Asyah Al Bualy Articles

الثقافة داخل وزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة – عبر الذكرى والذاكرة

أضف تعليقاً

ما زالت الذاكرة تجتر واقعة الطفولة .. حين سألت جدتي الأستاذة الدكتورة: فاطمة بنت سالم بن سيف المعمري عن معنى كلمة الثقافة في أحد الكتب المدرسية .. والسؤال في مرحلة عمرية أكثر نضجاً تحول إلى حوار مجدي بيني وبينها .. هل نستطيع – يا جدتي الحبيبة – أن نضع تعريفاً محدداً أو مفهوماً شاملاً لكلمة (الثقافة) ؟ .. الكلمة قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى بيد أنها عميقة ومشعبة ومربكة وشائكة في نفس الوقت، إلى حد أن كتب الفكر المختلفة تنوعت واختلفت في تعريف الكلمة من حيث مضمونها .. هكذا قالت لي جدتي وأضافت: بيد أنني أستطيع أن أقول على نحو غير جازم: أن الثقافة تعني في إحدى جوانبها، الواجهة الحضارية لأي مجتمع من المجتمعات، تلك الواجهة التي يشترك في إيجادها تفاعل كافة الأصعدة الاجتماعية: سياسية وفكرية واقتصادية … إلخ. وكلما ازدادت هذه الأصعدة قوة وعمقاً وتنوعاً كلما ارتفع وبرز المؤشر الثقافي المجتمع.
كما قالت لي: أن الثقافة في المجتمع يضعها المثقف في تلك الأصعدة المختلفة، والمثقف كلمة لا يُقصد بها صفة مهنية كالطبيب أو المدرس أو التاجر .. إلخ، فضلاً عن أن الشهادات لا تصنع مثقفاً، بل المثقف صفة تطلق على كل إنسان يحاول جاهداً وبشكل دائم أن يتجاوز دائرة اختصاصه بالمعارف العامة المكتسبة بشتى الأساليب، كما أن المثقف هو مَنْ له دراية وخبرة بشؤون الحياة، وفطنة في التعامل مع الناس بمختلف فئاتهم وبصرف النظر عن مستويات تحصيلهم العلمي، هذا بالإضافة إلى اتسام شخصية المثقف بالحذق والمرونة والتهذيف الخُلقي.
في حقيقة الأمر أن هذا المقطع الشخصي من ذكريات أراه يرد وبشكل تلقائي وأنا أخط كلماتي للحديث عن الثقافة ومستوى المسابقات الثقافية داخل وزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة .. ربما لأنني سمعت عن المكان (الوزارة) كثيراً من جدتي .. وربما لأنني دائماً شغوفة برؤية الجانب التطبيقي للصورة النظرية التي تنامت إلى مسامعي منذ سنوات .. كل ذلك جعلني أسعد بعضوية لجنة تحكيم المسابقات الثقافية للوزارة على مدار عامين متتاليين.
لن أنسى ارتجاف خطواتي وسرعة دقات قلبي وأنا أخطو داخل الوزارة لأول مرة .. والسؤال بداخلي يتكرر المرة تلو الأخرى أهذا هو المكان الذي عملت فيه جدتي لعدة سنوات؟ صدى كلمات جدتي تصلني من كل الأرجاء، والجملة ما زالت عالقة في الذهن والوجدان، وجدان حفيدة تفتقد إلى الجدة الراحلة، وذهن يقظ بجملة راسخة (وزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة مكان يجمع بين الخاص والعام)، هذا ما كانت دائماً تكرره لي.
يهمني وأنا أكتب أن أنقل للقارئ ما المقصود بكلمتي (الخاص والعام) من خلال اكتشافي من واقع التجربة الشخصية والتجربة خير دليل للجمع بين النظرية والتطبيق. وبعبارة أخرى أن أعرض اللوحة بكل ما فيها من خصوصية زاوية التناول وخطوط الألوان ودرجاتها وواقعيتها كما اختبرتها. ومن ثم أقول:
إذا كان الانضباط واحترام الموعد إلى حد لأصغر الوحدات الزمنية المتداولة بين البشر (الثانية)، يقع ضمن اختصاصات الوزارة. وهو ما تبين لي بشكل واضح منذ الوهلة الأولى .. الموظف الذي أتى إلى البوابة الخارجية للوزارة لاستقبالي في الموعد المحدد، وفي أبهى صور الاحترام والتهذيب، فإن كان كل ذلك يقع ضمن نطاق العام في الوزارة، فإن الخاص الذي رأيته وأنا في قلب المسرح الوزاري الألفة والمحبة بين شخوص المكان، فرغم جمود الصورة التي تبدو عليها متطلبات الانضباط بين الجندي والضابط، فإن العلاقة في عمقها توحي بالتآلف بين الطرفين تآلف يرتكز على تواضع إنساني.
ومن ثم فالصورة ما زالت عالقة في ذهني حين رأيت خلية في المسرح تعمل على وتيرة واحدة دون فرق بين جندي بسيط وضابط كبير، خلية أساسها حب العمل واحترامه والقناعة المتبادلة بين الأطراف في كل ما يعملونه، ومن ثم لم يكن هناك مانع أن يُعاد العمل مرات ومرات، كم كنت أتمنى أن يكون المشهد برمته في مكان من الأماكن العامة حتى يُحتذى به من قِبَل الشباب، لاسيما حين رأيت رجلاً على مشارف العقد الخامس من عمره يصعد على المسرح وينزل أكثر من مرة يتأكد من ضبط كل صغيرة وكبيرة من توزيع الإضاءة إلى كابلات الكهرباء إلى حركة الستار في الفتح والقفل إلى سلامة معدات الحاسب الآلي، حين سألت عنه قيل لي في صوت جماعي ينم عن مودة خاصة: إنه العميد الركن: وليد بن عمر الزواوي رئيس مديرية التوجيه المعنوي.
وبما أنني في قلب مسرح وزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة فكلمة تمرين أو تدريب (REHEARSAL) عالقة في ذهني، لم كان للكلمة نفس الحضور إذا ما كنت داخل مسرح قسم الفنون المسرحية بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، إذ من المتوقع أن يعاد التدريب على مقاطع المسرحية عشرات المرات، ولكن ما لفت انتباهي إلى درجة الذهول أن التحضير لحفل افتتاح أو ختام المسابقات الثقافية كان يتم بدقة متناهية حتى إذا اقتضى الأمر إعادة مقتطفات الحفل أكثر من مرة بدءاً بالتقديم ومروراً بالفقرات وإنتهاءاً بالخاتمة، غاية في الدقة في كل خطوة حتى في تقدير المسافة المكانية بين الفائز حال تسلمه للجائزة وبين القائم على توزيع الجوائز.
أليس كل ذلك جدير بأن يلفت انتباهي، بل ويثير إعجابي إلى درجة أتمنى معها اتساع المجال كي أسرد كل التفاصيل. إذ التجربة بالنسبة لشخص خارج المجال مثلي مثيرة ومدهشة.
وإذا كان كل ما سبق قد تعلق بشكل اللوحة الخارجية بما يمكن أن نطلق عليه الإيطار أو ما حول الموضوع فإن ما داخل الإيطاركان أوقع وأكثر انتباهاً لذهني. وحين أقول داخل الإيطار أقصد بذلك: الموضوع أو المحتوى أو المضمون.
وعليه فإنه لزاماً عليَّ أن أبين كيف وصل الموضوع إليَّ؟ أو كيف وصلتُ أنا إليه ؟ إن أسئلة المسابقة الثقافية أُرسلت إليَّ برمتها قبل موعد المسابقة بفترة كافية، من أجل الاطلاع عليها وإبداء الملاحظات أو التعليقات من قبلي إن وجدت. وقبل الشروع في الحديث عن طبيعة تلك الأسئلة أو تقييمها. أود أن أقف وقفة متأنية مع أسلوب أو سلوك الإرسال. إذ أن إرسال أي موضوع ثقافي أو فكري إلى طرف آخر لا يعني ذلك الاعتراف بقيمة الآخر (المرسل إليه) أو احترام مكانته العلمية والأدبية فحسب، بل في نفس الوقت إفصاح عن سعة آفاق الراسل واتسام هذه الأفاق بالسلوك الثقافي الذي يسعى نحو إقتناء مزيد من الأفكار عبر تبادل الآراء.
وعبر قراءة متأنية للأسئلة التي وردت إليَّ من قبل مديرية التوجيه المعنوي بوزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة، فإن طبيعة الأسئلة من حيث تنوع موضوعاتها: من تاريخ ودين وفلسفة وفنون ومعلومات عسكرية … إلخ، يؤكد مدى المجهود الذي بُذل في وضع هذه الأسئلة التي اتجهت في محتوياتها إلى مسح شامل لكل أنواع المعارف، هذا فضلاً عن تفاوت مستوياتها فهناك السؤال السهل والصعب والأصعب.
ووضع الأسئلة على هذه الكيفية والهيئة إنما هو تعبير غير مباشر عن المستوى الثقافي لمتلقيها، فضلاً عن إدراك تفاوت المستوى البشري في التحصيل والمعرفة، كما كشفت لي الأسئلة من حيث تنوع محتواها أن الهيئة المعنية تعي تماماً معنى كلمة (ثقافة) من حيث شمولية دلالاتها وتنوع الفكر والمعرفة فيها.
أدهشني المستوى المعرفي والثقافي للمتسابقين من الفرق المختلفة ومن ثم فإنني أقول من واقع تجربة معيشة: أن المستوى كان مشرفاً إلى حد بعيد.
إن إصرار وزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة، على وجود المسابقات الثقافية لهو خير دليل على إدراك الوزارة بأهمية دور الثقافة في بناء الفرد والمجتمع، كما يعبر ذلك أيضاً على السعي الحثيث نحو الاتصال والإندماج بالعالم الخارجي (المجتمع) ذلك الإندماج الذي يؤكد على أن الوزارة جزء لا يتجزأ من المجتمع وأن أفرادها – ضباطاً كانوا أم جنوداً – جميعاً عناصر فعالة لبناء البنية التحتية للمجتمع والتي تُعد الثقافة إحدى أسسها.
كما أن المسابقات الثقافية تُعد صورة حية ونموذج تطبيقي يصحح المفهوم العام والسائد عن الرجل الجندي أو العسكري من حيث قصور معارفهما على دائرة التخصص، ومن ثم المسابقات تنقل صورة أخرى لهما ومناقضة تماماً لما هو راسخ في أذهان العامة.
إذا كان الإبداع بوصفه فناً والفن أحد الروافد الثقافية في المجتمع، فضلاً عن أن الإبداع تعبير عن ملكة شخصية، فإن الوزارة لم يفتها عمق هذه المعاني، ومن ثم كانت المسابقات الفنية الإبداعية التي شملت أدوات التعبير المختلفة من: كلمة ولون وضوء وخط.
فعن الأداة الأولى (الكلمة): كانت مسابقات القصة القصيرة والشعر بنوعية الفصيح والنبطي، فضلاً عن المقال والبحث العلمي.
إن أجمل الفنون هي التي تنبع من ذاتية طليقة مقتنعة بما تبدعه ومن ثم رغم بعض الملاحظات التي وردت على تلك الأجناس الفنية من قبل لجان التحكيم، فإن الجانب الإبداعي فيها ظل جاداً يعبر عن روح صادقة تحاول جاهداً أن تمتلك أدوات تعبيرها.
وعن الأداة الثانية (اللون): كانت مسابقة الرسم، التي وردت لوحاتها معبرة عن نفسيات مبدعة ابنة بيئتها، فبدت اللوحات مرآة صادقة تعكس الخلجات النفسية لمبدعين يدركون تماماً أن اللوحة الكاملة التي تشبع الذاتية الإبداعية للفنان هي تلك التي لم تُرسم بعد.
وعن الأداة الثالثة (الضوء)، كانت مسابقات التصوير الفوتوغرافي حيث الرؤية وذائقة الحس في محاولة القبض على الزمان وإعادة صياغته في صور تعبر من الماضي والحاضر والمستقبل، صور تستنطق الهاجس المعرفي داخل الفنان تجاه الزمان، وتعبر عن حنين الذائقة لماضٍ تليد ورغبتها في حاضر كائن واستشرافها لمستقبل مجهول.
وعن الأداة الرابعة (الخط)، كانت مسابقة الرسم بالخط العربي الذي ورد بالنسخ والديواني والرقعة، حيث الخط سر من أسرار الروح يعبر عن تراث وهوية وأصالة، فضلاً عن قدرة الفنان وتدريبه في امتلاك خطوطه بحيث وردت الرسومات معبرة عن الكلمات ودلالاتها وغاصة في أعماق الفنان ورغباته وقناعاته.
وثمة ملاحظة أخيرة جديرة بالذكر، هي خلو مسابقات الإبداع الفني من أدوات تعبيرية أخرى كالحركة والصوت والنغم واللحن، وعليه فإنني أن أقترح أن تدرج مسابقات التمثيل والرقص والغناء والعزف ضمن المسابقات الثقافية للوزارة في الأعوام القادمة إذ ربما هناك من يمتلك ناصية الإبداع في تلك الفنون.
تُرى بعد كل هذه الحقائق ألم تكن جدتي – رحمة الله عليها – محقة حين وصفت رقي وزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة بالخصوصية والعمومية.

الكاتب: Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s