشعبية العُمانية، حيث يقوم نوع الرحماني منها – مثلاً – بإعطاء القاعدة الأساسية في الإيقاع، ومن ثم يجب أن يكون الصوت الصادر من هذا النوع من الطبول، ضخماً وممتلئاً إذ يتولى تأكيد أساس الإيقاع في كل فن من فنون الرقص الشعبي، بينما نجد – على عكس من ذلك – طبل الكاسر الذي يقوم بإصدار الصوت الحاد. وتظل العلاقة بين الرحماني والكاسر علاقة وطيدة؛ ففي معظم فنون الرقص الشعبي العُماني نراهما متلازمين يكمل كل منها الآخر. وعليه إذا كان الإيقاع ثلاثياً مثلاً، يتولى الرحماني الضلع القوي والكاسر الضلعين الآخرين بصورة حادة.

        أما الآلات الإيقاعية ذات الرقمة الواحدة فتشمل ثلاث فصائل: فصيلة المسيندو، وفصيلة الدف وفصيلة الباز. وأكثر هذه الفصائل انتشاراً وشهرة فصيلة المسيندو لاحتوائها على مجموعة من الطبول، تتفاوت حسب الاحتياج والارتباط الوظيفي للفن. لذا نجد المسيندو الطويل والقصير والليو ومسندو الطنبورة ومسندو رقص الزنوج ومسندو الواقف.

        وتتميز طبول مجموعة المسيندو بتثبيت الرقمة على طرف واحد من الطبلة وعادة ما يكون الطرف الواسع منها، حيث تشد الرقمة على الطبلة بواسطة أوتار خشبية، تعين العازف على التحكم في درجة الصوت حسب قوة الشد، أو عبر تسخين الرقمة بالنار أو المسح عليها بشدة بواسطة عجين التمر الممزوج برماد الخشب الساخن.

        ويتلو هذا قيام العازف بربط طبل المسيندو على خصره بواسطة حزام يلف حوله، أما إذا كان طبل المسيندو من النوع الطويل، فإنه يضع الجزء المتبقي منه بين قدميه على هيئة مَنْ يمتطى صهوة جواد. وهذا الوضع في استخدام المسيندو، يستخدم كثيراً في الفنون الشعبية التي تقتضي الوقوف مثل فن المكوارة وفي الفنون التي تحوي الكثير من الحركة مثل: موكب الشوباني ورقصة زفة المختون التي تقتضي أن يجر العازف المسيندو أثناء عزفه.

        وأخيراً نأتي إلى الآلات الإيقاعية بدون رقمة وهذه الآلات تحوي بعض الصناعات الحرفية المعدنية، فضلاً عن صناعات أخرى تتضمن مفردات بحرية.

        فالنوع الأول يصنع من آلة العضد التي هي عبارة عن أنبوبة دائرية من الفضة تُملأ بالحبوب الجافة أو الحصوات لإصدار الصوت عند هزها. والعضد آلة موسيقية إيقاعية، تستخدم من قبل النساء خاصة، لتحديد النبض الإيقاعي أو للإشارة إلى تغيير شكل المجموعات الراقصة في فنون بعينها مثل فن (الويليه) بمنطقة منح.

        كما يصنع من النحاس ما يسمى بالسجال أو الصنوج أو الرنج أو الطاسة، وجميعها عبارة عن زوج من الصاجات على شكل دائري يمسك بهما العازف في كل يد فيصدر الصوت بواسطة طرق الطرفين بعضهما بعض. والسجال آلة تستخدم لزخرفة الإيقاع في فنون البحر والعيالة والويليه، وتستخدم لإبراز مقطوعة زخرفية دون الإيقاع في فنون أخرى مثل فن المديمة.

        من الصفيح تصنع آلة التنك. والتنك كلمة معربة من أصل إنجليزي هي (Tank) وتسمى هذه الآلة بـ (الباتو) أحياناً نسبة إلى كلمة (Bato) في اللغة السواحلية وتعني الصفيح.

        والتنك أو الباتو، صفيحة فارغة يُطبق منتصفها، ليصدر الصوت منها بواسطة الطرق عليها بالعصا. ويتم استخدام هذه الآلة الإيقاعية في فنون بعينها مثل: الليوا والطنبورة والرايوا والمكوارة.

        وأخيراً تأتي الآلات الإيقاعية التي تصنع من المفردات البحرية، وتتمثل في آلات نفخ. وأغرب ما فيها أنها – رغم كونها آلات نفخ – توظف في الموسيقى الشعبية العُمانية، بوصفها آلات إيقاعية لا آلات لحنية.

        ومرد ذلك أن النفخ في هذه الآلات لا يستخدم لإثراء الجانب اللحني فيها، بل لتأكيد الإيقاع المشاركة فيه الآلة، بغية زخرفته أو ضبط بعض أجزائه. ومن ثم فإن هذا النوع من آلات النفخ لا يحوي سوى ثقب واحد يصدر منه نغمة واحدة عبر الأسلوب المتقطع في استخدام الآلة، شأنها في ذلك شأن الآلات الإيقاعية، وتشمل آلات الإيقاع بالنفخ على:

        آلة الجم وتسمى أحياناً باليم، وهي عبارة عن صدفة بحرية كبيرة تعد للنفخ بقطع الجزء الأعلى منها أو فتح ثقب بها، يتم استخدامها بأسلوب متقطع إيقاعي لنغمة واحدة تضيف لوناً مميزاً للصوت الإيقاعي. وغالباً ما توظف آلة الجم أو اليم في فنون التطبيب الشعبي وفن الميدان وفنون البحر مثل: المديمة والشوباني وفنون التسلية والسمر مثل: الليوا.

        كما تشتمل آلات الإيقاع بالنفخ على آلة تسمى بالبرغام أو البرغوم وتصنع من قرن كبير لحيوان مثل الجاموس حيث يتم ثقب أعلى القرن لينفخ فيه العازف. وفي حالة إطالته أو تقطيعه للنغمة الصادرة يتضح الغرض من توظيف النغمة إذا ما كان لخدمة الإيقاع عامة أو لخدمة جزء منه. وكثيراً ما توظف آلة البرغام أو البرغوم في فنون السيف مثل: فن الرزحة وفن العازي.

        وتأتي آلة الرعبوب ضمن الآلات الصدفية البحرية فهي عبارة عن صدفتين ملتصقتين بحجم صغير بداخلها حيوان بحري، تسميان محلياً قبل معالجتهما باستخراج الحيوان منهما باسم (الدوك). ومحار الرعبوب عادة ما يستخدمه الأطفال في الاحتفال بليلة النصف من شهر رمضان وهو ما يطلق عليه مسمى القرنقشوه أو الطوق طوق أو التلميس، حيث يقوم الأطفال بطرق الصدفتين بعضهما بعض، على نحو يؤكد وحدة الإيقاع المستخدم في أغاني هذه الليلة.

        مما سبق يتبين أن هناك علاقة بين الصناعات الحرفية وبين المأثورات الشعبية، لاسيما في جانبها الفني. الأمر الذي يفتح باباً لدراسة الكم الهائل مما تحويه الفنون الشعبية من آلات موسيقية لاسيما الإيقاعية منها، كما أن هذا النوع من الدراسة سيؤدي إلى تشجيع الإبداع وسيكشف عن الحاجة إلى الإمكانيات المادية والبشرية لتحقيقها، لما لها من أهمية تطبيقية وعلمية ومردود فكري وآخر اقتصادي. وكي يتم ذلك فإن الأمر يتطلب مجموعة من الخطوات الأساسية لعل أهمها يتمثل في المسح الميداني والحصر لكافة الفنون الشعبية العُمانية في كل مناطق السلطنة. وكذا الحصر لكل آلات الموسيقى الموظفة في تلك الفنون، والمصاحبة للغناء والرقص الشعبي، فضلاً عن حصر المناسبات التي تؤدى فيها الفنون الشعبية العُمانية، بغية الكشف عن خصوصيتها والتوثيق لها وإيجاد معجم متكامل يحوي كافة المسميات والتفاصيل المبدئية عن الآلات الموسيقية التقليدية والفنون الشعبية العُمانية.


الخـاتمـة.

يتناول بحث ((المأثورات الشعبية والتنمية الاجتماعية: الصناعات الحرفية العُمانية نموذجاً)) في تمهيده التأكيد على أن المأثورات الشعبية العُمانية –  شأنها في ذلك شأن المأثورات الشعبية الأخرى -تحوي جانبين، أحدهما مادي والآخر غير مادي.. وأن هذه المأثورات تعد وسيلة اتصال، جمعية كما أن المأثورات الشعبية العُمانية في جانبها المادي تحوي بجانب الصناعات الحرفية مفردات أخرى مثل الحصون والأبراج والأسوار والقلاع … إلخ، وجميعها تدرك وظائفها واستخداماتها على نحو مباشر.

ثم انتقل البحث لعرض النظرة العُمانية المعاصرة تجاه المأثورات الشعبية التي أرستها قواعد النهضة الحديثة بالسلطنة منذ نوفمبر عام 1970م. وذلك عبر مقاطع من خطب صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – بما تتضمنه من توجيه إلى ضرورة الاهتمام بالمأثورات الشعبية العُمانية بصفة عامة، والصناعات الحرفية بصفة خاصة. من ثم جاء الخطاب السامي معززاً ومقدراً للجهود المبذولة في هذا المجال لما لها من أهمية في إبراز ما لعُمان من واجهة تراثية وتاريخية وحضارية.

وفي نطاق إيضاح ما للصناعات الحرفية العُمانية من أهمية ودور فعّال على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، تطرّق البحث نحو الخصوصية الجغرافية للسلطنة بكل ما فيها من تقسيم بيئي ثلاثي تمثل في: البحر والصحراء والواحة، وما يعقبه من تنوع واختلاف في المنتج الحرفي، وعليه تم تفعيل خطوات العناية بهذه الحرف بإنشاء الهيئة العامة للصناعات الحرفية، هيئة مستقلة من أهم مهامها التنفيذية توفير سبل العناية بالصناعات الحرفية وحمايتها والحفاظ عليها من أي اندثار قد يصيبها نتيجة للتقدم المدني، هذا فضلاً عن العمل على الارتقاء بها والتسويق لها محلياً ودولياً.

كما وقف البحث على سُبل أخرى في تعزيز الصناعات الحرفية العُمانية والتي تنوعت ما بين اهتمام الهيئة العامة للصناعات الحرفية بإقامة مسابقة سنوية لها، بهدف تشجيع الجانب الإبداعي والفني في الحرفيين والوقوف على أهم مواطن النقص في هذه الصناعات، وبين إنشائها لبيت الحرفي العُماني معرضاً دائماً يضمن عرض المنتجات الحرفية والتسويق لها. وكذا حرص الهيئة العامة للصناعات الحرفية على التعاون مع الجهات الرسمية الأخرى للمشاركة في المهرجانات الدولية بغية التسويق للصناعات الحرفية والتعريف بها عالمياً.

وقد أكد البحث أن صور الاهتمام بالصناعات الحرفية العُمانية لم تقتصر على هيئتها العامة، بل امتدت لتشمل جهات أخرى؛ رسمية حكومية أو خاصة شخصية. من أمثلة الأولى اهتمام بلدية مسقط ووزارة البلديات الإقليمية والبيئة بالسلطنة بنصب ميادين عامة تحوي مجسمات فنية لنماذج من الصناعات الحرفية، وكذا الحرص على توزيع هذه المجسمات بما فيها من جانب فني جمالي على جانبي الطرق العامة، لتأكيد ما لعُمان من تراث شعبي. كما يأتي حرص الحكومة العُمانية على إنشاء مصنعي النسيج والفخار ضمن الصور الرسمية للاهتمام بالصناعات الحرفية.

وبصدد الصور الشخصية أو الخاصة بالصناعات الحرفية، تطرّق البحث للجهود الذاتية المبذولة في هذا المجال، متمثلة في موسوعة ((التراث الحرفي في سلطنة عُمان)) التي أتت معبرة عن وجهة نظر أحد شخصيات العائلة المالكة العُمانية في أن الصناعات الحرفية ليست مجرد مفردات موجودة في العالم الخارجي، بل أدوات وظيفية تدخل في كافة نواحي الحياة التراثية والمدنية. كما تضمنت الموسوعة – فيما تضمنته – الأنماط المختلفة للصناعات الحرفية وأماكن تواجدها، فضلاً عن الرصد التاريخي والتوثيق العلمي الدقيق لها.

والمثال الآخر من الجهود الذاتية يتمثل في ((بيت الزبير)) بوصفه بيتاً تراثياً ومتحفاً خاصاً يحوي ضمن اهتماماته عرض نماذج من الصناعات الحرفية العُمانية ببيئتها المختلفة مع تعزيز العرض بعرض آخر تطبيقي يحوي سُبل المعيشة في تلك البيئات والكيفية التي تتم بها تلك الصناعات. كما يُعنى المتحف بإقامة ورش عمل للصناعات ذاتها على مدار السنة ضماناً للتواصل بين الحرفيين ورفع مهاراتهم الفنية والتسويق لمنتجاتهم.

وقد احتوى البحث على عرض موجز عن أقسام الصناعات الحرفية العُمانية، متمثلة في صناعة الفضيات والنسيج والسعفيات والفخار والخزف وكذا الصناعات الخشبية والجلدية والنحاسية والحجرية والجبسية وصناعة أدوات الصيد والبخور والعطور. كل ذلك مع التركيز على تبيان الفروق بين كل صناعة وأخرى ومرور سريع على أهم المفردات الإنتاجية لكل صناعة.

وقد وضعت الباحثة نصب عينيها أهمية العلاقة التي تربط بين هذه الصناعات والمحيط الاجتماعي والثقافي ومن ثم تطرّقت إلى علاقتها بكل من: الهوية العُمانية والفن.

فعن علاقة هذه الصناعات بالهوية العُمانية، أثبت البحث أن عمق هذه العلاقة يتمثل في تحديد الهوية عبر صناعات بعينها، تتمثل في الزي بشقيه الرجالي والنسائي وما يستتبعه من ملحقات.

فبالنسبة للزي الرجالي، اهتم البحث بعرض التقسيمات العامة له، متمثلة في الجلباب (الدشداشة) والعباءة (البشت) والعمامة والطاقية (الكمة) مع إبراز أهم الفروق بين زي الرجال بمناطق السلطنة وكذا الفروق حسب المرحلة العمرية.

في تناوله لزي النساء عرض البحث لأقسامه الثلاثة وهي: الدشداشة أو الكندورة والطرحة والسروال، مبيناً أن مسميات هذه الأقسام تختلف باختلاف مناطق السلطنة، هذا فضلاً عن اختلاف شكل الزي ذاته وأن القيمة في الزي النسائي لا تكمن في عملية الخياطة فحسب، بل في كيفية التطريز وسبله، بما يتضمنه من فنية التزيين عبر تثبيت العناصر الجمالية كالخرز والترتر … إلخ، أو استخدام الخيوط الفضية والذهبية وغير ذلك من عناصر الزينة.

وقد وقف البحث وقفة متأنية مع أهم ملحقات الزي العُماني بشقيه الرجالي والنسائي، متمثلة في الخنجر واللبان والبخور.

ففيما يتعلق بالخنجر تطرّق البحث للحديث عن هيئته وأقسامه المتمثلة في المقبض والسكين والنصل والغمد والقطاعة، موضحاً أنواع الخناجر العُمانية، ومؤكداً أنها لا تعد جزءاً هاماً من مفردات الزي الرجالي فحسب، بل جانباً من جوانب المهارة الفنية في الصناعات الحرفية. من ثم يحرص الرجل العُماني على ارتداء الخنجر واقتنائه، بل وأطلق عليه مثله الشعبي (زينة وخزينة) معبراً عن قيمته الفنية والمادية.

وفي تناوله عنصر اللبان بيَّن البحث أن دوره يتعدى حدود التزين به، عبر استخداماته المختلفة، إلى أهمية اقتصادية وتاريخية منذ فجر التاريخ. وأن أهم مراكز اللبان هي منطقة ظفار بجنوب عُمان، كما أن عملية تجميع اللبان من الشجر تسمى محلياً بالتجريح؛ أي ضرب شجر اللبان لتجميعه، وأن هذه العملية لها ثلاث مراحل يستتبع كل منها تحديد نوع اللبان من حيث التصدير أو الاستخدام المحلي وذلك حسب درجة نصاعة لونه الأبيض، فشدة نصاعة اللون تمثل أجود أنواع اللبان وأغلاها ثمناً، وهي ما يطلق عليها محلياً (اللُقط) وعادة ما يكون للتصدير الخارجي، إذ يدخل في كثير من صناعات الأدوية والزيوت والمساحيق والعطور… إلخ. وقد أكد البحث أن عملية ضرب شجر اللبان ليست عملية عشوائية، بل تحتاج إلى يد خبيرة ومهارة فائقة.

أما عن عنصر البخور فقد أوضح البحث أن البخور عادة ملازمة في الحياة اليومية العُمانية، كما أن هناك تفاوتاً في أنواع البخور واستخداماته. فبخور عود الصندل المستورد هو أجود أنواع البخور وأغلاها ثمناً، ومن ثم يقتصر على فئات اجتماعية بعينها واستخدامات محددة منها تقديمه للضيف تعبيراً عن كرم الضيافة، ومنها تبخير ملابس العروسين. ويأتي بخور الخلطة المصنوع من مجموعة عطور تصنع محلياً في المرتبة الثانية ويستخدم عادة في الأغراض العادية وبعض المناسبات الاجتماعية. ويلي هذا النوع من البخور بخور اللبان الذي يأتي في المرتبة الثالثة لانتشاره وشيوع استخداماته فبه تبخر المنازل والملابس يومياً، كما يستخدم في أكثر المناسبات الاجتماعية منها الاحتفاء بالزواج والولادة، كما تبخر المياه به لإعطائها نكهة مميزة، هذا فضلاً عن مضغه بوصفه علكة ذات طعم ونكهة لذيذة.

أما عن علاقة الصناعات الحرفية بالفن، فقد ركز البحث على أهم الصناعات المرتبطة بهذا الجانب وهي الصناعات الخشبية وبعض الصناعات المعدنية والصناعات المرتبطة بمحار البحر.

فبخصوص الصناعات الخشبية، توصل البحث إلى أن أهم مفرداتها الثقافية (الفنية)، تتمثل في الآلات الإيقاعية ذات الرقمتين والرقمة الواحدة، فمن أخشاب مثل: السدر والغاف وجوز الهند والنخيل تصنع آلات موسيقية إيقاعية يبلغ عددها في الموسيقى الشعبية العُمانية سبعاً وعشرين آلة إيقاعية في مقابل آلات لحنية لا يتجاوز عددها سبع آلات.

كما توصل البحث إلى أن الإيقاع عنصر أساسي في الفنون الشعبية العُمانية وأن الإيقاعات الموظفة في هذه الفنون تمتزج بالإيقاعات الأسيوية والأفريقية والعربية. وأن لكل آلة إيقاعية فنونها الخاصة وطرق استخدام تختلف من آلة لأخرى، حسب موقفها الفني والوظيفي، كما أن أكثر الآلات الإيقاعية شيوعاً تتمثل في فصيلة طبول الرحماني والمسيندو.

هذا عن الصناعات الخشبية، أما الصناعات المعدنية فمنها تصنع الآلات الإيقاعية بدون الرقمة ومن أهم ما يميز هذه الآلات أن بعضها آلات نفخ ومع ذلك لا يتم توظيفها بوصفها آلات لحنية بل إيقاعية، ومن ثم فهي ذات ثقب واحد ينفخ فيه العازف وبموجب الصوت الصادر وحسب التقطيع المصاحب له سواء أكان طويلاً أم قصيراً يتم توظيفه للتأكيد على الإيقاع العام أو لضبط بعض أجزائه.

ومن أبرز الآلات الإيقاعية المصنوعة من النحاس الصاجات ومن الصحيفة المعدنية آلة التنك ومن الفضة آلة العضد ومن محار البحر يصنع الجم والبرغوم والرعبوب. وأن لكل منها فنها الشعبي ففي فن البحر والعيالة والمديمة يكثر توظيف الصاجات، وفي فنون مثل: الليوا والطنبورة والرايو والمكواره يتم توظيف التنك، وفي فن الشوباني والليوا والمديمة تستخدم آلة الجم، كما تستخدم آلة البرغوم مع فنون السيف مثل: الرزحة والعازي، وأخير يوظف الرعبوب في بعض الاحتفالات الاجتماعية مثل احتفاء الأطفال بـ (القرنقشوه) ليلة منتصف شهر رمضان.

وختاماً، خلص البحث إلى أن الكشف عن العلاقة التي تربط بين الصناعات الحرفية والفنون الشعبية العُمانية سواء فيما يتعلق بالغناء أو الرقص أو الموسيقى، يحتاج إلى مزيد من البحوث المستقبلية المتخصصة في هذا المجال، لما لها من أهمية في دفع عملية الإبداع والكشف الأكاديمي الدقيق لأشكال الإيقاعات ولكافة الآلات الموسيقية الموظفة في الفنون الشعبية، فضلاً عن الحاجة القصوى لدراسة كافة أشكال الموسيقى الشعبية العُمانية وما يعقبها من جوانب تاريخية وعلمية وتطبيقية وجغرافية… إلخ. ومثل هذا النوع من الدراسات يحتاج إلى إمكانيات فكرية ومادية وبشرية عالية.

نماذج من الصناعات الحرفية العُمانية.

 

 

 

 
 

 

 

نماذج من الميادين العامة.

   

 

 

نماذج من الزي العُماني .

   

 

 

نماذج من الآلات الإيقاعية.

   

نماذج من مسابقات التميز الحرفي.

     


الـهـوامــش

 

(1)

أحمد علي مرسي. مقدمة في الفولكلور، القاهرة، دار الثقافة، (د.ت)، ص17.

(2)

لمزيد من التفاصيل حول هذه المفردات راجع شبكة المعلومات الدولية في كل من:

- موقع وزارة التراث والثقافة: www. mhc. gov. com.

- موقع معلومات عن سلطنة عُمان: www. omanet. com.

(3)

أحمد علي مرسي. حول المأثورات الشعبية: قضية للمناقشة، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع19، أبريل- يونيو 1987م، ص13.

(4)

راجع: خطب وكلمات حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم (1970-2000م)، وزارة الإعلام، مسقط، 1422هـ-2001م، ص ص20-21.

(5)

راجع: السابق. ص144.

(6)

السابق. الصفحة نفسها.

(7)

راجع: السابق. ص147.

(8)

راجع: عُمان (2004-2005م)، إصدار وزارة الإعلام، مسقط، 1425هـ-2004م، ص66.

(9)

راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع الهيئة العامة للصناعات الحرفية www. paci. gov. com

(10)

راجع. السابق.

(11)

ندوة (الوايبو) عن حماية الصناعات الحرفية العُمانية، مسقط، مارس 2005م، نقلاً عن: مجدي العفيفي. منظومة الثقافة العُمانية في عصر النهضة، مسقط، وزارة التراث والثقافة، مطبعة عُمان، 2006م، ص177.

(12)

راجع: مسابقة التميز الحرفي الثالثة. الهيئة العامة للصناعات الحرفية، مسقط، 2005م، ص39.

(13)

راجع: مطويات الهيئة العامة للصناعات الحرفية، مسقط، 2006م.

(14)

راجع: سعود بن سالم العنسي. العادات العُمانية، ط1، مسقط، وزارة التراث القومي والثقافة، 1412هـ-1991م، ص68.

(15)

راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع الهيئة العامة للصناعات الحرفية، مرجع سابق.

(16)

راجع: سعود بن سالم العنسي. مرجع سابق، ص68.

(17)

راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع الهيئة العامة للصناعات الحرفية، مرجع سابق.

ج

(18)

تم إنشاء مركز عُمان للموسيقى التقليدية بوزارة الإعلام في عام 1984م، بغية جمع وتوثيق وتطوير الفنون الشعبية الموسيقية العُمانية لتتفق مع رغبات المجتمع العُماني الحديث، ومن ثم قام المركز بمسح ميداني لهذه الفنون قدر المستطاع، كما يسعى نحو إخراج معجم متكامل عن كل الفنون الشعبية العُمانية، وإيجاد الدراسات والكتب التخصصية في هذا المجال لخدمة احتياجات المهتمين والدارسين.

لمزيد من التفاصيل راجع كلاً من:

- شبكة المعلومات الدولية. موقع عُمان للموسيقى التقليدية:

     www. octm- folk. gov. om.

- عُمان (2004م-2005م). مرجع سابق، ص229.

(19)

نص البيان الصادر عن مؤسسة سميثسونيان، شبكة المعلومات الدولية. موقع

       www. folklife. si. edu. internet .

See: Neil Richardson and, Maria Dorr. The Craft Heritage of Oman, vol 1-2 Published under the Auspices of his Highness Seyyid Shihab bin Tariq Al- Said, Motivate Publishing,Dubai, UAE, 2003.

(20)

(*)

صاحب السمو السيد: شهاب بن طارق بن تيمور آل سعيد، هو المستشار الخاص لصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد. وهو رئيس مجلس البحث العلمي بالسلطنة.

(**)

معالي: محمد بن الزبير بن علي هو المستشار الخاص لصاحب الجلالة لشؤون التخطيط الاقتصادي، كما أنه واحد من أبرز رجال الأعمال والفنانين الفوتوغرافيين بالسلطنة.

(21)

لمزيد من التفاصيل حول متحف بيت الزبير راجع كلاً من:

- مجدي العفيفي. مرجع سابق، ص ص 288-290.

- مطويات متحف بيت الزبير. مسقط، مطبعة بيت الزبير، 2004م.

(22)

لمزيد من التفاصيل حول كل صناعة من تلك الصناعات راجع:

     Neil Richardson and Maria Dorr. OP. Cit.-

- سعود بن سالم العنسي. مرجع سابق، ص195.

- عُمان (2004م-2005م). مرجع سابق، ص227.

(23)

لمزيد من التفاصيل حول أنواع السفن والقوارب التقليدية بالسلطنة، راجع شبكة المعلومات الدولية، موقع معلومات عن سلطنة عُمان، مرجع سابق.

(24)

راجع: مجدي العفيفي. مرجع سابق، ص216.

(25)

لمزيد من التفاصيل حول أسماء تلك الشواهد وما يتضمنه كل منها من تاريخ راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان، مرجع سابق.

(26)

راجع: سعود بن سالم العنسي. مرجع سابق، ص ص 61،195.

(27)

السابق. ص67.

(28)

راجع السابق. ص195.

(*)

لمزيد من التفاصيل حول تقسيمات هذه الصناعات وتوزيعها عبر مناطق السلطنة راجع: السابق. ص ص 195-196.

(29)

لمزيد من التفاصيل عن أنواع الزي العُماني واختلافه بين مناطق السلطنة راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع معلومات عن سلطنة عُمان، مرجع سابق.

(30)

لمزيد من التفاصيل راجع: السابق.

(31)

راجع: سعود بن سالم العنسي. مرجع سابق، ص180.

(32)

لمزيد من التفاصيل راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع معلومات عن سلطنة عُمان، مرجع سابق.

(33)

راجع: ابن منظور. لسان العرب، القاهرة، دار المعارف، مادة (رقم)، ج3، (د.ت)، ص1709.

(34)

السابق. الصفحة نفسها.

(35)

لمزيد من التفاصيل عن الأخشاب المستخدمة في صناعة الطبول وأنواعها راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع مركز عُمان للموسيقى التقليدية، مرجع سابق.

ملخص البحث

موضوع هذا البحث هو : “الفضاء الروائى فى رواية «الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحى : دراسة تحليلية”.

يستند البحث إلى المنهج التأويلى , بغية الكشف عن حقيقة الخطاب الأدبى , والوقوف على جمالياته , وذلك بتناول الفضاء الروائى بأقسامه الثلاثة : الموطن الأم (عمان), البحر , أرض المفر ( أفريقيا) .

ومن بين الدوافع وراء إعداد هذا البحث أن الفضاء الروائى لم يحظ بدراسة مستقلة فى التناولات السابقة التى عرضت للرواية , رغم أنه يتجاوز دوره , بوصفه خلفية تقع عليها الأحداث , إلى الكشف عن دلالات عميقة , وردت تارة بتقنية الوصف , وأخرى بتوظيف الرمز , وثالثة بواسطة الصورة الفنية . فضلاً  عن أن قراءتنا لهذا الفضاء لا تأتى بمعزل عن بقية العناصر الأخرى للرواية , استناداً إلى أنه يعد بؤرة فنية تجتمع فيها عناصر الرواية وتتشابك , وإلى أن الفهم الصحيح له, لا يتأتى إلا بالنظر إليه فى علاقته بها .

 

Summary

The topic of this research is: the novelistic space in the novel entitled “Al Tawaf Hytho Al Gamr”: (Perambulating Around Embers) by Badryah
Al Shehi: “An Analytical Study”.

The research is based upon Hermeneutics with the purpose of revealing the meaning of literary discourse and its aethetics, by studying the novelistic space with its three locations: the native land (Sultanate of Oman), the sea and the land of escape (East Africa)

One of the motives of this research is that the novelistic space has not been focused by any previous research that has dealt with the above mentioned novel, though that space transgresses its role, as a background of events, to reveal deep implications in the text. These implications are expressed by using descriptions, symbols and rhetoric figures.

In addition, it must be considered that our study of the novelistic space is not isolated from the other elements of the novel, on the basis that the space is regarded as an artistic plot where the elements of the novel gather and join together, since the right comprehension of it can not be achieved without considering the relation between it and the rest of the novel’s elements.

تمهيــد:

الفضاء الروائى هو المسرح الروائى برمته , حيث تعد الأمكنة الروائية جزءاً منه. ويعد هذا المصطلح موضع اهتمام دارسى الرواية , الأمر الذى نتج عنه مجموعة من المصطلحات المختلفة المرتبطة به .

ولما كان المكان – باعتباره جزءاً من الفضاء الروائى – يتعدى كونه مجرد موضع فى الواقع المعيش , أو خلفية صامتة تقع عليها أحداث الرواية , فإنه عنصر غالب فيها, حامل للدلالة , يمثل محوراً أساسياً من محاور عناصر الرواية . ومن ثم يعد المكان جزءاً من خصوصية العمل الأدبى وأصالته . والبناء اللغوى فيه يجعله شيئاً مختلقاً, أى مُتخيَّلاً, إذ ليس بالضرورة أن يكون له وجود فعلى فى الواقع الخارجى . وذلك على اعتبار أنه بناء لغوى “تقيمه الكلمات انصياعاً لأغراض التخييل وحاجته , (فالمكان إذن) نتاج مجموعة من الأساليب اللغوية المختلفة والمختَلقَة” (1). ومن ثم يرى بعض االدارسين أن “عبقرية الأدب حقاً, حيزه” (2), وأن الجانب الجمالى للمكان يعد أحد معايير الحكم على جودة الرواية والقدرات الفنية للروائى .

دوافع الدراسة :

إن دراستنـا لعنصر الفضاء الروائى فى رواية “الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحي(3), تعززها مجموعة من الدوافع , فالرواية التى تعد أول رواية لقاصَّة عُمانية, ما هى إلا صدى فنى للوجود العُمانى فى المهجر الأفريقي(4); إذ تجسد حدث هروب “زهرة”, البطلة , ابنة الثلاثين عاماً , من منطقة “نزوى” بسلطنة عُمان إلى الأراضى الأفريقية عبر البحر , بحثاً عن تحقيق الذات ; بنيل الحرية والاستحواذ على السلطة , وسعياً وراء حبيبها, “سالم” ابن عمها , الذى تركها مهاجراً إلى أفريقيا ليتزوج من امراة أفريقية , تاركاً إياها , تعانى لوعة الفراق , وتكابد حياة نمطية رتيبة , يؤرقها فيها شعور مفعم بالقمع والقهر مثلها فى ذلك مثل بقية النساء فى مجتمعها . وحين بلغ القمع أشده متمثلاً فى إرغامها على الزواج ممن لا ترغب , وهو “عبد الله” ابن عمها , الذى يصغرها سناً , كان قرارها الهروب من موطنها الأم, متحملة فى رحلة الهروب هذه كل صنوف الإهانات لا سيما ما صدر منها من جنس الرجال مثل : النوخذة “سلطان” أحد الركائز الأساسية فى عملية الهروب … وتتوالى أحداث الرواية حتى وصول زهرة إلى أفريقيا , واستقرارها بها , وزواجها من البحار “صالح”, وإحساسها الدائم بالندم على اقترافها فعلة الهروب تاركة والديها يتمرغان فى وحل الفضيحة والعار , فضلاً عن فشلها الذريع فى الوصول إلى سالم , وتحقيق حلمها المنشود ; الحرية(5).

إن الفضاء الروائى , بما فيه من تقسيم ثلاثى للمكان ; الموطن الأم (عُمان) , البحر, أرض المفر (أفريقيا) – بما يندرج تحتها من مفردات مكانية – لم يحظ بدراسة مستقلة ومتأنية فى القراءات التى عرضت للرواية موضوع الدراسة.

ففى قراءة بعنوان “الطواف حيث الجمر : بدرية الشحى اللاوحدوية فى تحليل النص السردى”, انصب الاهتمام على إثبات أن النص السردى فى الرواية قائم على اللاوحدوية , حيث إن الرواية مبنية على تقاسيم الأدوار بين عناصرها الفنية , انطلاقاً من تقنية الرواية الحديثة التى ترى أن السرد الروائى لم يعد يهتم بوجود شخصية بطولية واحدة, كما لا يؤمن بواحدية الحدث أو الحبكة أو الزمان أو المكان ; فالأدوار فى النص السردى الحديث تتنوع وتتوزع بين أكثر من عنصر فني(6).

وقد اهتمت قراءة أخرى بتصنيف لغة السرد عبر صفحات الرواية من حيث تشكيلها من نسيج من المصطلحات والتعليقات التى تعبر عن العنصرية . وخلصت القراءة إلى أن الرواية سطحية هزيلة , تفتقر إلى المضمون على المستويين : السردى والفكري(7).

وفى قراة ثالثة , قدمت باحثة بولندية , عرضاً لأحداث الرواية ضمن مؤلف حوى نماذج من الكتابات العُمانية , النثرية والشعرية . وفى هذا العرض أشارت الباحثة إلى أن طبيعة أحداث رواية الطواف حيث الجمر لها علاقة بـ “الوضع الاجتماعى للمرأة , وهو وضع تقيده قوانين منبثقة من عادات وتقاليد معينة”(8), كما أشارت الباحثة إلى تناول الرواية لقضية العبودية واحتوائها على شخصيات تنتمى إلى فئات اجتماعية مختلفة تتصف بالسطحيـة ويكتنفها بعض الغموض , ومع ذلك فقد استطاعت الرواية جذب انتباه القارئ(9).

وجدير بالذكر أن الباحثة سردت فى المؤلف ذاته , أحداثاً لنماذج من القصص القصيرة لبدرية الشحى , لافتة النظر إلى أن موضوعات تلك القصص “وطيدة الصلة بتراث معين وتقاليد , وكذا بقضايا تتعلق بالمجتمع والدين والأسرة (العُمانية) “ (10).

وثمة دراسة أكاديمية تناولت تحليل الخطاب السردى فى رواية “الطواف حيث الجمر” وذلك ضمن ما تناولته من تحليل للخطاب النسوى لروايات من تأليف كاتبات منتميات إلى دول مجلس التعاون الخليجى .

والباحثة التى اهتمت بتحديد تقنيات الخطاب الروائى فى الروايات وتحليل مكوناته وفقاً للأنساق السردية , خلصت إلى أن رواية بدرية الشحى تنتمى إلى النسق التقليدى فى السرد الروائى , وأن اللغة فيها لم توظف بوصفها أداة إنتاج , بل أداة توصيل للمعلومة أو الفكر أو الرأى , كما أن الحوار فيها يقترب من العامية الدارجة . وموضوع الرواية انصب على الطبقية الاجتماعية والعنصرية الموجودة بين العرب السادة والأفارقة العبيد , وشخصيات الرواية تتسم بالبساطة وهى غير مقنعة , فضلاً  عن أن شخصية البطلة محملة بكثير من الأفكار وآراء المؤلفة أو الساردة(11).

وبناء على ما تقدم , ونظراً لما أسفر عنه تأملنا لعنصر الفضاء الروائى من أنه يمثل ركيزة أساسية ومنبعاً لمختلف دلالات النص الروائى , وينقسم إلى ثلاثة أماكن موضوعية: الموطن الأم – البحر(*) – أرض المفر , فضلاً عن أن سبل إتيان هذا الفضاء تتنوع بين الوصف واستخدام الصورة الفنية وتوظيف الرمز , مع اختلاف وظائف تلك السبل داخل سياق النص – لكل هذه الأسباب مجتمعة , آثرنا اختيار الفضاء الروائى موضوعاً للدراسة.

منهج الدراسة :

لعل أنسب منهج لدراستنا التحليلية للفضاء الروائى , بغية الكشف عن مضامينه , هو المنهج التأويلى , استناداً إلى “أن شيئاً ما داخل النص أو خارجه ينبغى أن يوضح , أن المعنى الذى يمكن إدراكه مباشرة يجب اعتباره فقط نقطة انطلاق لاستفسار سوف تكون نتيجته النهائية معنى ثانياً”(12) .

والتأويل الذى يتولد من الفجوة التى غالباً ما تكون بين معنيين , هو الذى يسمح بالتعامل مع النص بانفتاح , إذ “به نبحث عن احتمالات المعنى , وننقب فى الطبقات المفهومية للقول , ونستكشف الاتجاهات الفكرية للخطاب”(13). ذلك أن النص لا يقول الحقيقة وإنما “هو خطاب يثبت جدارته ويخلق حقيقته”(14), وبعبارة أخرى ; يفتح علاقة مع الحقيقة; فالنص “ليس بأطروحاته وبياناته , بل بما يتأسس عليه ولا يقوله , بما يضمره ويسكت عنه”(15).

وغنى عن البيان أن تحليلنا للفضاء الروائى وما يندرج تحته من أماكن تحوى مفردات مختلفة , لن يكون بمنأى عن شكله الذى قد يتمثل فى مواصفات النوع والحجم والارتفاع والانخفاض واللون وزوايا الحركة … إلخ . ذلك أن “العمل الفنى الأصيل يقوم فيه الشكل (أى طريقة البناء) بنفس الدور الذى يقوم به المضمون”(16), فضلاً  عن أن تحليلنا للفضاء الروائى لن يتم بمعزل عن بقية العناصر الأخرى ; إذ إنه بؤرة فنية تجتمع فيها شبكة من العلاقات التى تجمع بين مختلف عناصر الرواية .

الدراسة(*):

ينقسم الفضاء الروائى – كما أشرنا سابقاً – إلى ثلاثة أماكن موضوعية رئيسية تضم أماكن أخرى ثانوية .

أولاً : الموطن الأم (عُمان):

ويتمثل فى منطقة نزوى بسلطنة عُمان حيث بلدة “الجبل” مسقط رأس “زهرة”. وهذه البلدة بالنسبة لها هى أرض الواقع ومنبع القلق , وتمثل “جهنمية الأرض”, حيث انتهاء الأحلام وتكسيرها , عند “الحدود والأسوار الكئيبة”; العادات والتقاليد . وعليه فإن بلدة الجبل داخل زهرة تعنى اللاحرية واللإنطلاق وهى فى ذاكرتها “الركن القصى” لطفلة محاطة بأشباح العيب والعار , ومنبع الإحساس بالخطيئة الدائمة(17).

ولما كانت تأملات مرحلة الطفولة تعد نماذج مثالية , تفصح عن العلاقة التى تربط بين الإنسان والكون , فإن كل ما هو منفتح على الطفولة له قوة الأصالة , بما فيها من دهشة الطفل لاكتشافه الحقائق لأول مرة , وبما تنطوى عليه من أنماط سلطوية أبوية وأمومية. فزهرة تعجز فى مرحلة الشباب عن إقصاء منظر (الفلج)(*) من ذاكرتها; إذ كان قيداً على حريتها فى الوقت الذى كان فيه مرتعاً لانطلاقة إخوتها وحريتهم المطلقة. كما تعجز عن نسيان (الحقل) ; إذ كان موضع كدها الجسدى وعملها الشاق تحت وهج الشمس , وكذلك “شجرة الغاف الكبيرة” حيث كان مشهد حرمان أبيها لها من متعة الإحساس بانطلاقة الطفولأة وبراءتها حال وجودها تحت الشجرة مع أقرانها فى درس القرآن(18).

وحيث إن الذكريات عن أماكن بعينها تفيد – فيما تفيد – إحساس المرء بذاته وتأكيد هويته وترسيخ الشعور باستمراريتها(19), فإن الأماكن الفرعية السابقة تعد تأكيداً لهوية زهرة , بوصفها طفلة (عُمانية عربية شرقية) أسيرة العادات والتقاليد وضحية الموروث الذى يمعن فى غرس أحاسيس الخوف بداخلها منذ طفولتها حتى شبابها, تلك الأحاسيس التى تعكسها ذاكرة زهرة , حين تسترجع (دار فضيلة), صاحبتها , التى كانت مسرحاً لحدث تسلل إخوة زهرة ليلاً ليتناوبوا على فضيلة “كالذئاب”, فكان حملها سفاحاً ومن ثم المشهد المروع ; دفنها حية فى (سفح الجبل); وهو مشهد تسترجعه زهرة , وكأنها تراه رؤيا العين , رغم البعد المكانى والزمانى بينهما(20).

وفى ضوء ما تقدم , يتضح أن المكان , بما يحويه من أحداث , وبما يولده من مشاعر لدى زهرة , يبلور طبيعة العلاقة بينهما (زهرة والمكان) , بحيث يمكننا القول أن للمكان بعداً نفسياً يسبر أغوار النفس البشرية , ويعكس ما “يثيره المكان من انفعال سلبى أو إيجابى فى نفس الحالَّ فيه”(21) .

وإذا كانت الأماكن الموضوعية السالفة الذكر , قد أتت خلفية مباشرة لما يقع عليها من أحداث , تبرز حرية الرجل المطلقة وحقه فى إشباع رغباته , فضلاً  عن البون الشاسع بين وضع زهرة الاجتماعى , الذى تقيده العادات والتقاليد , ووضع إخوتها , بما يتسم به من حرية وانطلاق , وبما ينم عن سلطة اجتماعية تربوية , فإن المكان الموضوعى يرد بالرمز فى موضع آخر من الرواية , وبصورة فنية يمكن أن نطلق عليها الاستعارة الموسعة وذلك حين تقول زهرة حال متابعتها مطاردة النوخذة سلطان لخادمتها الأفريقية (منيرة): “كانت الصورة تشبه كثيراً لعبة القطط المشردة فى الحقول , النداء الليلى الصارخ والملاحقة الذكرية , صورة شدتنى طويلا  , كنت اتبع القطط لأرى النهاية المشوقة وسط كثيب القت”(22).

وغنى عن القول أن الكلمات تصير رموزاً فى النص الروائى حين تكون موحية , توعز بمعان كثيرة , تلك المعانى التى يمكن التوصل إليها من طبيعة الكلمة ذاتها ومن كيفية توظيفها فى إطار الصورة الفنية , فضلاً عن علاقتها ببقية عناصر الرواية , مما يؤكد أن كلمة القطط الواردة فى السياق السابق تعد رمزاً ينطوى على دلالة الرغبة والحرية , ويشير إلى ثقافة مجتمع بعينه , تمنح الرجل السلطة والحرية المطلقة . وعليه يتسنى القول أنه من خلال اللغة “يمكن الدخول إلى عالم الإنسان – عالم الأيديولوجيات وتشكيل الهوية البشرية”(23).

كما أن توظيف كلمة القطط – باعتبارها رمزاً – داخل المكان الموضوعى (الحقل) وفى إطار الصورة الفنية من خلال التشبيه التمثيلى , قد حقق التماثل الحدثى بين ما يحدث فى واقع زهرة اللحظى المعيش , من ملاحقة الرجل للمرأة , وبين المشهد الذى يقع فى الحقل وتسترجعه زهرة . وما كان لهذا التماثل الحدثى أن يتحقق لولا توظيف الرمز والصورة الفنية التى هى “نتاج لفاعلية الخيال . وفاعلية الخيال لا تعنى نقل العالم أو نسخه , وإنما تعنى إعادة التشكيل , واكتشاف العلاقات الكامنة بين الظواهر , والجمع بين العناصر المتضادة أو المتباعدة فى وحدة”(24), وكذا لولا اكتساب المكان “صفة سيميوطيقية من خلال إعطائه قيمة دلالية تميز بين الظواهر المكانية التى لا يختلف بعضها عن بعض فى الواقع”(25). فالأشياء فى الوجود الخارجى قد يكون لها وظيفة وهى الإشارة إلى حقائق واقعة , بيد أن ورودها فى النص الروائى لا بد أن ينطوى على دلالة خاصة .

مما سبق , يتضح لنا ما للأماكن الموضوعية – بما يقع فيها من أحداث – من قيمة سيكولوجية , تفصح عن الحالة الشعورية لدى زهرة , بما تنطوى عليه هذه الحالة من إحساس زهرة بالتباعد النفسى بينها وبين تلك الأماكن . ذلك التباعد الذى يتبلور فى موضع آخر من الرواية , بأسلوب الوصف وبتكنيك يتمثل فى الاختفاء التدريجى لمشهد المكان الذى ترصده عين زهرة , حين تقول : “المزارع المنتشرة على سفوح الجبال تبدو من البعيد أصغر بكثير مما يفخر به أصحابها . أما بيوت الطين بأسقفها النخيلية فقد بدت متراكبة على بعضها وبانت على سطوحها الثياب المنشورة جنباً إلى جنب مع الليمون وأعذاق الرطب الملوحة بالشمس”(26). فالوصف الذى هو أداة تصوير المكان وبيان جزئياته وأبعاده من خلال صفاته الطوبوغرافية , يعطينا صورة مرئية للمكان بكل مواصفاته الخارجية , فضلاً عن “تهدئة الحركة السردية الصاخبة , والتخفيف من حدة الأحداث القهرية , من خلال بث صور بصرية تتسم بالرومانسية … ما أن تقع عليها العين حتى تستشعر الهدوء والسكينة”(27). كما أن تكنكيك الاختفاء التدريجى للمكان , لا يعكس بعد المسافة بين زهرة والمكان فحسب , بل يعكس أيضاً التباعد النفسى بينهما , استناداً إلى أن العين الراصدة للمكان ليست خارجة عنه , بل داخلة فيه , بمعنى أن الرؤية داخلية (عين زهرة).

والمفارقة التى يطرحها النص أن الأماكن الموضوعية التى تلفظها زهرة نفسياً هى ذاتها التى تحن إليها على اختلاف مفرداتها ; إذ تجترها ذاكرتها وهى على أرض أفريقيا , بنبرة شوق مفعمة بالرومانسية , فتحن إلى قريتها “الصغيرة النائمة على كتف الجبل , ودمية الطين المعجونة بماء الورد , وصيحات الديك … وملاحقة الصبية فى السنوات الأولى … والفجر الأبيض الندى , وأمان حضن الجبل”, حيث دارها “الصغيرة … وصداقة البقرات السمان فى الحظيرة”, وكذا “صويحبات الطفولة الحلوة”, ورائحة بلدها الجميل “بعطر الكيذا والنارنج”, و”الغدران” حيث “أمسيات السمر” . كما تتوق إلى الفلج الذى كان “روضة ورد جبلى لا تعرف الشوك”(28).

ومما لا شك فيه أن عملية الاسترجاع للمكان , تعد حالة تعبيرية وجدانية , تؤكد الإحساس بالانتماء له , والإخلاص للشيء المألوف . كما أن تأملات زهرة لطفولتها فى تلك الأماكن , تعيدها إلى جمال الصور الأولى , وتمكنها من معايشة حلم يقظة جديد .

وإذا كان حلم الإنسان بالبيت الذى ولد فيه – فى لحظات الاسترخاء القصوى- يعد , مـن وجهة نظر “باشلار” , نوعاً من الانخراط فى الدفء الأصلى وفى الفردوس المادى(29), فإنه يتسنى لنا القول بأن أحلام زهرة إزاء مسقط رأسها (بلدة الجبل), بما يضمه من أماكن مختلفة , تفضى إلى الدلالة ذاتها إذا ما اعتبرنا – مجازاً – أن بلدة الجبل تعد نوعاً من البيت الكبير .

ومن بين وظائف المكان فى النص الروائى أنه يعد قطعة شعورية وحسية من الشخصية ذاتها , الأمر الذى يتحقق فى الرواية من خلال مفردات بعينها (الظل – الحمام – الذبابة)(30), تكشف عما ينتاب زهرة من ثورة وغضب داخلى يتصاعد تدريجياً حتى استقرارها نفسياً على اتخاذ قرار الهروب . فزهرة حين تضيق ذرعاً بحياتها النمطية الرتيبة, حيث لا جديد , تصف مكان الخبز (الفرن/ المخبز) وهى تجلس قبالته , قائلة “رسمت النار ظلا  كبيراً لجسدى المتكوم بقربها , كان الظل يهتز ويغمق , يتحرك ويسكن , ظل يركبه الغضب”. فالمكان بما فيه من مفردات النار التى تنطوى رمزيتها على دلالات الارتقاء والسمو والتحول من حال إلى حال , فضلاً  عن التطهير , وكذا بما فيه من ظل , بحركته المتذبذبة ولونه المتصاعد نحو الدكنة , وتضخيمه لحجم جسد زهرة , يقوم بدور العاكس Reflector لأحاسيس زهرة الداخلية , المتأججة غضباً والراغبة فى الخلاص, وهى رغبة مشوبة فى الوقت ذاته بالتردد فى اتخاذ قرار الهروب , الأمر الذى يؤكده توظيف رمزية الظل , بما فيه من تضخيم لجسد زهرة . ذلك أن الظل يعد مرحلة وسيطة بين عالم الواقع وعالم الحلم ; فواقع زهرة مفعم بأسباب الإحباط , بينما حلمها فى الخلاص والحرية ذاخر بالآمال التى يستحيل تحقيقها . مما يفسر لنا أن عملية تضخم صورة جسد زهرة عبر الظل , ما هى إلا تعبير عن طموح التحقق الفعلى , وإن ظل هذا التحقق قيد الوهم لأنه من صنع الظل .

إن المكان يشهد تزامناً حدثياً . فزهرة تُخْبَر من قبل أمها بقرار زواجها من عبد الله, ابن عمها , ومن ثم تعرب عن شعورها بالضيق قائلةً  “صوتى مخنوق وجسدى يرتعش بحمى , تخضه , تضنيه ذهاباً وإياباً”. وفى اللحظة ذاتها التى تعجز فيها زهرة عن تحقيق الخلاص والحرية , وهو ما أومأ إليه النص بالحركة الارتدادية للجسد (ذهاباً وإياباً), يأتى توظيف الحمام فى المكان , بوصفه رمزاً للسلام الروحى والحرية والانطلاق ليصبح معادلاً موضوعياً لرغبة زهرة الملحة فى الحرية , إذ تقول : “كان الحمام قد حُرر من قفص أم قيس, وانطلق مسابقاً فى الفضاء”.

وإذا كان الحمام فى السياق السابق , قد دل بانطلاقه على انسيابية الحركة وسهولة الاختراق , فإن سياقاً مكانياً آخر فى الرواية , يظهر عكس هذه الدلالات ; من خلال توظيف الذبابة بوصفها إحدى مفردات المكان , ليبرز العبور الشاق فيه , ويومئ إلى مدى التوحد بينها وبين الشخصية . فزهرة داخل حجرتها بالنُزُل , وفى اللحظة التى تسبق مباشرة عقدها العزم على الهروب المسبوق بمناجاة نفسية – متكررة فى عدة مواضع من الرواية – منطوية على لومها ذاتها من جراء انتهاجها أسلوب حياة يتسم بالبلاهة والحماقة, ومن ثم كان احتقارها ذاتها , نظراً لأن قرار الهروب من حياتها الرتيبة النمطية , جاء متأخراً (فى سن الثلاثين) وبعد معاناة – فى تلك اللحظة التى تشهد غلق باب الحجرة على زهرة , نتابع الذبابة بحركتها فى المكان من خلال عين زهرة ; إذ تصفها قائلة: “كانت الذبابة تصطدم بالجدار باحثة عن مخرج , وما أن يصيبها اليأس حتى تعاودنى غاضبة , حمقاء هى الأخرى , كانت الكوة المطلة على الممر مفتوحة وقريبة, ولكنها تتخبط على وجهى ببلاهة … تتحسس كل شيء سوى منفذها القريب” وأخيراً “عبرت (الذبابة) الكوة للخارج”.

وهكذا يتبين لنا أن المكان بمفرداته المختلفة , يبلور لوحة غاية فى التركيب ربما تبدو بسيطة للوهلة الأولى , بيد أن تواجدها فى السياق الروائى يحوِّلها إلى رموز ذات كثافة دلالية , يصبح معها “كل شيء موظفاً , وحتى ما يبدو هامشياً يؤدى وظيفته فى إطار هامشيته”(31). وهذه الرموز “تعيد تشكيل أدبية الرواية , وتجسد الرؤية وتؤسس جماليات جديدة”.(32)

وجدير بالذكر أن اختيار مكان ميلاد زهرة بمسمى بعينه (بلدة الجبل) ينطوى على الإسقاط الدلالى . ذلك أن الجبل فى رمزيته , لا سيما صعود قمته , يدل على الطموح والتخلص من الرغبات الأرضية , كما ينم عن العبور من المحدود إلى الكلى والمطلق(33). بينما يؤكد لنا السرد انتفاء هذه الدلالات من بلدة الجبل , ومن ثم عجز زهرة عن تحقيق ذاتها , فكان فرارها إلى أفريقيا .

ثانياً : البحر :

مما لا ريب فيه أن اللغة الروائية ليست عرضاً أدبياً أو أداة تعبيرية عن فكرة أو موضوع ما أو وسيلة لتوصيل رسالة , بل إنها لغة محملة دوماً بمغزى ; تقصد معاني  معينة وتنتج انطباعاً جمالياً جذاباً . من ثم سنعرض فيما يلى لما ورد على لسان زهرة من أبرز صفات البحر وبعض متعلقاته والعالم المحيط به , بغية الاستدلال على ما لهذه الصفات من دلالات وخصوصية داخل السياق النصى .

فزهرة تصف البحر دوماً بأنه (اللامحدود , الممتد , ذو المساحات الشاسعة , الواسع)(34). وإذا ما تأملنا كلمة البحر بوصفها إشارة إلى مكان بعينه خالٍ  من الحواجز والعوائق , وجدنا أن مواصفاته فى النص الروائى تؤكد التحرر , باعتباره “المعنى الأعلى لكل وجود إنسانى”(35). كما أن عالم البحر “ذو أنغام ساحرة”, فمياهه “زرقاء”, ذات “دفء جميل” وإن كانت فى الوقت ذاته “باردة خضراء” . وأمواجه “ناعمة” وذات “قمم بيضاء فوارة”, لها رغوة “شفافة”. ورماله “ذهبية” و “باردة”. أما هواؤه فرطب بارد , نسيمه “عليل”. وطيوره “جميلة” و”بيضاء” وفضاؤه “رحب”. وفى محيطه “تتألق النجوم ليلا”. أما شمسه فمكسوة – عند المغرب – “بلون صفار البيض الفاقع”(36).

وغنى عن البيان أن ما أوردناه من صفات البحر وبعض متعلقاته ومحيطه الخارجي, ينبغى ألا يعد استقراءً كاملاً لمواصفات المكان , فهو مجرد نماذج لصفات تتكرر فى النص الروائى بغرض الاستدلال على أن المكان (البحر) يشكل لوحات بصرية مكانية من خلال الوصف عبر السياق.(37)

وهذه اللوحات بكل ما فيها من زوايا وصف مباشر أو مجازى – عبر كلمات تبلور المكان بمتعلقاته المختلفة , من حيث الشكل والحركة واللون والنوع والحجم – تنسجم وحالة زهرة المزاجية , مما يؤكد أن ثمة علاقة تأثير وتأثر بين المكان والشخصية . فالمكان يؤثر فى تشكيل بنية الشخصية , كما أنه لا يتشكل إلا من خلال وجود الشخصية فيه وقيامها بأحداث معينة فى نطاقه .

وإذا كان المكان فى علاقته بالشخصية , قد يعمق لديها الإحساس بالانتماء أو يولد لديها الإحساس بالغربة , اعتماداً على درجة امتلاك الشخصية للمكان وجدانياً , فإنه يمكن القول أن “هناك أماكن مرفوضة وأماكن مرغوب فيها , فكما أن البيئة تلفظ الإنسان أو تحتويه , فإن الإنسان – طبقاً لحاجاته – ينتعش فى بعض الأماكن ويذبل فى بعضها”(38). الأمر الذى يؤكده حال زهرة – التى تتوق إلى الحرية – وهى على ظهر المركب فى طريقها إلى أفريقيا , إذ تنتعش نفسياً , قائلةً  : “آه , ما أحلى الحرية التى تسرى فى عروقى الآن … أحس بجوفى الضبابى يروق ويتضح أمام هذا السحر الأزرق”.(39)

وإذا كان ما تصبو إليه زهرة هو الحرية , فإن المكان يلعب دوراً أساسياً فى التعبير عن الإحساس التصاعدى بها , حيث الإحساس بأبسط أنواعها ; الحرية الجسدية, والشعور بانطلاقة الحركة دون أدنى اصطدام بعائق أو حاجز مادى , إذ تقول: “كنت مع طيور البحر , أرفرف طليقة , لا يحدنى شيء”, كما تتخيل ذاتها طائراً يطير بلا توقف أو تعب , يحلق فى السماء , دون أن يمسكه شيء , يرى الكون بأسره تحته . وتشعر أيضاً أنها راحلة إلى بعيد , “حيث لا لغو ولا يد” تغتال حقاً من حقوقها(40).

وغنى عن القول أن الدلالة المستوحاة من المكان ليس من الضرورى أن تنبثق منه بأكمله ; إذ قد تنبثق من أحد عناصره أو متعلقاته , استناداً إلى السياق الروائى (المكاني) ومدى تفاعل عناصر الرواية داخله . فعين زهرة الراصدة للمكان والواصفة للمشهد البانورامى , تعطى رؤية شبه كلية له , كما تعبر عن إحدى حالاتها اللاشعورية وعن شعورها فى لحظة اختلاطه بالزمان والمكان , وذلك حين تتابع الطير قائلة : “النسيم عليل بارد , ونفسى تتوق لتطير فى الفضاء الرحب , طير جميل لا يحده سور أو حدود, طير ينطلق فى الأرجاء يطلق صوته الشجى معلناُ فرحته بالنسيم . البر ابتلعته الأنواء , والبحر يتآزر والسماء ليمثل دنيا طائرة , لا تصطدم بالواقع”.(41)

فالسياق يؤكد أن المكان قطعة شعورية من زهرة , إذ يتضح منه التوحد التام بين زهرة والطير , فضلاً عن أن طيران الأخير وانطلاقه , يعرب عن رغبة زهرة – الكامنة فى اللاشعور – نحو الارتقاء والتسامى والتخلص من القيود الأرضية . كما أن حركة الطيران فى حد ذاتها , وبصفة خاصة فى اتجاهها من أسفل إلى أعلى, يمكن أن تعرب – مجازاً – عن رغبـة زهرة فى العودة إلى المنبع أو المصدر, استناداً إلى مفهوم الخلاص Salvation. ذلك أن الفضاء الخارجى يعد مصدر الوجود أو الوعى وكل الأشياء, لا سيما مملكة السماء, التى هى رمز للاعتلاء والصعود الروحى والقوة والخلود , حيث تعد فى كثير من المعتقدات الشعبية مقراً للآلهة(42). فضلاً عن توافر بعض عناصر الطبيعة فى السياق ; هواء (النسيم) , ماء (البحر) , مما يؤكد الرغبة فى التطهير الروحى . ذلك التطهير الذى يعد درجة أخرى من درجات الحرية والخلاص , الأمر الذى يتجلى فى النص الروائى , حين يعرب عن الإحساس بأولى درجات التطهير الجسدى متبوعاً بالتطهر النفسى , كما يتبين من قول زهرة : “ما أن يلامس الماء المالح بدفئه الجميل جسدى حتى انتعش وأنسى فزعى”. الأمر الذى يتحقق أيضاً من خلال نسيم البحر البارد , إذ تشعر معه بالانتشاء . أمـا الشمس بالنسبـة لزهرة فهى مصدر تطهير لجسدها من الأمراض والجراثيم(43). والشعور بالتطهر يتواصل لدى زهرة , ومن ثم تشعر أن البحر مكمن خلاصها , فتتمنى أن تلقى كل السلاسل فى مياهه الزرقاء . ليس هذا فحسب , بل إنها تتقيأ فيه , واصفة ذلك بقولها: “أخرجت ما بجوفى من بقايا الأرض”, فتشعر بالارتياح . ولا غرابة إذن أنه رغم ما يحشده البحر فى نفس زهرة من أحاسيس الفزع والترقب , فإنها لا تخشاه وتشعر بالألفة مع كائناته الغريبة وترى أن أمواجه لا تعرف شيئاً غير الحب , ولذلك تشعر بدفء الحوار معها وشفافيتها وهى تتخيل أنها تخبرها حكايات عن الأعماق , ومن ثم فإن محيط البحر برمته يخلق من زهرة – بعد الشعور بالتحرر الجسدى والروحى – كائناً آخر ; “أميرة”, على حد قولها(44).

وانطلاقاً من أن المكان يعد خزاناً حقيقياً للحالة الشعورية والذهنية للشخصية ويساهم فى التحولات الداخلية التى تطرأ عليها , فإن أحاسيس الخوف من الماضى تعاود زهرة , على هيئة أشباح مخيفة داخل المكان المغلق (القمرة) كما يتملكها الشعور بالذنب والخطيئة والندم على فعلة الهروب , داخل (غرفتها) بالمركب(45).

إن البحر , برمزيته فى كثير من الثقافات , يمثل النموذج الأصلى Archetype  والعودة إلى ينابيع السعادة الأولى , لا سيما برغبة الهبوط فيه , ولا يتأتى ذلك إلا بمقدار تجاوز الإنسان لظرفه التاريخى عبر إطلاقه العنان لخياله , بما يمكنه من الوجود داخل النماذج الأولى , التى فيها يحقق ذاته , بوصفه كائناً يمتلك الوجود التام , والكلى الشامل . ومن ثم , فإن زهرة التى تعانى نقصاً فى حياتها , تلقى ببرقعها فى مياه البحر , بسرعة رهيبة(46). وهى بفعلتها هذه , تلقى – رمزياً – بنفسها فى البحر . ذلك أن البرقع فى السياق المكانى يتجاوز الإشارة المباشرة لشيء بعينه إلى رمز كثيف الدلالة , بحيث يصبح هو زهرة ذاتها , التى تعد معادلاً موضوعياً لبقية الشخصيات النسائية فى الرواية , تأسيساً على أن تكرار الكلمة وطبيعة توظيفها فى النص , يحولها إلى رمز . وبالرجوع إلى المواضع التى وظفت فيها كلمة “البرقع”(47), وبالارتفاع فوق مستوى الدلالة المباشرة للنص, نخلص إلى أن البرقع رمز للموروث البغيض الذى يمعن فى قهر المرأة , وينم عن الشعور بالاختناق والقيد الجسدى , ويؤكد مكوث النساء وانطلاقة الرجال , فضلاً عن المحرم (التابو) بدءاً بالمظهر الخارجى (الملبس) وانتهاءً بالمفاهيم (العيب والعار) . ذلك المحرم المفروض قسراً , ولا يجوز اختراقه حتى ولو بسؤال عن مبرراته . كما يمثل البرقع الحاجز الزائف بين النساء والرجال. ومما يبرهن على زيفه أنه يُخترق , عبر النظرات ; إذ من المفترض أن الحياء ينبع من داخل الإنسان . واقتران البرقع بعالم النساء , يعنى سجن الموروث , بينما انتفاؤه من عالم الرجال يشير إلى التحرر والانطلاق .

وتأكيداً على أن البحر بالنسبـة لزهرة , يعد مكان الخلاص , فإنها تقول : “وددت … لو أغرق فى العمق الأخير”(48), و “أتمنى لو أرمى عمرى كله فى البحر”(49). فالرغبة فى الغرق تعد بمثابة البحث عن سر الحياة , ورمزاً للعبور من حالة إلى حالة . ذلك العبور الذى لا يتأتى إلا بالموت غرقاً وهو موت يعد نوعاً من الشوق إلى السلام الخالد. وهو شوق أشبه ما يكون بالشوق المتصل للعودة إلى الدفء والأمان, وهى حالة شبيهة – مجازاً – برحم الأم(50). ومن ثم فإن رغبة زهرة فى الموت غرقاً إنما هى رغبة فى العودة إلى اللاعضوية واللاتميز , من منطلق أن المياه التى تود زهرة الغرق فيها هى مياه البحر الذى هو فى الأساس النموذج الأصلى للأنثى التى ترتبط بفكرة الرحم الخالقة , كما أن الغرق فى المياه , فى حد ذاته , يحوى دلالات الرغبة فى ميلاد جديد والوجود فى واقع أفضل ومغاير لواقع زهرة المعيش الأليم , ومنفصل عنه , مما يفسر توسل زهرة للبحر بقولها : “ابتلعْنى يا بحر , خذنى للقاع”(51), ذلك أن “المياه ترمز إلى الكون بأسره , لما هو واقعى . فالمياه هى المنبع الأصلى , وهى مستودع كل مقومات الوجود . إنها تسبق كل شيء وتدعم كل خلق , وهذا هو السبب فى أن رمزية المياه تشمل الموت والبعث” (52) .

ولما كان عالم زهرة يعج بشتى ألوان النقص , فمن الطبيعى أن يخلو من النماذج المرجوة . وعليه , فإن سالم حبيب زهرة , البطل الغائب الحاضر , الذى تبحث عنه وتصفه “بأخلاقه العالية وحنانه وتفهمه الكبير”(53) , لا بد أن ينتمى إلى عالم الكمال (البحر), لا إلى عالم النقص (الواقع) , ومن ثم يبحر دون عودة(54), الأمر الذى يؤكد أن “الإبحار خروج من تقوقع الذات , وتجاوز للوجود والسعى نحو مطلق المعرفة”(55), وهو ما تتمناه زهرة حين تقول : “كل ما بغيت أن أصبح جديدة , فريدة تماماً , عالمى حر, ووطنى أخضر … أن تحملنى موجة بيضاء إلى أرض تتجاهل أنوثتى وتعاملنى بنقاء وحب , تتجاهل عرقى ولونى وأصلى وجنسى”(56).

وجدير بالذكر أنه إذا كان من بين وظائف المكان فى النص الروائى , التعريف بطبائع قاطنيه وسلوكياتهم , فإن الرواية تحقق ذلك من خلال وصف زهرة للبيئة البحرية , إذ يبرز هذا الوصف – فيما يبرز – تسامر البحارة وحكاياتهم وصبرهم على ظهر المركب وكذا ركضهم وتعاركهم على الرمال , كما يصور حركة التجارة فى المرافئ ومعاملات التجار وصفقاتهم , على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم . كذلك يرسم الوصف صورة للشباب وهم يلعبون ويتهامسون على الشاطئ وقد اكتسوا بأزهى الحلل(57). الأمر الذى يؤكد لنا قدرة الروائى فى استثمار عناصر المكان المحسوسة لتشكيل مكان متخيل , وهو حين يفعل ذلك , إنما “يُدخل العالم الخارجى بتفاصيله الصغيرة , فى عالم الرواية التخييلى , ويُشعر القارئ أنه يعيش فى عالم الواقع لا عالم الخيال , ويخلق انطباعاً بالحقيقة أو تأثيراً مباشراً بالواقع”(58).

ثالثاً : أرض المفر ( أفريقيا)

إن بلدة الجبل بالنسبة لزهرة هى الإحساس بالاغتراب الذاتى والقيود المادية والمعنوية, حيث انتفاء الحرية منذ الطفولة , ذلك أن الحرية التى هى فى الأصل قيمة جمالية لا قبح , تعد , فى الموطن الأم , عيباً وعاراً , لا سيما بالنسبة لبنات السادة (الشيوخ), رغم أن السيادة تعنى القوة والسلطة اللتين من المفترض أن تقترن الحرية بهما.

أما فى أرض المفر (أفريقيا) , فالموقف مغاير تماماً . فالطفلة الأفريقية الفقيرة المعدمة, تمارس طفولتها بحرية , حيث تركض وتتعارك فى التراب ضاحكة مع أقرانها, بلا خوف ولا رقيب , كما ترصد عين زهرة . تلك العين التى ترصد أيضاً الفرق بين زهرة الفتاة الشابة أسيرة البرقع , وبين نساء أفريقيا بسيقانهن العارية تحت الثياب القصيرة. والعين ذاتها هى التى تصف الأنثى الأفريقية بأنها “جوهر أنوثة”, بما لها من حق الانفتاح على عالم الرجال وتبادل الغزل معهم . ولا يعد الغزل فى أفريقيا عيباً ولا عاراً, إذ إنه شيء مألوف ومعتاد , لا يستحق الاهتمام ؛كمن يشترى الخبز من المخبز , أو كمن يستحم فى بركة. وفى أرض أفريقيا , يكون للمرأة مطلق الحرية فى الخروج للعمل, الأمر الذى يؤكده خروج زوجة سالم الأفريقية فى صبيحة اليوم التالى لوفاته , لممارسة عملها فى الحقل , وكأنه يوم عادي(59) ؛ فهى “امرأة من طراز آخر”.

ومن ثم فإن أرض أفريقيا بالنسبة لزهرة هى المجهول والسر الذى يكتنف “سارقة الأحلام”; المرأة الأفريقية التى تماثل “المستحيل” فهى “أسطورة” وهى “الأميرة” المخبأة فى دغل أفريقي(60). فأفريقيا هى مثار جدل داخلى لدى زهرة ,يدفعها بإلحاح إلى كشف الغموض , ومعرفة السر وراء حب سالم لهذه المرأة , فرغم أنها “الأفريقية السوداء”, “ذات الأنف الأفطس”, فإنه يركض خلفها , مؤثراً إياها , حتى وإن جلبت له الموت .

والأرض ذاتها هى منبع الوطنية الحقيقية , حيث ثورة العبيد من أجل هدف سامِ  هو الحرية(61). كما أنها بالنسبة لزهرة -بعد استحواذها على المال والأرض والعبيد – تعد مملكتها “الجميلة” التى تذوق فيها “طعم السيادة الهانئ” وتشعر أنها “ملكة” لا تمس بأى حال من الأحوال , حيث تحكم بصولجانها الخاص . وهذه الأرض بالنسبة لها أيضاً هى مكمن الإحساس بالسيادة المطلقة والإمارة الحقيقية , لا سيما حال وجودها بين العبيد وسـط المزارع الجميلة الممتدة . كما أنها مصدر الشعور بالأنا المتضخمة والإعجاب بالذات(62).

وهكذا يتأكد لنا أن المكان مثار جذب وموضع للشعور بالانتماء . وليس أدل على ذلك من تحولات زهرة الداخلية . فرغم الحواجز والعوائق داخل الغرفة المغلقة , فإن زهرة تشعر بالأمان والطمأنينة فى أرض أفريقيا ولأول مرة فى حياتها , حيث تتلاشى بداخلها أحاسيس الخوف والقلق , ليحل محلها الإحساس بالاحتواء والرومانسية(63), وذلك حين زواجها من البحار “صالح”.

مما تقدم يتضح أن النسق المكانى , يتشكل بدلالات متنوعة من خلال ما يقع عليه من أحداث وما تقوم به الشخصيات من أفعال , الأمر الذى يؤكد العلاقة التلازمية بين المكان والحدث . تلك العلاقة التى من شأنها توجيه المسار الذى يتخذه السرد فى الرواية, فضلاً عن تنظيم الأحداث درامياً داخل المكان .

وجدير بالذكر أن المكان (أفريقيا) يتبلور – فى مواضع أخرى من الرواية – عبر الوصف الذى يعد أداة فعالة ترصد تحركات زهرة وتنقلاتها عبر الأماكن المختلفة – ميناء مقديشيو , جزيرة بمبا , ميناء ممباسا وغيرها – وتنقل صوراً بصرية أمينة لتلك الأماكن , نابعة من مرجعيتها فى الواقع , وتؤكد الوضع النفسى لزهرة فى تلك الأماكن, وذلك من خلال إبراز زوايا بعينها تتمثل فى الحركة واللون والمنظور . تلك الزوايا التى تمثل منعطفات مشعة فى النص .

ففى أولى خطواتها داخل إحدى غابات أفريقيا (فى منطقة ماليندي), تصف زهرة المكان بما فيه من حركة لها دلالتها , قائلة : “جذوع أشجار النارجيل الشاهقة , سيقانها حكاية ليلية محمومة , فما من ساق تشبه الأخرى , جميعها أصابتها حمى الموج , فانحنت , تراقصت وتمايلت على بعضها بعض , ثمارها فى الظلام الخفيف تبدو كعيون سوداء متوجسة حذرة . وهناك رائحة جميلة تنتشر فى الفضاء … الأوراق اليابسة تتكسر بعنف أسفل قدمى , أخاف .. الهوام والحيات والجن , وارتعدت … مضيت صامتة , عَلِّى أرى نهاية تلك الغابة الشبحية المخيفة , واتضحت النهاية بعد قليل , قرية صغيرة , ببيوت القش والطين , جميعها تشتعل فى مساحاتها نيران الطبخ, فتنير المكان بأسره …”(64).

فالغابة بمفرداتها , تعكس ما فيها من جمال مرئى , وكذا ما بداخل زهرة من أحاسيس الظلام والوحشة وتعقيدات حياتها التى تأصلت عبر الموروث , بكل ما فيها من اضطرابات نفسية يؤكدها توظيف عنصر الظلام فى المكان واختراقها له , بحيث يتسنى لنا القول أن اختراق زهرة للمكان , بحركة أحادية المسار , يعد معادلاً  موضوعياً لمتاهة نفسية ممتدة بداخلها , تحاول الخلاص منها . ذلك أن كلمة الغابة تقترن فى أثرها النفسى بمعانى الضياع والوحشة , وأن اختراق الغابة والخروج منها يمثل الوصول إلى بر الأمان , إلى النور والحياة(65) . الأمر الذي يؤكده السياق النصى ; إذ يبرز ما رأته زهرة فى الطرف الآخر للغابة , من حياة كاملة بكل ما فيها من ضجيج صوت , وانتشار نور, وحركة أطفال وسط حياة لأناس بسطاء(66), مما له وقعه فى نفس زهرة , حيث يتولد لديها الإحساس بالأمان بعد الخوف.

وفى موضع آخر من الرواية , يأتى توظيف الألوان بوصفها صفة تعبيرية للمكان , وباعتبارها مرآة تعكس التأثير المتبادل بين المكان وزهرة . وهو ما يتأكد من توظيف ألوان بعينها , توحى بما يعتمل داخل زهرة من أحاسيس السرور والانفتاح على العالم , بحيث يبدو المكان وكأنه توأم روحى لزهرة , إذ تقول واصفة جزيرة بمبا “ما أجملها هذه الجزيرة, … فوق رؤوس التلال يطل سحاب ملون كثيف كصوف خرفان الجبل , والجزر الصغيرة فى الصباح حمراء قانية , تمتزج حمرتها العذبة امتزاجاً غريباً مع خضرة الطحلب الكسول الداكنة , تروق لى هذه الجزيرة الهادئة الملساء”(67). فالشعور بالانفتاح وما يجلبه من سرور, يتأتى من امتزاج الألوان فى السياق المكانى ; فاللون الأبيض المستوحى من تشبيه السحاب بصوف الخراف , يعطى دلالات الصفاء والنقاء والطهر . والأحمر الذى يعد من الألوان الحارة , يفيد – فيما يفيد – الإحساس بالإثارة داخل المكان , كما يعبر عن شدة التناغم معه والإحساس بالحب تجاهه . فى حين أن اللون الأخضر , بما فيه من إيحاءات الخصب والخير والأمل والحياة , يؤكد الشعور بالطمأنينة والسلام النفسى . ومفاد ذلك أن توظيف الألوان فى السياق المكانى , يتعدى دوره , باعتباره أداة وصف لمفردات المكان , إلى الكشف عن الحالة السيكولوجية لزهرة. تلك الحالة , بكل ما فيها من انفتاحية , تتكرر – من زاوية وصفية أخرى – فى موضع آخر , متمثلة فى المنظور , أى الزاوية التى تتخذها الشخصية فى مباشرتها المكان, فزهرة تصف بيتها بجزيرة بمبا , قائلة  : “البيت بحد ذاته جميل, ولكنه ضيق بعض الشيء , به أربع غرف مؤثثة ومطبخ …, الغبار بدوره كان يسكن الكراسى والطاولات والردهات , كان المكان بحاجة لموجة كشط , أعجبتنى الغرفة التى تطل على بستان القرنفل , ومخازن الحصاد , كانت بها نافذة كبيرة من الخشب المقضبن, والمنظر كان آسراً وجميلاً …, ارتادنى وقتها شعور بالنشوة وأنا انظر للمكان بعين الهدوء والطمأنينة”(68). فالمكان (البيت), بما فيه من مفردات ذات تفاصيل دقيقة , لا يوحى بحركة زهرة التنقلية بداخله فحسب , بل بمركزيتها وهيمنتها فيه والاحتواء المتبادل بينهما . ذلك الاحتواء الذى يمتد إلى العالم الخارجى كما يستوحى من انفتاح النافذة وإطلالة زهرة منها على هذا العالم .

وإذا كان خروج البطل فى رحلته يعد مغامرة من أجل اكتشاف الذات وتحققها بالبحث عن معنى للحياة , فلنا أن نتساءل : هل حقاً اكتشفت زهرة ذاتها وحققتها عبر مغامرة هروبها إلى أفريقيا ? وهل أوجدت معنى لحياتها بامتلاك السلطة والمال والعبيد? وهل تحررت من كل القيود؟

إن زهرة التى تسعى نحو التفرد وإثبات الذات من خلال مغامرة هروبها إلى أفريقيا, وتحلم بأن تكون قصتها مع سالم “حكاية” أو “أسطورة” وترغب فى بطولة خيالية, هى ذاتها التى تدرك الفرق بين الخيال والواقع ; إذ تقر بأن الأحلام “تتبخر تدريجياً” بمرور الوقت , لتترك “واقعاً مسدوداً” , فلا وجود إذن لملك يفتح لها أبواب السعادة , ومن ثم فلا بطولة لها , وحين موتها لن يعد هروبها عملاً بطولياً , بل سينظر إليها على أنها “سافلة” أو “شيطانة”, وسيكون مآل صرحها إلى الهدم وحكايتها إلى التحريف(69). ومفاد ذلك أن زهرة لم تحقق ذاتها . ذلك أنه – كما تقر هى – “مع القوة والعظمة , لابد من سوسة تنخر البنيان الكامل , تزعزعه تماماً”(70).

وبتأمل الأسباب وراء عدم تحقيق زهرة لذاتها , يتسنى لنا القول أن هذه الذات هى المعول الرئيسى فى هدمها . وآية ذلك أن زهرة – حتى بعد استقرارها فى أفريقيا ونيلها حريتها واستحواذها على مقومات السلطة (المال , الأرض , العبيد) – تقع أسيرة هذه الذات بكل موروثها , ومن ثم استحالة الانسلاخ عنها , والانفصال عن مجتمعها , كما يتبدى من ندمها المتكرر على فعلة الهروب , وعجزها عن التخلص من عقدة الذنب والخطيئة . ولم يقف الأمر عن هذا الحد , بل إنها تجلب معها موروثها , بما ينطوى عليه من تعقيدات فكرية وتناقضات , هى فى الحقيقة موضع استهجانها وإدانتها; إذ تعترف بقولها : “ما أنا سوى مدعية , مدعية أخرى وسط هذه الأفواه الصارخة بالشعارات الكاذبة”(71), وبذا تفتقد الصدق مع ذاتها ومع الآخر . فزهرة التى تبحث عن الكرامة والحرية , ومن ثم تهرب بعد إحساسها بأن آدميتها تهدر وكرامتها تسلب , بإكراهها على الزواج ممن لا تحب (عبد الله), هى ذاتها التى تهدر آدميتها وتمتهن كرامتها, طوعاً لا كرهاً , حين تعرض نفسها – بأرض أفريقيا – علي خادمها (ربيع) كيما يتزوجها , لا لشيء سوى أنها فقدت المال والجاه , إثر ثورة الزنوج هناك(72).

فالمفارقة التى يطرحها النص هى غموض الهدف وراء هذه المغامرة , حيث تعترف زهرة “أنا لم أعد أعرف ماذا أريد فعلاً”  , وتتساءل “ماذا كان هدفى الحقيقى خلف هذه المغامرة الرعناء ?”(73). ومن ثم نتساءل : هل حقاً كان الهدف من هروب زهرة البحث عن سالم , فتى أحلامها , الذى كانت تتمنى العيش معه آمنة “فى ظل موروث جديد” , وترغب أن تصنع “من كل هذا حلماً بدون نهايات?”(74) وهل فشلها فى تحقيق ذلك , يجعلها دوماً تفتقد الأمان , فتضرع إلى ربها قائلة : “خذنى للدار التى أحس بها بالأمان والكرامة والفضيلة”(75) ؟.

إن الفضاء الروائى بأقسامه الثلاثة , يجيب عن التساؤلات السابقة , معللاً  إخفاق زهرة فى تحقيق ذاتها . فزهرة التى تتوق إلى الكمال والميلاد الجديد الذى يستحيل تحقيقه واقعياً – حيث لا يولد المرء مرتين – وإن أمكن تحقيقه مجازاً أو رمزاً, تطلق العنان لأحلام اليقظة عن مرحلة طفولتها فى موطنها الأم , بما يمنحها الإحساس بالعودة إلى الحميمية والدفء تارة . وتنطلق روحها فى الفضاء عبر رمزية الطير , بحثاً عن الاحتواء , تارة أخرى. وتتمنى الموت غرقاً فى عمق البحر طلباً للخلود , تارة ثالثة . الأمر الذى يتضح معه أن زهرة الراغبة فى الميلاد الجديد ومن ثم الخلود والأمان والقوة, تنشد كل ذلك خارج ذاتها , رغم أنها حقاً الملكة التى – بوصفها امرأة – تمتلك الرحم الخالقة , المانحة لكل ذلك. وليس أدل على ذلك من أن سالماً الذى انفصل عنها , عاد إليها ثانية – مجازاً – بالموت فى أحضان امرأة أخرى , كما يتجلى فى الحدث الروائي(76). ومما يؤكد بحث زهرة عن ذاتها خارج نطاق هذه الذات أن عنوان الرواية “الطواف حيث الجمر” يوحى بدلالات التيه ودوران المرء حول ذاته , على اعتبار أن الجمر مماثل رمزي لزهرة , انطلاقاً من رمزيته (النار) التى تنطوى على دلالتى البداية والنهاية (البعث).

مما تقدم نخلص إلى أن الذات “هى مصدر قوة الإنسان , وفى الوقت نفسه مصدر ضعفه وعجزه , وفيها يكمن سر قوته , وفيها يكمن قدره “(77).

وإذا كانت الرواية – كما أسلفنا – تعد صدى فنيَّاً للوجود العُمانى فى المهجر الأفريقى (شرق أفريقيا) فإنها , وبالارتفاع فوق مستوى الدلالات المباشرة للأحداث, تطرح سؤالاً له مغزاه وهو : ماذا عن حقيقة ذلك الوجود ? هل كان فتحاً أم غزواً؟

يأتى المكان (أرض أفريقيا), بما يقع عليه من أحداث روائية , ليجيب عن التساؤل السابق , فسالم المهاجر إلى أفريقيا , لم يكن سوى وهم أو سراب ; إذ لم تعثر زهرة له ولا لزوجته ولا لنسله على أثر(78). كما أن زهرة – رمز الاستمرارية لشعبها- تتخلص من نسلها, بإجهاض نفسها.

الخاتمة :

وبعد تناول الفضاء الروائى فى رواية “الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحى, بدراسة تحليلية تستند إلى المنهج التأويلى بغية الكشف عن حقيقة الخطاب الأدبى والوقوف على جمالياته , تم التوصل إلى مجموعة من النتائج , لعل أهمها ما يلى :

  • إن الفضاء الروائى ينقسم إلى ثلاثة أماكن موضوعية تتمثل فى الموطن الأم (عُمان), البحر , أرض المفر (أفريقيا). وقد وردت هذه الأماكن بالوصف تارة وبتوظيف الرمز تارة أخرى , ومن خلال الصورة الفنية تارة ثالثة . ويلزم التنويه إلى أن هذا الفضاء بأقسامه الثلاثة , لم يحظ بدراسة مستقلة فى التناولات السابقة التى عرضت للرواية .
  • إن الموطن الأم (عُمان) بالنسبة لزهرة , يمثل منبعاً لكل القيود على الحرية والانطلاق . وعليه فإن ما يندرج تحته من أماكن فرعية : الفلج , شجرة الغاف , الحقل …,  تسترجعها زهرة فى شبابها , يرتبط بذكريات تؤكد آلامها النفسية والجسدية , مما يعطى المكان بعداً نفسياً , ليصبح عنصراً طارداً لذاتيتها . والمفارقة التى يطرحها النص أن هذا الموطن يتحول إلى عامل جذب , يؤكد هوية زهرة واستمراريتها من خلال أحلام اليقظة إزاءه , بما تنطوى عليه من الحنين إلى الدفء والحميمية . والبعد النفسى للمكان يبرز أيضاً عبر استخدام تقنية الاختفاء التدريجى له, فضلاً  عن توظيف المفردات المكانية (الظل – الحمام – الذبابة); إذ تتحول إلى رموز ذات كثافة دلالية تعبر عما بداخل زهرة من رغبة فى الخلاص من حياتها النمطية الرتيبة, وتصاعد هذه الرغبة حتى تصل بها إلى اتخاذ قرار الهروب .
  • إن البحر بمتعلقاته ومفرداته , يوصف بزوايا الشكل واللون والحركة والنوع والحجم , بحيث يبدو فى لوحات تنسجم مع حالة زهرة النفسية , بكل ما فيها من شعور بالانطلاق والحرية , الأمر الذى يؤكد علاقة التأثير والتأثر بين المكان والشخصية, ويبرز امتلاك الأخيرة له وجدانياً ومن ثم الإحساس بالانتماء إليه . كما يلعب برمزيته , فضلاً  عن متعلقات محيطه , دوراً فعالاً فى التعبير عما يعتمل بداخل زهرة من أحاسيس الخلاص والحرية , بدءاً بالإحساس بالتطهير الجسدي, وانتهاءً بالخلاص الروحى الذى يتم التعبير عنه بالرغبة فى تجاوز المكان والزمان عبر توظيف رموز الطير والنسيم والشمس والبحر . كما يساهم المكان فى التأكيد على أنه خزان حقيقى لكل تحولات زهرة الداخلية , كالتحول من الإحساس بالحرية إلى الإحساس بالاختناق داخل الأماكن المغلقة . والإحساس بالاختناق يتأكد فى النص بتوظيف البرقع , بوصفه رمزاً يوحى بدلالات القيد الجسدى والمعنوى . كذلك يعرِّف المكان (البحر ومحيطه) بطبائع قاطنية وسلوكياتهم .
  • إن سمات أرض المفر (أفريقيا) تتشكل من خلال الأحداث وأفعال الشخصيات التى تبرز أن هذه الأرض منبع الحرية , غير المشروطة , سواء للأطفال أو النساء , وأنها مبعث الوطنية الحقيقية , بما يندلع فيها من ثورة العبيد ضد العرب. وهذه الأرض لغز يجذب زهرة دائماً نحو كشف غموضه ومعرفة السر فى انجذاب حبيبها سالم نحو هذه الأرض . وهى أيضاً مصدر الإحساس بالسلطة والسيادة والأنا المتضخمة لدى زهرة . وقد تم توظيف وصف المكان بما فيه من غابات وجزر وبيوت , وبالتركيز على زوايا الحركة واللون والمنظور , بغرض تبيان أن المكان مرآة صادقة , تعكس اضطرابات زهرة وعقدها النفسية , فضلا  عما يجيش بداخلها من أحاسيس الفرح والسرور والانفتاح على العالم .
  • إن الفضاء الروائى بأقسامه الثلاثة , يعلل إخفاق زهرة فى تحقيق ذاتها , بخروجها عن نطاق هذه الذات , بحثاً عن الأمان والدفء والميلاد الجديد , رغم أنها – بوصفها امرأة – أصل كل ذلك ومنبعه .
  • وأخيراً , فإن الرواية برمتها تطرح سؤالاً يتعلق بطبيعة الوجود العُمانى فى شرق أفريقيا : هل كان فتحاً أم غزواً ? وهو سؤال له مغزاه , ويجيب عنه المكان (أرض أفريقيا) بما يقع عليه من أحداث تنطوى على دلالات.

الهوامش:

(1) مصصطفى الضبع. استراتيجية المكان، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، أكتوبر 1998م، ص151.

(2) عبد الله مرتاض. في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر 1998م، ص160.

(3) بدرية بنت إبراهيم الشحي، قاصة، عُمانية الجنسية، من مواليد مدينة مسقط بتاريخ 1/4/1971م، حاصلة على درجة الدكتوراه في الهندسة الكيميائية من جامعة (لوفبرا) بالمملكة المتحدة عام 2001م، وتعمل حالياً مهندسة تصميمات كيميائية في شركة (تنمية نفط عُمان)، وهي زوجة وأم لثلاثة أطفال، وقد نشر لها أكثر من ثلاثين قصة قصيرة (غير مضمنة في مجموعة قصصية) من تموز/ يوليو 1986م، في جريدتي  الوطن وعُمان بسلطنة عُمان (راجع في ذلك: يوسف الشاروني. في الأدب العُماني الحديث، لندن، رياض الريس للكتب والنشر، (د. ت)، ص45). إلا أنه يلزم التنويه إلى أننا لم نعثر على أية إشارة مرجعية بخصوص تلك القصص، نظراً لأن القاصة لم تحتفظ بنماذج منها، وإن كنا قد عثرنا في مرجع أجنبي على ثلاثة نماذج منها وهي: “عرسها”، “البركان”، “هاتف الإنذار”. لمزيد من التفاصيل في هذا الصدد، راجع:

- Barbara Michalak – Pikulska. Modern poetry and Porse of Oman (1970- 2000), Ekokruk,Krakow,Poland. The Engima Press (S.A). PP. 410- 416.

(4) لاحظ أن ذلك المهجر قد بدأ بالفتح العُماني لمنطقة شرق أفريقيا (زنجبار – بمبا – مقديشيو – بروندي – كينيا …) وهو فتح بدأ بتأسيس دولة (البوسعيد) في عُمان وشرق أفريقيا في الحقبة التاريخية التي امتدت من سنة 1741م حتى نهاية حكم هذه الدولة بزنجبار سنة 1964م، ذلك الفتح الذي أدى إلى ظهور بعض العلوم المتعلقة بالبحار واكتشافات جغرافية رائدة، وأسطول بحري، فضلاً عن رحلات تجارية بالمنطقة، قامت على علاقات الصداقة وحسن الجوار، وتبادل المنافع، لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع، راجع كلاً من:

- جمال زكريا قاسم. دولة البوسعيد في عُمان وشرق أفريقيا منذ تأسيسها وحتى نهاية حكمها في زنجبار وبداية عهدها الجديد في عُمان (1741- 1970م)، الإمارات العربية المتحدة، مركز زايد للتراث والتاريخ، 1420هـ- 2000م، ص ص9- 10، ومواضع أخرى متفرقة.

- عبادة كحيلة، عن العرب والبحر، ط1، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1401هـ- 1989م، ص ص39، 55، 67، 72، 76، 83، ومواضع أخرى.

- حسين فوزي، حديث السندباد القديم، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1977م، ص ص2-3 (المقدمة).

(5) راجع: بدرية الشحى، الطواف حيث الجمر، ط1، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999م، ص ص 7-280.

(6) راجع: شريفة اليحيائي: الطواف حيث الجمر، بدرية الشحى: اللاوحداوية في تحليل النص السردي، نزوي “مجلة فصلية ثقافية”، مسقط، مؤسسة عُمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان، ع22، أبريل 2000م – محرم 1421هـ، ص ص247- 251.

(7) راجع: غالية فهو تيمور آل سعيد. قراءة في الطواف حيث الجمر، نزوي…، مرجع سابق، ع24 (عدد خاص)، أكتوبر 2000م – رجب 1421هـ، ص ص237- 247.

(8) Barbara Michalak, op, cit, p. 417.

(9) See: Ibid, loc. Cit.

(10) Ibid, p. 410.

(11) راجع: رفيعة بنت سلمان بن سلوم الطالعي، تقنيات الخطاب في الرواية النسوية العربية في الخليج: “1971- 2001 م ” دراسة تحليلية، رسالة ماجستير، قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، مسقط، سلطنة عُمان، فبراير 2003م، ص ص90، 91، 93، 94، 108، 113-116.

(*) لاحظ أنه سيتم تناول البحر والعالم المحيط به، باعتباره مكاناً مستقلاً، وبغض النظر عن موقعه في سلطنة عُمان أو في أفريقيا، لما في ذلك من فائدة في إبراز الدلالات التي ترمي إليها هذه الدراسة.

(12)Tzvetan Todorov. Symbolism and Interpretation. Translated by Catherine Porter,CornellUniversityPress,Ithaca,New York(S.A) P. 98.

(13) على حرب. النص الحقيقة: نقد النص (1)، ط1، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1993م، ص93.

(14) السابق. ص13.

(15) السابق. ص ص 15-16.

(16) عز الدين إسماعيل. التفسير النفسي للأدب، ط4، القاهرة، مكتبة  غريب، (د. ت)، ص163.

(*) نظراً لعدم اتساع المجال لذكر كل الاقتباسات المتعلقة بالفضاء الروائي في الرواية، فقد رأينا أن نكتفي بذكر استشهاد أو اثنين على الأكثر في المتن، مع الإشارة إلى مواضع الاستشهادات الأخرى في الهامش عند الاقتضاء.

(17) راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، وتحديداً ص ص 106، 109، 38، 37، 15- 16.

(*) الفلج هو مجرى مائي تنساب فيه مياه الأمطار، ويستخدم في رى الأراضي الزراعية في القرى العمانية.

(18) راجع: السابق. وتحديداً ص ص 24، 127- 128، 45- 46.

(19) راجع: شاكر عبد الحميد، الحلم والرمز والأسطورة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص 303.

(20) راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق وتحديداً ص ص 195، 162-163.

(21) مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص109.

(22) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص250.

(23) عبد الله عسكر. الصدام الأيدلوجي وهوية الذات: دراسة في التحليل النفسي لمضمون رواية “قلب الليل” لنجيب محفوظ، ط1، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية ، 1994م، ص35.

(24) جابر عصفـور. الصـورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، القاهرة، دار المعارف، 1973م، ص340.

(25) سيزا قاسم. القارئ والنص من السيميوطيقا إلى الهيرمينوطيقا، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مج 23، ع ع3-4، يناير- يونيو 1995م، ص255.

(26) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص24.

(27) مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص119.

(28) حول تلك الاقتباسات، راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، وتحديداً الصفحات التالية: 278، 61، 208، 127.

(29) راجع: غاستون باشلار. جماليات المكان؛ ترجمة غالب هلسا، ط3، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1407هـ- 1987م، ص38.

(30) راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، ص ص 9، 18، 19، 31 على الترتيب.

(31) بدري عثمان. بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ، ط1، بيروت، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1986م، ص175.

(32) أمينـة رشيد. تشظى الزمن في الرواية الحديثة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص148.

(33) راجع: شاكر عبد الحميد. مرجع سابق، ص100.

(34) عن تلك الأوصاف، راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، على سبيل المثال لا الحصر وتحديداً ص ص174، 142، 143، 88، 206، 90.

(35) عبد الرحمن بدوي. الزمان الوجودي، ط2، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1955م، ص39.

(36) حول تلك الصفات، راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، على سبيل المثال لا الحصر وتحديداً ص ص 125، 140، 151، 143، 113، 150، 152، 90، 114، 109، 106، 124.

(37) لاحظ أن اللوحات المكانية الجميلة بصدد البحر ومتعلقاته ومحيطه ترد في عدة مواضع من الرواية. راجع على سبيل المثال لا الحصر: ص ص 150- 151، 152، 157، 206- 207.

(38) يوري لوتمان. مشكلة المكان الفني؛ ترجمة سيزا قاسم دراز، “ألف” مجلة البلاغة المقارنة، القاهرة، الجامعة الأمريكية، ع6، ربيع 1986م، ص83.

(39) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص113. ولاحظ أن شعور زهرة بالانتعاش والحرية حال وجودها بالبحر، يتكرر. راجع ص ص 106، 108، 109، 114، 140، 174.

(40) راجع: السابق. وتحديداً ص ص 174، 114، 106.

(41) السابق. ص114.

(42) راجع: جان صدقة. رموز وطقوس: دراسات في الميثولوجيات القديمة، لندن، رياض الريس للكتب والنشر (د.ت)، ص51.

(43) راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، وتحديداً ص ص 125، 115، 90، 91، 206.

(44) راجع: السابق، وتحديداً ص ص 140، 108-109، 88، 142-143، 113.

(45) راجع: السابق. ص ص 124، 146- 147.

(46) راجع: السابق. ص114.

(47) راجع: السابق. ص ص 31، 42، 48، 68، 69، 73، 91، 105، 114، 115، 116، 117.

(48) السابق. ص147.

(49) السابق. ص124.

(50) راجع: إرنست فيشر، ضرورة الفن؛ ترجمة أسعد حليم، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص84.

(51) بدرية الشحى، مصدر سابق، ص199.

(52) Micea Eliade. Images and Symbols: Studies in Religious Symbolism; Translated by Philip Mairet, Princeton, New Jersey, Princeton University Press, 1991, P. 151.

(53) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص199.

(54) راجع: السابق. ص90.

(55) صلاح الدين بوجاه. في الواقعية الروائية “الشيء بين الجوهر والعرض”، ط1، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993م، ص57.

(56) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص140.

(57) راجع: السابق وتحديداً ص ص 125، 157، 150، 151- 152.

(58) سيزا قاسم. بناء الرواية: “دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ”، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م، ص82.

(59) راجع: بدرية الشحى، مصدر سابق، وتحديداً ص ص 154، 210، 122، 249.

(60) راجع: السابق، وتحديداً ص ص 8، 116، 125، 168.

(61) راجع: السابق وتحديداً ص ص 239- 240، 266-268، 271.

(62) راجع: السابق، وتحديداً ص ص 265، 238، 218، 191، 167، 232.

(63) راجع: السابق، ص186.

(64) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص153.

(65) راجع: عز الدين إسماعيل. مرجع سابق، ص ص 91- 92.

(66) راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، ص ص 153- 154.

(67) السابق. ص ص 206- 207.

(68) السابق. ص ص 213- 214.

(69) راجع: السابق، وتحديداً ص ص 189، 188، 61، 279، 183.

(70) السابق. ص 248. وحول المضمون نفسه، راجع ص183.

(71) السابق: ص105.

(72) راجع: السابق. ص ص 265-266.

(73) السابق. ص 248.

(74) السابق. وتحديداً ص ص 45، 218.

(75) السابق. ص86.

(76) راجع: السابق. ص11.

(77) تسعديت آيت حمودى، أثر الرمزية الغربية فى مسرح توفيق الحكيم ، ط1، بيروت، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع ، 1986م، ص156.

(78) راجع: بدرية الشحى، مصدر سابق، ص ص 188-189.

 

ثبت المصادر والمراجع :

أولاً: المصادر:

 

(1) الشحى، بدرية بنت إبراهيم. الطواف حيث الجمر ، ط1، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1999م.

 

ثانياً: المراجع العربية الحديثة:

 

(1)   إسماعيل ، عز الدين. التفسير النفسى للأدب، ط4 ، القاهرة ، مكتبة غريب، (د.ت).

(2)   الشارونى ، يوسف. فى الأدب العُمانى الحديث ، لندن ، رياض الريس للكتب والنشر، (د.ت).

(3)   الضبع، مصطفى. استراتيجية المكان، القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة، أكتوبر 1998م.

(4)   بدوى ، عبد الرحمن. الزمان الوجودى ، ط2 ، القاهرة ، مكتبة النهضة المصرية، 1955م.

(5)   بوجاء، صلاح الدين. فى الواقعية الروائية: (الشئ بين الجوهر والعرض) ، ط1 ، بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1993م.

(6)   حرب، على. النص الحقيقة: نقد النص (1)، ط1 بيروت ، المركز الثقافى العربى ، 1993م.

(7)   حمودى ، تسعديت آيت.أثر الرمزية الغربية فى مسرح توفيق الحكيم ، ط1، بيروت ، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع ، 1986م.

(8)   رشيد، أمينة. تشظى الزمن فى الرواية الحديثة ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م.

(9)   صدقة ، جان. رموز وطقوس: دراسات فى الميثولوجيات القديمة ، لندن، رياض الريس للكتب والنشر ، (د.ت).

(10)  عبد الحميد ، شاكر. الحلم والرمز والأسطورة ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م.

(11)  عثمان ، بدوى . بناء الشخصية الرئيسية فى روايات نجيب محفوظ ، ط1 بيروت ، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع ، 1986م.

(12) عسكر ، عبد الله. الصدام الايدولوجى وهوية الذات: دراسة فى التحليل النفسى لمضمون رواية «قلب الليل» لنجيب محفوظ ، ط1 ، القاهرة ، مكتبة الأنجلو المصرية ، 1994م.

(13)  عصفور ، جابر. الصورة الفنية فى التراث النقدى والبلاغى ، القاهرة، دار المعارف، 1973م.

(14)  فوزى ، حسين. حديث السندباد القديم، بيروت، دار الكتاب اللبنانى، 1977م .

(15) قاسم ، جمال زكريا. دولة البوسعيد فى عُمان وشرق أفريقيا منذ تأسيسها وحتى نهاية حكمها فى زنجبار وبداية عهدها الجديد فى عُمان (1741 – 1970م). الإمارات العربية المتحدة ، مركز زايد للتراث والتاريخ، 1420هـ-2000م.

(16)  قاسم ، سيزا. بناء الرواية : «دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ» ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1984م.

(17)  كحلية ، عبادة. عن العرب والبحر، ط1، القاهرة ، مكتبة مدبولى ، 1401هـ -1989م.

(18)  مرتاض ، عبد الملك. فى نظرية الراوية: بحث فى تقنيات السرد ، الكويت ، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر 1998م.

 

ثالثا: المراجع المترجمة:

 

(1)     باشلار ، غاستون. جماليات المكان ؛ ترجمة غالب هلسا ، ط3 ، بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1407هـ- 1987م.

(2)     فيشـر ، إرنست. ضرورة الفن ؛ ترجمة أسعد حليم ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م.

(3)     لوتمان، يورى. مشكلة المكان الفنى؛ ترجمة سيزا قاسم دراز «ألف» مجلة البلاغة المقارنة ، القاهرة ، الجامعة الأمريكية ، ع6 ، ربيع 1986م.

 

رابعاً: المراجع الأجنبية:

 

(1)    Elidae, Mircea. Images and Symbols: Studies in Religious Symnbolism; Translated by Philip Mairet,Princeton, New Jersy.PrincetonUniversityPress, 1991.

(2)    Michalak- Pikulska, Barbara, Modern Poretry And Prose ofOman(1970 -2000),Ekodruk Krakow,Poland. The Enigma Press, (S.A).

(3)    Todorov, Tzvetan. Symbolism and Interpretation. Translated by Catherine Porter,CornellUniversityPress,Ithaca,New York(S.A).

 

خامساً: الدوريات:

 

(1)  آل سعيد، غالية فهر تيمور. قراءة فى الطواف حيث الجمر ، نزوى «مجلة فصلية ثفاقية» مسقط ، مؤسسة عُمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان، ع24 (عدد خاص) ، أكتوبر 2000 م-رجب 1421هـ.

(2)  اليحيائى ، شريفة. الطواف حيث الجمر، بدرية الشحى : اللاوحداوية فى تحليل النص السردى، نزوى «مجلة فصلية ثقافية» مسقط ، مؤسسة عُمان للصحافة والأنباء والنشروالإعلان، ع22 ، أبريل 2000 م- محرم 1421هـ.

(3)  قاسم ، سيزا. القارئ والنص من السيميوطيقا إلى الهيرمينوطيقا ، مجلة عالم الفكر، الكويت ، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، مج23، ع ع 3-4 ، يناير – يونيو 1995م.

 

سادساً: الرسائل الجامعية:

 

(1)     الطالعى، رفيعة بنت سلمان بن سلوم. تقنيات الخطاب فى الرواية النسوية العربية فى الخليج: «1971-2001م» دراسة تحليلية، رسالة ماجستير، قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الأداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، مسقط، سلطنة عُمان، فبراير 2003م.

الكل مستعد، متأهب، منتظر لمقابلة المُتَقَدِم، المقابلة في هذه المرة يقيناً تحصيل حاصل، إجراء روتيني إداري تتطلبه الأنظمة بالجامعة، ومن ثم الكليات والأقسام، فمَنْ يرغب الالتحاق ببرنامج الدراسات العُليا عليه إجراء مقابلة شخصية مع أساتذة التخصص.. إنها مقابلة للحكم على شخصية المُتَقَدِم من حيث جديته الثقافية، حقيقة رغبته في الدراسة، مستوى ردود فعله، ذكائه، سلامة لغته محادثة وقراءة.. إلخ، فطبيعي ألا تتعمق الأسئلة المطروحة لتمس أعقد تراكيب النحو والبلاغة والأدب.

بيد أن الموقف يختلف تماماً في هذه المرة، إذ أنه هشام الطالب لدينا منذ أربع سنوات، الكل يعرفه درَّسه إنه ابن لنا تعاملنا معه فكرياً وثقافياً وأدبياً، إنه طالبنا الذكي الدؤوب المجتهد الخلوق، الذي يرضخ لنصائح وتوجيهات أساتذته دون نقاش أو جدل، الواعي أن كل ما يُملى عليه يكون لمصلحته وفي صفه، وعليه مطلوب منك يا هشام مزيداً من الاجتهاد.. حاضر يا دكتور، اضطلع على هذه الكتب يا هشام.. نعم يا دكتور، وصلني بحثك يا هشام ، لكنني أرى أنه ينقصه بعض المراجع لذا عُد إلى المكتبة واقرأ كذا وكذا… سمعاً وطاعاً يا دكتورة.

إن متعة الأستاذ الأكاديمي في طالبه لا يدركها سوى مثيله الأكاديمي وهذه المتعة أكثر ما ينعشها، أن يطرح الأستاذ مجهوده ويجني ثمرته مباشرة، سواء أكان ذلك عبر ورقة إجابة، أم بحث الطالب، أم نقاش بينهما.. إلخ، وفي كل مرة تكبر آمال الدكتور في طالبه المميز. أنهى هشام مرحلة الليسانس تخرج ليكون أول دفعته، معدله التراكمي يؤهله كي يُعيّن بالقسم معيداً أو مدرساً (كما تروق التسمية للبعض)، والمنطق يستدعي ويحتم أن يُعيّن هشام في مكانه الطبيعي، فالكل يرى، وهم شهود عيان أنه لا يصلح لأي عمل آخر سوى أن يكون أكاديمياً.

أقدار الإدارة تشح على هشام بالدرجة، لا تعيين إذ لا درجة. القسم لا يستسلم، الأساتذة يتدخلون يزكونه برسالة جماعية رغم أنه لا يحتاج إلى تزكية، وهل يحتاج الإنسان إلى تأشيرة دخول للاستقرار في أرضه أو داره !! فكيف يحتاج هشام إلى ذلك؟! وهو الابن البار للقسم ولديه مختلف التأشيرات (الدرجات) التي تؤهله للمكوث فيه.. باتت كل المحاولات بالفشل أمام أقدار المالية وجدارية عبارة (نعتذر لعدم توافر الدرجة).

خرج هشام من الجامعة والكلية لُفظ نُزع من أحضان القسم عُنوة، ليستقر به الحال موظفاً في هيئة حكومية ذات شأن وقدر، لكنها بعيدة كل البعد عن المجال الأكاديمي.. المُخلية بإمكانها في يُسر استقراء مشهد تعيين هشام.. فكيف لا يكون لها ذلك وهو طالبي؛ ابني الذي أعرفه جيداً كما أعرف خطوط كفي.. هشام قدم للحصول على الوظيفة ومعه العشرات، ربما المئات.. ولأنه محاور جيد، يعرف كيف يرتب أفكاره ويختار ردوده يسعفه في ذلك قراءته وإطلاعه، فهو مقنع في فكره في منطقه حتى في كتاباته؛ إذ ما طُلب منه الكتابة في موضوع ما ليس هذا فحسب، بل به ميزة أعدُها رأس كل ذلك هشام حين يجهل الشيء يقول: لا أعرف بلا خجل أو عقد. ومن ثم تفوّق هشام على زملائه واجتاز المقابلة دون حاجة لأية جرعة من الفيتامينات.

اختفى هشام عن أعيننا أربع سنوات، ربما كان غاضباً، ربما كان مصدوماً، ربما كان يائساً، ربما كان مشغولاً، أياً كان العذر، فإنني أمنحه حق كل ذلك، بل وحق مقاطعته للقسم لو كان حقاً قاطع أساتذته، منطق لا أميل إليه، لكنني أأخذ به أحياناً من منطلق (إن كبر ابنك خاوية) أي اجعله أخاً لك.

وبعد مرور أربع سنوات، يعود إلينا هشام نقرأ اسمه ضمن قوائم المتقدمين للالتحاق ببرنامج الدراسات العُليا، فرحنا جميعاً فالذاكرة لا زالت تختزن لحظة التعاطف معه حين رُفض للتعيين. ولأنه ابننا نعرفه جيداً، فلا مانع أن نرجأ اسمه إلى نهاية القائمة، يقيناً لن يشكونا لن يتذمر لهذا التأخير، لن يتهمنا بأننا عطلناه عن مشاغله، بل كل ما في الأمر نريد أن ننهي كل المقابلات لنترك له كل الوقت، فالكل مشتاق للحوار معه لمناقشته والكل متيقن من نتيجة المقابلة، لن تكون مقابلة بل (دردشة، سوالف) أدبية ثقافية علمية، من النوع العميق، وعليه لن تكون الأسئلة ذاتها، بل ستختلف كماً ونوعاً، ولأنه هشام فلابد أن نضيق الخناق عليه لا تعقيداً له بل حباً فيه.

جلس هشام بيننا، الصدمة كانت أكبر من تُحتمل عقلاً وعاطفةً الطالب (مع الاعتذار له لأنه أصبح موظفاً) أصيب بزاهيمر كامل محت كل علوم التخصص من عقله ووسط الاندهاش بالموقف، والرفض التام له داخلياً، يسأل زميلي رافضاً التصديق أأنت فلان بن فلان…؟ وكأنه يُريد أن يقول لنا قد يكون تشابهاً في الأسماء، ربما ولكن تشابهاً في الملامح أيضاً!! قرأت كل تعابير الذهول والصدمة والألم والأسى في وجوه زملائي، وأنا، كنت في حالة يعجز قلمي عن التعبير عنها إذا اختلطت بداخلي مشاعر تمقت الموقف برمته.

حالة من الصمت والذهول والغضب سادتنا، ولربما كانوا جميعاً رجالاً، والرجال أكفأ من النساء في مثل هذه المواقف نحو قمع المشاعر والغضب، لذا كان صوتي وحيداً يخترق السكون عالياً غاضباً: أنت صدمتنا يا هشام.. لم أكمل الجملة وكان صدى التأييد بقوة من قبل الجميع.. أنتم جميعاً أساتذتي، لكني لست متأهباً اليوم لهذه المقابلة، لقد قطعت المفازة للإتيان لإجراء المقابلة..، لكنني منذ تخرجي وأنا منقطع عن المجال تماماً، مسؤوليات عملي الحالي لا تسمح بذلك القدر من الإطلاع والقراءة.. قاطعته بحدة: بذلك القدر !! أي قدر هذا الذي تتحدث عنه؟! أنت لم تقرأ البتة فلا تقول: قدراً.

ولأنه هشام الذي نعرفه فهو حين يخطأ يعترف بخطئه.. فبصوت خافض متقطع وبألم شديد تخرج كلماته قائلاً: إن استطعت أن أسرد قائمة من الحجج للآخرين لن أستطيع أن أفعل ذلك مع أساتذتي أعترف أنني قصرتُ في حق نفسي. يلمح أحدنا أن لا خاتماً بيد هشام اليسرى ولا اليمنى فيعلق: أراك لم ترتبط بعد، (مثل هذه التعليقات والملاحظات لا تطرح في المقابلات مع الآخرين، لكنه كما قلت: أنه هشاماً الطالب والابن الذي كان، فعلاقة الأستاذية تفرض حقوقاً ضمنية يمكن أن تمارس).

إذن الحمد لله لم تنشغل بعد بمسؤوليات عائلية، يجيب هشام مطأطئاً رأسه بالإيجاب، فأقول له مستدركة أطراف الحوار: وأرجو أن لا يكون هناك ارتباطاً حتى تسترجع ذاتك، تستعد للمقابلة في العام القادم. وإذا ما ارتبطت سنقف جميعاً على أعلى سارية جبل بالعوابي وبصوت واحد نصيح: زواج هشام من فلانه باطل.. حتى يتأهب ليلتحق ببرنامج الدراسات العُليا.

ترك هشام المكتب لمحت في نظراته كتلة ممزوجة من الحزن والأسى والندم والرثاء.. قفل الباب ورائه لم أسمع الاصطدام لكنني سمعت صمت كلماته وهي تخترق الباب والجدار سائلة: لماذا لفظتموني ألم أكن ابنكم البار المطيع؟؟

واليوم والساعة واللحظة فلنجتمع جميعاً تحت مظلة العدل لنتقاضى لنتساءل لنواجه أنفسنا، أفراداً وهيئة وجامعة مَنْ منا الذي قتل هشاماً؟ نعم أنه قُتل بدل المرة ألف مرة، مَنْ الذي طعنه الطعنة الأولى؟ هل هو هشام ذاته؟ ربما، لأنه استسلم لقدرية الوظيفة الجديدة ومن ثم انساق لمتطلباتها فانفصل عن العِلم، كيف فعل ذلك؟ هل كان محبطاً؟ يجوز، هل كان ثائراً؟ ربما، هل كان ينقصه النضج والوعي الكافيين لاستنباط ضرورة تكييف الإنسان لذاته تمشياً مع الأوضاع؟ وعليه ألا يفقدها أو يُغيرها أكيد كل ذلك كان طعنة أولى ، لكن قبلها طعنة أخرى تمهيدية أيقظت هشام من حلم دام طوال سنوات الدراسة ليفزع بكابوس الواقع؛ انتفاء الدرجة المالية.

لا زالت الطعنات تتوالى: زُج هشام في وظيفة (قد تكون ذات أهمية)، لكنها لا علاقة لها بتركيبته وميوله النفسية، فكانت الطعنة الثانية.. أُثقل بمسؤوليات مختلفة منفصلة تماماً عن الحقل الأكاديمي فكانت الثالثة، ثم الرابعة والخامسة على مدار الساعة واليوم.

واليوم أتساءل، بل أناشد الجهات المعنية أن تتساءل معي إلى متى سنضع أوائل أولادنا تحت بند رحمة الدرجة المالية؟ أنا لا أطلب أن تكون الحياة مخملية ولا أن تتحول إلى جنة بساتين وورود بضربة عصى، ولكن كل ما أطلبه توفير درجة واحدة فقط لكل قسم تمكّن تعيين أول الدفعة شريطة أن يتوافر فيه كل مؤهلات التعيين الأخرى من معدل تراكمي وطبيعة شخصية وحضور وقراءات وثقافة عامة وأنشطة.. إلخ، وبصرف النظر عن نوع جنسه ذكراً كان أم أنثى.

أما أنت يا هشام فمن المؤكد أنك لم تنس صرامة أُستاذتك صياحها غضبها يقيناً شعاري لا زال راسخاً بذهنك (الإنسان هو المسؤول الأول عن جرمه)، فإن التمستُ لك العذر لدى الآخرين، لن أفعل ذلك معك البتة. فكما عاهدتني وزملائك وزميلاتك القلب الذي يمزح أحياناً ويلين أخرى ويدلل وقتاً هو نفسه الذي يحوي أعلى درجات القسوة مصلحة لكم. لذا تذكر ما علمتموه لكم، استرجع كلماتي وأنا اشرح لكم علاقة الأدب بالمجتمع، بل علاقة الفنون به، ردد كلماتي وأنا أحلل لكم تمثال الحصاد لـ (بارلخ) الألماني وتمثال الخماسين لـ (مختار) المصري. أتتذكر الفروق بين طبيعة الانحيناءات في التمثالين أتتذكر كلماتي حين تحليلي لفن المقال من مادة الأدب المعاصر؟

وعليه مهما كانت الظروف قاسية والعواطف عاتية واجهها كما الفلاح والفلاحة في التمثالين، قم (كما النخيل رافع رأسه في السماء) لا تقع لا تنكسر فالأمل لا زال كائناً و(الأغاني لسه ممكنة). من المؤكد أن محاضرات مادة الأدب والمجتمع وتحليلي لمشاهد من فيلم (المصير) لشاهين، ولأبيات (المتنبي) ولكلمات (الخليلي) لا زالت عالقة بالذهن، تذكر توجيهاتي نحو أسس الجمال في الفن استرجع كيفية استنباطها حينئذ فقط ستعرف أن الحياة مسرحية إنسانية، يشهدها: الملائكة والشياطين.

وإلى أن تتأهب وتسترجع ذاتك، فنحن أساتذتك في انتظارك في نفس التوقيت العام القادم، وسنسقط عنوة من الذاكـرة مشهد الأمس، حتى تحيي لنا الصورة نفسها: هشام الذي كان.

       منتجع بر الجصة السياحي بفنادقه الثلاثة (الحصن) ستة نجوم، (البندر) خمسة نجوم ديلوكس، (الواحة) خمسة نجوم. حلم الأمس أصبح واقعاً يعلو بك فوق برازخ ومناطق سرابية حيث التداخل التام بين اليقظة والحلم، من ثم عجز التمييز بين الخيال والحقيقة.

        إنني لستُ بصدد عالم خرافي، أو رؤيا من رؤى الليل، بل واقعاً عايشته عصر يوم الثلاثاء الموافق 28/ فبراير/ 2006م ولولا حقيقة الموقف لأجزمت أن ما تمثل أمام الجمع المضيف، لم يكن سوى أسطورة تتجاوز تفاصيل المكان وفواصل الزمان.

        إن منتجع بر الجصة تحاكى طبيعته المعمارية الملامح التاريخية لحضارتنا العُمانية، بكل ما فيها من خصوصية هوية تشكلها مفردات المكان: الطبيعة الخلابة، الآفاق الزرقاء، السُحب البيضاء، تحليق النورس، حيث صعود الروح إلى عالم ما فوق الطبيعة، ورغبتها في الاسترخاء الأبدي داخل قاع البحر.. بر الجصة ليس منتجعاً سياحياً فحسب، بل حالة ميلادية كفيلة لغسل النفس من شوائب الألم وتخليصها من ثقل الهموم.

        كم كان الشعور فوق جبل فندق الحصن مذيباً لركام الثلج بداخلي.. تداعيات الذات تنتابني في تلك اللحظات .. منذ شهور وقلمي حبيس الكتابة النقدية أصمته المصطلحات واللغة التخصصية. تُرى عجز عن التعبير في المجالات الأخرى؟ أم تجرد عنه الحس والشعور؟

لحظة فريدة من نوعها تلك التي ينعى فيها الإنسان قلمه ويشتاق إليه في الوقت نفسه !! صوت بجواري يعبر مونولوجي بلطف.. منذ فترة ولا أقرأ لك مقالات في الصحف، تعجبني كتاباتك لأنني اشعر أنك تكتبينها بمشاعرك.

        الموقف غريب برمته مَنْ يجمعني بها مربع الوقوف، تشاركني ذاتية حواري !! ألهذا الحد تلتقي النفوس وتتلاحم العقول بدون صدى كلمات!! نعم أني لست محترفة كتابة فأحاسيسي هي المحرك لكلماتي، صمت بيني وبين محدثتي لم يدم طويلاً، فما لبثت ذاتي تغوص في عالمها الحالم حتى استدرجت بجملة أخرى لم أسمع منها سوى لفظتها الأخيرة (المكان)، الكلمة دفعت بي خارج نطاق الذكريات لأقرأ تعابير الانبهار على وجوه المدعوين، وبنظرة دائرية احتضنت عيناي المكان وشخوصه.

        قصص وحكايات اكتظت بها مخيلتي وأنا أمسح الوجوه بنظري، حتى استقرت عيني على وجه محدثتي، ولقرب المسافة بيننا ولسقوط الأشعة المتأهبة للرحيل تأملت تقاسيمه بدقة متناهية وكأنني أراه لأول مرة.. سحنة جميلة داكنة تنم عن هدوء صاحبته، خلف النظارة الشمسية يسطع بريق لعينين سوداتين، فيهما قدر من السعة والوضوح وقدر من الغموض والكتمان، ابتسامة لطيفة تكشف عن (صفين لولي) (الجملة لعبد الوهاب) وتفصح عن إرث تربوي في إتقان سُبل الذوق والمجاملة.. أية مزجة ربانية ساحرة هذه التي أعادت صياغة وسامة الأب بجينات أنثوية لتخلق (بورتريه) لوجه جذاب اسمه سهيلة محمد الزبير.

        الكلمة الملقاة من قبل زياد الزبير تراكمت على مسامعي متقطعة فرغم ناقوسية مكبر الصوت، فإن الإحساس بروعة المكان وجاذبيته ووقعته على النفس خلق حالة من الانفصام ينتفى معها التركيز التام. فغدت الجمل في حضورها وغيابها فقاعية زبدية: تكاليف المشروع.. تصميم الفنادق.. عدد الغرف .. إدارة شانجيريلا Shangire-la’s .. ألف شاب عُماني يعمل .. قمة التواصل بين القطاعين الحكومي والخاص.. انتعاش الحركة السياحية.

        احتوت الخطبة على معلومات أساسية ومهمة عن المنتجع، عكفت على قراءتها صبيحة اليوم التالي، وسؤال ظل يطاردني حتى آخر كلمة، تُرى ما كُتب استنطق المكان حقاً؟ ربما لكنه عجز عن تجسيد أحاسيس الاحتواء التي تحيط بالإنسان في أجواء المنتجع، غريبة تلك اللذة التي تخلقها الأماكن بداخلنا، فبر الجصة أوجد حالة من عشق التواجد في الفندق بممراته وقاعاته وغرفه وشرفاته ومطاعمه، حالة نادرة أوجزها في كلمة واحدة (رومانسية).

معرض الوسوم

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.