Asyah Al Bualy Articles

مضامين القصة العُمانية القصيرة – مرحلة التسعينيات نموذجاً

أضف تعليقاً

بداية وقبل الخوض في الحديث عن المضامين في نماذج من القصة العُمانية القصيرة أود أن أنوه إلى أن المحـور الذي خصـص لـي للحديث عنه في هذا اللقاء هو ” قراءة في نشأة وتطور القصة في عُمان ومضامين مرحلة التسعينيات “، والمحور في حد ذاته يجعلني أقف وقفة تأنٍ تجاه. إذ إنه عبارة عن محورين كبيرين من الصعوبة إنجازهما في بحث واحد وذلك لعدة اعتبارات هي:
أولاً:    أن نشأة وتطور القصة في عُمان، يعني ذلك الحديث عن جنسين أدبيين هما الرواية والقصة القصيرة. فضلاً عن أن التطرق إلى نشأتهما وتطورهما معناه إقامة مسح أو تغطية لهما من أجل معرفة كيفية النشأة والوصول إلى مظاهر التطور من خلال مقارنة النماذج بعضها ببعض.
ولما كان جنـس القصـة في عُمان يمتد بجذوره الزمنية إلى مرحلة السبعينيات (أي مرحلة دخول الطباعة)، فمعنى ذلك أن أياً بحث أو دراسة يشملان النشأة والتطور في القصة العُمانية عليهما تغطية فترة زمنية تزيد عن الثلاثين عاماً.
ثانياً:    كلمـة التطور كلمة تحوي عمليات المقارنة بين النصوص ـ كما بينت سلفاً ـ وحيـن نقول أننـا نقـارن يعني ذلك؛ الكشف عن عناصر القصة (الشخصيات ـ الزمان ـ المكان ـ الحدث ـ الحبكة ـ السرد ـ اللغة) في كل نماذج القصة العُمانية بجنسيها الرواية والقصة القصيرة منذ بداية السبعينيات حتى وقتنا الحالي، ثم المقارنة بين تلك العناصر من أجل الوقوف على التطور.
ثالثاً:    اتساع أسماء المبدعين العُمانيين وإنتاجهم القصصي منذ فترة السبعينيات حتى وقتنا الحالي، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: عبدالله الطائي، صادق عبدواني، إحسان صادق سعيد، أحمد بلال، أحمد الزبيدي، سيف الرحبي، سعود بن سعد المظفر، وغيرهم، هذا الاتساع يقف حائلاً دون إقامة بحث يشمل النشأة والتطور إلا بعد دراسة بيليجرافية دقيقة تحصر كل الأسماء والإنتاج القصصي. فضلاً عن حصر كل الدراسات التي احتوت دراسة النماذج القصصية والتي منها كتاب ” في الأدب العُماني الحديث “. (1)
وما سبق توضيحه كان الغرض منه تبيان بعض الخطوات التي يجب الوقوف عليها حين إنجاز بحث يشمل النشأة والتطور في القصة العُمانية. فضلاً عن التوضيح أن أي كتابة بحثية في النشأة والتطور للقصة العُمانية بدون الخطوات السابقة ستقع في مجال الثرثرة دون الإفادة بنتائج علمية دقيقة.
وعليه فإننا آثرنا أن نقصر مجال البحث في الشق الثاني من المحور وهو مضامين القصة العُمانية القصيرة في مرحلة التسعينيات.
وحيث نقول القصة العُمانية القصيرة، فإننا نعني بذلك فن من فنون الإبداع النثري الذي يتميز بالإيجاز في القول ويشترط تمازج الخواص القصصية التي تشكل مبنىً حكائياً يركز على صورة ما أو يصف حادثة ما، أو يتخير لحظة من لحظات الإنسان فيعمقها، وزاوية من زوايا حياته فيركز عليها ويكشف عنها في نسيج فني يتميز بالتلميح والمواربة لا الإعلان أو التصريح. وبعبارة أخرى؛ القصة القصيرة، رغم صعوبة وضع تعريف محدد لها تعد صياغة لغوية، تكوِّن مركباً يتميز بالأصالة والإحكام والإتقان والإيحاء والتكثيف ويتوافر فيه التبسيط لا التسطيح.
وغنى عن البيان أن مرحلة التسعينيات في مجال القصة العُمانية القصيرة، زاخرة بأسماء مؤلفين عُمانيين تفتح مجموعاتهم القصصية مجالاً للدراسة والتحليل من أمثلة هؤلاء: ” يونس بن خلفان الأخزمي، يحيى بن سلام المنذري، محمد بن علي البلوشي، سليمان المعمري ” (2) ، وأيضاً علي المعمري (3) ، وسالم آلتويه (4) ، وأحمد علي المعشني (5) ، وغيرهم.
ومن الصعوبة بما كان إقامة بحث يحوي المضامين والموضوعات والاتجاهات السردية في كل مجموعات القصة العُمانية القصيرة لفترة التسعينات، وعليه فإننا آثرنا أن نقصر مجال البحث على نماذج تطبيقية بعينيها.
وقد راعينا في اختيارنا للنماذج موضع التطبيق أن تتضمن الرومانسية والواقعية في السرد، فضلاً عن اشتمالها لموضوع محدد هو حياة البسطاء والمسحوقين من الناس.
ومن الكُتّاب العمانيين في عقد التسعينيات، الذين وقع اختيارنا على بعض قصصهم نماذج تطبيقية، مريم النحوي، ولها مجموعة قصصية واحدة لم تعنون بعد ولا زالت تحت الطبع، ومحمد اليحيائي وله مجموعتان قصصيتان هما: ” خرزة المشي ” (6)  و” يوم نفضت خزينة الغُبار عن منامتها ” (7) ، ومحمد بن سيف الرحبي وله مجموعتان قصصيتان هما: ” بوابات المدينة ” (8) و” ما قالته الريح ” (9) ومحمود الرحبي وله مجموعة قصصية واحدة بعنوان: ” اللون البني ” . (10)
فقصة ” خطوة للقاع ” لمريم النحوي * ، قصة واقعية تتناول حدثاً يتكرر يومياً وأسبوعياً، هو رحلة عودة الموظف البسيط أحد المنتمين إلى الطبقة الاجتماعية الكادحة من المدينة إلى القرية.
حيث تعمد القاصة إلى سرد الحدث بضمير المتكلم، للتأكيد على ذاتية التجربة في المعاناة الأسبوعية التي يكابدها الموظف البسيط حين يقل أحد سيارات الأجرة من المدينة عائداً إلى قريته.
وفي غضون رحلة المعاناة بكل واقعيتها، التي تؤكدها الأحداث الثانوية متمثلة في علو أصوات الركاب، وحركتهم الدائبة في النزول والصعود من السيارة، فضلاً عن الجدال العقيم بين السائق وهؤلاء حول القيمة المادية المستحقة لتوصيلهم من المدينة إلى أماكن سكنهم بالقرى المختلفة، وتصارع النساء على احتلال المقاعد الأمامية للسيارة، فإن السرد الممعن في التقديرية يورد لنا الحدث الرئيسي في القصة داخل نطاق شديد الرومانسية يشكله حلم.
إذ الحدث الرئيسي في القصة يشكله البطل الموظف البسيط، المتزوج منذ ” سبعة أعوام “، لكنه لم ينجب طفلاً، وأثناء وجوده داخل سيارة الأجرة، ووسط الضجيج والحركة المتنوعة، يغفو فيحلم أنه يحتضن ” طفلاً يشع وجهه براءة ” ، يداعبه في حنان ماسكاً أنامله الصغيرة الناعمة. فإذا السائق يوقظ البطل الذي كان في ” سُبات عميق “. حيث ينبهه بضرورة النزول، إذ السيارة قد وصلت إلى مفترق الطريق المؤدي إلى قريته، وعليه يطلب منه ” ثلاث ريالات ” قيمة توصيله وولده، فيستنكر البطل طلب السائق قائلاً: أي ولد هذا الذي يقصده؟ وأنا لم أنجب أطفالاً من قبل !! ويدور جدال طويل بينهما يتهم فيه السائق البطل بأنه يشرع في رمي صغيره بالتخلي عنه، وهو أمر يُعد معتاداً بالنسبة للسائق إذ يتكرر مع الركاب كثيراً.
أسفر الجدال عن الوصول إلى مركز الشرطة، حين يحاول الضابط معرفة حقيقة الأمر، فيأمر البطل بتغيير هيئته ” ملابسه ” ثلاث مرات، إلا أن في كل مرة يتعلق الطفل بالبطل ممسكاً بأطراف ملابسه، منادياً إياه ” بأبي “.
وينتهي الحدث بخروج البطل من دائرة الحلم إلى الواقع، حيث يوقظه أحد الركاب للنزول من السيارة، فيفتح البطل عينيه بصعوبة.
وبالبحث عن واقعية هذه القصة نجد أنها لا تتمثل في مجموعة الأحداث الثانوية المسرودة بضمير المتكلم الذي يعبر عن تجربة ذاتية في المعاناة فحسب، بل في طبيعة محتوى الحلم الذي تمثل في إصرار السائق على اتهام البطل بأنه يريد التخلص من ابنه بما في الحدث في دلالات القسوة واللاإنسانيه.
ولما كانت الأحلام تعبيراً عن الواقع وانعكاساً له يتم من خلال مفردات الحلم ورموزه، فإن مريم النحوي بهذا التوظيف الفني تؤكد قسوة واقعنا من خلال رمزية الطفل وتكرار فعل التخلي؛ إذ يمثل الطفل رمز المستقبل وفي ذات الوقت الوجود الفعلي للإنسان، لتصبح الدلالة المستوحاة من توظيف الحلم هي الإحساس بعدم المسؤولية حين إنجاب الأطفال، فأي مستقبل هذا ينتظر الطفل الشريد ؟.
وإذا كان الحلم في النص القصصي يعبر عن الجانب الواقعي في القصة، فإنه في ذات الوقت يعبر عن الجانب الرومانسي فيها، من منطلق أن الأحلام تكشف عن رغبتنا الدفينة، كما أنها إحالة إلى المستقبل أكثر من كونها تعبيراً عن الحاضر (الواقع)، وعليه فإن حلم البطل بالطفل البرىء الذي يداعبه في حنان، إنما هو تعبير عن رغبته في أن يكون له طفل، وفي المستقبل الذي يتمناه والكامن في اللاشعور.
ذلك المستقبل المناقض لواقع البطل، لا لكونه خالياً من أمنية البطل (الطفل)، بل لأن هذا المستقبل جميل خالٍ من المعاناة من ثم فهو كامن في الحلم، يبحث عنه البطل في واقعه ويرغبه، ويتوق إليه شوقاً، وهو ما يبتدى من قول البطل: ” هأنذا كبقية الكادحين في هذه المدينة الواسعة، أسبق المسافة نحو القرية الرحبة التي يظلها السكون والأمن “. وهنا نلاحظ أن (القرية) إحالة إلى المستقبل من حيث إنها المكان الذي لم يصل إليه البطل بعد.
والتناقض الصارخ بين واقع البطل والمستقبل الذي يتمناه يتضح لنا من طبيعة اللغة الموظفة في القصة، فإذا كانت رمزية الطفل في الحلم تنم عن المستقبل بكل ما فيه من طهر وبراءة ونقاء، فإن ذات اللغة تصف واقع البطل وحاضره ” بالأرض البور منذ زمن ” لخلوه من الرمز الجميل (الطفل)، ومن ثم كان تشبث البطل بالمستقبل المفقود؛ التشبـث الذي يتضـح من وصف البطل للطفل الذي كان موجوداً بالفعل في السيارة بأنه ” طفل الحلم “، فالجملة تنم عن دلالات التوحد بين الحلم والواقع؛ وبعبارة أخرى لم يكن الحلم سوى معادلٍ موضوعي لواقع فعلي تمثل في حدث القصة، إذ حلم البطل بطفل المستقبل وقع بعد رؤية حقيقية لطفل موجود في السيارة كان يداعب البطل بيد ضئيلة فيصف الأخير تلك اللحظات قائلاً: ” مددت يدي مصافحاً الطفل المتأمل لعمامتي الغربية الشكل… مد يده بالمثل في تودد… تحسست لأخرج له قطعة من الحلوى “.
أن توحد الحلم بالواقع الذي يتبدى من كون الحلم صورة معكوسة تطابق الواقع، لهو تعبير عن رغبة البطل في جعل الحلم واقعاً معيشاً تلك الرغبة التي تؤكدها مريم النحوي من خلال تكرار الفعل ثلاث مرات في الحلم؛ أي تكرار حدث تعلق الطفل بالبطل في مركز الشرطة وإمساكه بتلابيب ملابسه، إذ إن رمزية العدد ثلاث تبرز الجانب الرومانسي في القصة، لما في العدد ثلاث من دلالات سحر التجربة واكتمالها.
ويلزم الإشارة إلى أن توظيف الموتيف الشعبي المتمثل في تكرار الحدث أو الفعل ثلاث مرات من قبل الطفل، يؤكد أن المستقبل المجهول الذي يتمناه ويرغبه البطل يبادله نفس التوق الشوقي، ومن ثم كان التعبير عن تعلق الطفل بالبطل ومناداته (بأبي) لما في اللفظة من دلالات تبادل علاقة التأثير والتأثر من حيث الإحساس والشعور إلى حاجة الاحتواء.
وفي النهاية نقول: إن القصة برمتها دعوة غير مباشرة للتمسك بالمستقبل وعدم فقدان الأمـل، رغـم ما يكتنـف المستقبل من مجهول، وهو ما يتضح من عنوان القصة ” خطوة للقاع ” بكل ما فيه من دلالات الدخول في المجهول المخيف، ذلك المجهول الذي يتأكد لدينا من بدايات القصة حين يصف البطل الطريق المؤدي إلى قريته بقوله: ” كأن الطريق المطوي تحت عجلات سيارة الأجرة يطول بلا نهاية واضحة “، وحين يفيق من حلمه في نهاية القصة قائلاً: ” تنهدت بعمق وآثار الحلم العجيب تشكل ملامح وجهي الشارد نحو اللاشيء “.
وإذا كان لكل قصة فنيتها في السرد، وهو ما يشكل أحد الجوانب الجمالية فيها، فإن الجانب الجمالي في قصة ” خطوة للقاع ” لا يتبدى من تداخل عنصري الواقع والحلم بما في الأخيـر من رومانسيـة فحسب، ولكن من كيفية هذا التداخل وطبيعته، إذ القارئ للقصة ـ للوهلة الأولى ـ لا يستطيع أن يفصل بين الأحداث الواقعة خارج نطاق الحلم، وبين تلك الواقعة داخل الحلم إلا مع نهاية القصة، الأمر الذي يُعد من جهة نظرنا تقنية فنية عالية في السرد، وهذه التقنية التي تؤكد توحد الواقع بالحلم، هي نفسها التي تدعو إلى التمسك بالأمل وبالرومانسية.
ولما كانت الواقعية والرومانسية قطبين رئيسيين يشغلان مريم النحوي في القصة، فإننا نلاحظ امتدادهما في خطين متوازيين على مستوى بنية القصة وذلك على النحو الآتي:
أولاً:    اللغة الرومانسية. التي تكشف عن طبيعة البطل الرومانسي، والموظفة خارج نطاق الحلم، تمتد إلى الحلم، حيث يقول البطل خارج نطاق الحلم ” تتوق نفسي لهفاً ليوم الخميس.. أتنفس الصعداء حين تقترب الساعة من الواحدة والنصف ظهراً لألحق بالركب السائر إلى قريتي الحبيبة.. تتراءى أمام ناظري زوجتي بعينيها الودودتين اللتين لم تُنسياني – رغم مرور سبعة أعوام – رغبتي العارمة في طفل يرث ملامحها الرقيقة وطباعها الهادئة ” وداخل نطاق الحلم نجد ذات اللغة موظفة إذ يقول البطل: ” غفوت لأرى فيما يرى النائم إنني أحمل في حضني طفلاً – يشع وجهه براءة – له لون شعري وعينا أمه الواسعتين وأحسست أن قلبي مغمور بسعادة جفت براعمها في أرضي البور منذ زمن “.
ثانياً:    الحدث. إذا كانت واقعية الأحداث خارج نطاق الحلم تتمثل في مجموعة الأحداث الثانوية التي تشكل معاناة الكادحين في الجو القائظ حين صعودهم سيارات الأجرة مع تكرار هذه المعاناة بشكل يومي أو أسبوعي، فإن نفس الواقعية تمتد داخل نطاق الحلم لتتمثل في الجدال بين السائق والبطل حول أمر الطفل، ووصول الجدال إلى مركز الشرطة، فضلاً عن عامل التكرار الذي تبدي في محاولات الشرطي معرفة حقيقة الأمر ومن ثم أمره للبطل بتغيير هيئته، هذا فضلاً عن أن حدث وجود الطفل خارج نطاق الحلم بوصفه حقيقة واقعة فعلاً، يتكرر ذاته داخل الحلم، ومن ثم وجود الطفل فيه.
والشخصية الموظف التي وظفت في النص السابق باعتبارها آلية سردية تبرز حياة الكادحين بكل ما فيها من شيوع وانتشار، ومن ثم كان تجريد البطل من الاسم لما في ذلك من دلالات التنكير التي تؤكد الشيوع والانتشار، فالشخصية ذاتها تتكرر مرة أخرى في قصة ” موت المواطن الصالح ” (11) لمحمد اليحيائي الذي يسرد حدث قصته بضمير الغائب ساعياً بذلك إلى تحويل التجربة القصصية من مجرد التعبير عن الذات إلى تجربة في الوجود الخارجي.
والملفـت للانتباه أن حدث انتقال الموظف البسيط من قريته، داخل سيارة الوزارة ” الباص “، إلى مقر عمله بإحدى الوزارات في المدينة، يأخذ شكلاً تجريداً في النص القصصي، مما يعطي الحدث أبعاداً أعمق في الدلالة، ويخرج به من كونه حدثاً واقعياً يتواتر وقوعه يومياً، ويتصل بآلاف الموظفين الكادحين إلى كونه رمزاً دالاً.
فبطل قصة ” موت المواطن الصالح ” بطل ميت مجرد من كل الأسماء نتعرف عليه منذ بداية القصة حين يسرد عنه محمد اليحيائي قائلاً ” لاطف قلبه ساعة ونام ومات، ولما طلع النهار وشاع موته وبان، غسّلوه وطيّبوه وكفنوه وصلوا عليه ومشوا خلف نعشه وقبروه… ثم عادوا أدراجهم، كل إلى داره. فلما هبط الليل خرج الرجل من تربته ونفض عنه أثر الموت ومضى عن بدنه كفنه، وهبط عارياً إلى داره تماماً كيوم ولدته أمه، مبتدأً حياة جديدة على نحو طبيعي “.
إن المطلع الحدثي الذي يتوجه نحو اللامعقول الذي يجمع بين التجريد والتعبير، بين الرمز والكشف، جعل للحدث خصوصيته، تلك الخصوصية المستوحاة من آليات السرد التي تتمثل في أن الحدث باحتوائه على فكرة خروج الميت من القبر، هو إحالة مرجعية للحكاية الشعبية العُمانية التي تحكي عن فتاة (نزوى) التي خرجت من قبرها حية، ومن ثم مشت بين الناس في الأسواق تحاورهم.
والمرجعية الشعبية تعطي الحدث بُعده الزمني، فضلاً عن التأكيد عليه من حيث وقوعه، ذلك التأكيد الذي يتضح من لغة السرد التي تتجه نحو توظيف الأفعال في صيغة الماضي (لاطف – نام – مات – طلع – شاع .. إلخ) لما فيها من دلالات ثبوت الحدث من حيث وقوعه وانتهاؤه.
وإذا كان الزمان من حيث بناؤه وشكله يعد أحد جوانب فهم القصة فضلاً عن فنيتها وجماليتها، فإن الزمن في هذه القصة من حيث دائرية شكله، إذ نلاحظ ابتداء القصة بحدث موت البطل الموظف ودفنه وهو الحدث ذاته الذي ينتهي به القصة، ينم عن دلالة مؤداها أن الوظيفة بما فيها من روتين ثابت كفيلة بأن تقتل صاحبها نفسياً آلاف المرات، وهو موت يعد أشد قسوة من الموت الجسدي.
ولغة السرد في القصة تتجه نحو تأكيد سمة الروتين في حياة الموظف، وخلو هذه الحياة من أى تجديد أو تطور، وعليه فإن محمد اليحيائي يضفي على الروتينية واقعيتها المنبثقة من الشكل الخارجي، فضلاً عن الجوهر المتمثل في تكرار الحدث بإيقاعه الثابت يومياً.
وعليه فإن وصف محمد اليحيائي لمظهر البطل في قوله ” في الصباح التالي لموته لبس ثيابه، الدشداشة البيضاء والمصر الأخضر المزين بخنجر من خيوط حمراء غالباً ما تعلوا جبينه مقلوبة في لفة العمامة ” * إنما هو تأكيد على الجانب النمطي في شخصية الموظف، تلك النمطية المنبثقة من طبيعة الوصف في ارتباطها بالموروث والتقليدى.
ولا يكتفي القاص بإبراز النمطية من حيث المظهر الخارجى لشخصية البطل (الموظف)، بل يؤكدها بكل ما فيها من ثبوت وركود جوهري من خلال تكرار الحدث يومياً حين يقول: ” مشى (أي البطل) مشيته الصباحية المعتادة ليقف عند الشارع العام أعلى القرية، يرقب طلوع باص الوزارة الذي وصل في موعده. طلع الباص.. “.
ومحمد اليحيائي مصراً على اتخاذ شخصية الموظف والعمل الوظيفي رمزين يعلو بهما فوق الدلالة المباشرة للحدث، من ثم فإن البطل الذي يموت في بداية القصة داخل بيته فيغسل ويدفن والذي يرفض هذه الميتة بنفض الكفن عن بدنه وبخروجه من القبر، هو ذاته الذي يرجع إلى الحياة ويركـب سيارة الـوزارة ليمـوت فيها مرة أخرى، حيث يرد ” عندما وقف الباص قدام الوزارة وهبط الموظفون لاحظ السائق أن موظفاً كسولاً للغاية محدودب على كرسيه، ذهب ليوقظه فلما هزه وجد الرجل ميتاً. التمَّ عليه الموظفون وحملوه ومددوه في بهو الوزارة وغسّلوه وطيّبوه وكفنّوه وصلوا عليه ومشوا خلف نعشه وقبروه وعادوا أدراجهم إلى الوظيفة “.
وغنى عن البيان أن الفعل ” قبروه ” الذي ورد في بداية القصة، والذي يتكرر في المقطع السابق يحتوي على دلالة الموت الجبري الذي يتأكد لدينا في هذا المطقع من ارتباط الموت بمكان معين (باص الوزارة)، وغسل الميت ” في بهو الوزارة “، فالارتباط الإلزامي بين الموت والوزارة من قبل القاص ينم عن أن الوظيفة بالنسبة للموظف هي حقيقة معيشة تؤدي إلى الموت المتكرر الذي لا مفر منه لأن الوظيفة مصدر رزق، وعليه فإن بطل القصة رفض الميتة الأولى ببيته وعدها ” خطأً فادحاً إذ أن المواطن الصالح لابد أن يقضي نحبه وهو على رأس الوظيفة “.
وإذا كانت المعناة عنصراً أساسياً يشكل الحدث في القصتين السابقتين، فإنها تتكرر في قصة ” طفل المساءات الباكية ” (12) لمحمد بن سيف الرحبي، الذي يبرز لنا في قصته الثالوث الأبدي لمعاناة المسحوقين في المجتمع، وهو الجهل والفقر والمرض.
محمد بن سيف الرحبي يسرد في قصته حدثاً شديد الواقعية في مأساويته، هو حدث احتضار الطفل الثامن لـ (خلف) – بطل القصة – في إحدى القرى نتيجة لإصابته بمرض الحصبة الذي التهم إخوانه السبعة من قبل. فيأتي الحدث في إطار شديد الرومانسية، حيث يطالعنا المكان (القرية) في بداية القصة على النحو الآتي:
” في المساء تستلقي القرية على ضفاف الوادي، يتمدد البشر على رماله الساخنة بحثاً عن نسمة هواء. البعوض ينبعث شرراً من التمور المجففة على مساحات الوادي الممتدة حتى سفح الجبل. تفترش السكينة المنازل المتناثرة، والأجساد الرطبة تتوزع على الأسطح الطينية. يتقاسمون حكايات الأساطير النائمة في المخادع الهرمة، ويقتاتون من أشجار الليل، حوقلات وبسملات “.
وأسلوب الوصف في سرد المكان يتجه نحو إبراز الطبيعية الرومانسية للمكان (القرية) بكل ما فيه من سكينة وهدوء، يؤكدهما القاص من خلال توظيف الأفعال في صيغة المضارع (تستلقي – يتمدد – تفترش – تتوزع – يتقاسمون) بما فيها من استمرارية ومعاني الانتشار التي تتأتى من طبيعة الفعل ذاته.
الوصف في سرد المكان يتخذه القاص مرتكزاً لإبراز الخلفية الجميلة التي تقع عليها الحدث، تلك الخلفية التي لا يكتفي القاص بسرد مفرداتها (ضفاف الوادي – البشر – رمال – بعوض – تمور – المنازل – الأجساد – الأسطح)، بل ينحو نحو إبراز الجانب الأيديولوجي لقاطني المكان من حيث ارتباطه بالموروث والقديم، وهو ما يتضح من جملة ” يتقاسمون حكايات الأساطير النائمة في المخادع الهرمة “.
ورومانسية محمد الرحبي لا تبدو من وصف المكان فحسب، بل من مجمل اللغة الموظفة في القصة التي يتضح منها التوظيف الاستعاري على نحو مفرط يبرز الجانب الإحساسي والشعوري في صورة حسية ملموسة. بدءاً من عنوان القصة ” طفل المساءات الباكية ” وانتهاءً بجمل مثل: ” الرطوبة التي تخنق المكان “، ” لهيب خانق يسيطر على المكان “، ” تتردد في الصدور الهرم الكلمات “، ” تنمو له – أي الطفل – شفرات حادة تمزق الأوردة والشرايين “، ” يخرج شيطان الحزن من قمقمه “، ” يلقى بركان الأم حمماً من النحيب “، ” يلبس جلده – أي الطفل – أردية قاتمة “، ” تتراقص الظلال على جدران الغرفة “… إلخ.
وغنى عن القول أن التوظيف الاستعاري ورد بغرض تجسيد الجانب المأساوي في القصة والذي تمثل في معاناة الطفل واحتضاره، فضلاً عن تمزق إحساس والديه وأهل القرية. تلك القرية التي يتخذها القاص بوصفها مكاناً أداة فعالة لإبراز الجانب الرومانسي في القصة، وهو ما يتضح من اتجاه السرد نحو وصف القرية خلفية مكانية – كما بينا سلفاً – ومن طبيعة وظيفة الوصف وتأثيره على المتلقى، من حيث إعطاؤه الإحساس بهدوء الحركة السردية في المواقف الرومانسية.
بيد أن النظرة التأملية للمكان تكشف أن المكان في تفاصيله الجزئية يشكل واقعية القصة في جانبها المأساوي، المتمثل في الفقر ومعاناة البشر التي تنعكس على مفردات المكان، ليصبح المكان بمجمل تفاصيله صورة صادقة لدواخل ساكينيه.
فحين يقول محمد الرحبي واصفاً البطل بمكانه: ” تململ (خلف) في فراشه المتهالك، الرطوبة التي تخنق المكان بصيف قائظ، نفض رأسه يطرد أنين بعوضة، أجال بصره في سقف العالم، النجوم تتلألأ بانتفاضة همجية في الليالي الموحشة الحالكة “، يفعل ذلك ليشعرنا أن خلف لا ينفصل عن المكان، بل الأخير هو مرآة تعكس ذاتية خلف وما يعتري دواخلها، وعليه ورد السرد بضمير الثالث (الهاء) في قوله: (فراشه) حتى يفيد انتماء الفراش المتهالك إلى خلف – مع الوضع في الاعتبار أن ضمير الغائب يحول من التجربة القصصية إلى تجربة في الوجود الخارجي – ليصبح المقصود بخلف في القصة ليس شخصية بعينها بل آلافاً من المسحوقين في المحيط الخارجي واستمراريتهم على الوضع البائس على نحو أزلي، وهو ما يتضح من الدلالة المعجمية للاسم ” خلف ” وبما فيها من رمزية (الخليفة) التي تنم عن السيطرة والهيمنة، فضلاً عن زمنية القديم المتوارث. إذن خلف هو رمز الوضع السائد الأزلي في المعاناة واستمراريتها التي تتأكد من خنق الرطوبة للمكان بأكمله، ومن والصيف القائظ ومن انتشار البعوض، ليصبح الخروج من دائرة الفقر والمأساة والمعاناة مجرد أمنية رغبة ملحة في الانطلاق نحو الأفق واللامعقول، إلا أن الواقع المؤلم يقف حائلاً دون تحقيق ذلك، كما يتضح من عبارة “أجال بصره – أي خلف – في سقف العالم، النجوم تتلألأ بانتفاضة همجية في الليالي الموحشة والحالكة” التي تؤكد أن خلفاً (رمز المسحوقين) أسير واقعه ومكانه.
ذلك المكان الذي يؤكده القاص بكل بؤسه طوال السرد من خلال مفرداته التفصيلية، ” درجات المنزل الطينية “، ” الباب الخشبي “، ” الغرفة المتوهجة “، ” رائحة زنخة “، ” يغطي فضاء الغرفة بدخان يلتقي مع وهج الصيف والجمر” ، ” الطرقات المتربة “، ” غرفة خربة  “، ” الغرفة الصغيرة الضاجة برائحتها “، ” بطانيات البيت العتيقة “، … إلخ.
ومحمد الرحبي يكمل قصته بالزاوية الثالثة لمثلث المعاناة فبعد الفقر والمرض اللذين أبرزهما لا يسنى الزاوية الثالثة؛ الجهل. لتأتي هذه الزاوية على رأس الزاويتين السابقتين، وعليه فقد تطرق إليها في بداية قصته حين وصف المكان (القرية).
إن تطرق القاص نحو التركيز على جانب الجهل لدى أهل القرية، تطرق يسمو فوق مستوى الحدث، كما يعلو على مستوى وصف الجانب الفكري لأهل القرية فبذا يطرح محمد الرحبي سؤالاًَ يشكل لب القصة وجوهرها وهو: على مَنْ تقع مسؤولية موت الطفل (رمز المستقبل) ؟ هل المسؤولية مسؤولية الذات (الأب والأم وأهل القرية)؟ أم هي مسؤولية الآخر مَنْ سمح بشبح الجهل أن يسيطر على القرية ؟ حيث غاب التوجيه بالوعي وتلاشت المستشفيات والوحدات الصحية في القرى النائية، فبدلاً من الدواء والعقاقير الطبية هيمن ” بول الذكر ” الذي لم يتم ختانه لتعصر قطراته على عين الطفل، فضلاً عن الفحم الأسود الذي يدهن به وجه الطفل بقطنات سوداء، ودخان البخور الخانق في الغرفة الخربة المتربة والمتوهجة برائحة زنخة مختلطة بالدخان وعرق النساء وحرارة الصيف والرطوبة. وبدلاً من الطبيب هيمن ” المعلم ” الذي يشخص المرض مرجعاً إياه إلى عالم (الميتافيزيقا)، أي اللامرئي؛ ” الحسد في عيون الناس “.
وقصة ” ظل الريش ” (13) لمحمود الرحبي لا تنفصل في مضمونها العام عن مضامين القصص السابقة من حيث تناول حياة البسطاء من الناس. إذ يدور الحدث المسرود بضمير الغائب عن قصة حب بين امرأة عجوز ورجل مسن ” اسمه مسافر ” بيته بجوار بيت العجوز يفصل بينهما ” جدار من الطين، وفي وسط الجدار ثقب صغير، وعندما تشعر العجوز بالملل، تجلس إلى جانب الثقب، تراقب تحركات مسافر، وطريقة عمله، فيراها مسافر ويقترب من الثقب، ويحدثها عن أيامه الماضية، وعن امرأته التي كان يحبها، والتي ماتت بمرض غامض، ويحدثها عن أشياء مضحكة، فتغطي العجوز فمها بالخمار، وتلوى وجهها وهي تضحك “.
والمقطع السابق نلمس الواقعية فيه من خلال بساطة قصة الحب المطروحة، ومن خلال مفردات مثل (جدار من الطين ـ الثقب وسط الجدار ـ مراقبة العجوز لمسافر في صورة شبه سرية ـ وحياء العجوز ـ وتغطية العجوز لوجهها بالخمار) فهي مفردات تنم عن التقليد والموروث، من حيث سلوك المرأة، والفصل بين عالم النساء والرجال، ذلك الفصل الذي يؤكده القاص بعنصر المكان (الجدار) متخذاً إياه عاملاً أساسياً لتوضيح طبيعة سلوكيات القرية وما يكتنفها من سرية وكتمان، لاسيما في علاقة المرأة بالرجل، فضلاً عن أن وصف الجدار بأنه (من طين) يعكس القدم الزمني لهذه السلوكيات من حيث الثبوت وعدم التغيير. ذلك القدم الذي يؤكده القاص من خلال طبيعة شخصية بطليه إذ نلاحظ أنهما مسنان.
وإذا كان الجدار الطيني رمزاً للموروث والتقليد اللذين يقفا حائلاً دون تمازج العالمين (عالم مسافر وعالم المرأة العجوز)، وعليه فإن القصة الرومانسية بين الطرفين تقع أسيرة الواقع بكل ثبوته وجموده. لكن محمود الرحبي لا يسعى في قصته إلى رصد الواقع فحسب، من خلال نسيج رومانسي، بل يخترق الواقعية والرومانسية إلى دلالات بعيدة المدى وذلك من خلال توظيفه للرمز.
وحيث إن الطيور والحيوانات تمثل صورة معكوسة عن الإنسان، ومرآة يطل منها على نفسه من خلال التماثل والامتداد بينهما، وبذا تصبح الطيور والحيوانات رموزاً للإنسان في الأدب، فمحمود الرحبي يستند إلى تلك الرمزية بين الطير والإنسان ليقول لنا ما لم يقله بشكل مباشر في قصة الحب بين المرأة العجوز والرجل المسن (مسافر)، وهو أن الحب كقيمة وكاحتياج ضروري للإنسان لا يقل أهمية عن بقية ضروريات الحياة، وعليه فإن الفصل الحاد بين عالم الرجال وعالم النساء يؤدي إلى قمع المشاعر وكبتها، ومن ثم قهر الإنسان نفسياً وموته جسدياً.
ذلكما القهر والموت اللذان يشترك فيهما الفرد والمجتمع، وهو ما عبر عنه محمود الرحبي من خلال رمزية الدجاجة والديك، حيث تعد قصتهما قطبين موازيين لقصة المرأة العجوز والرجل المسن واستكمالاً لها في قوله:
” عجوز وحيدة، تسكن بيتاً صغيراً … تمتلك … دجاجة جميلة، تحبها وتخاف عليها، تصفف لها ريشها، وتكحل لها عينيها… وعندما يأتي أبناء العجوز لزيارتها… كانت العجوز تخاف على الدجاجة، فتحبسها في الغرفة، كي لا يعبث بها الأطفال، لكن الدجاجة تطل من الشرفة… وتراقب حركات الضيوف وحلقها يخفق من الخوف “.
مما سبق يتضح أن الدجاجة هي رمز للعجوز ذاتها وصورة صادقة لها منذ مرحلة الطفولة ببراءتها، ومرحلة الشباب بجمالها وما يحتويهما من أسلوب الفصل في التربية، والكبت ومن ثم تولد الخوف، فتراقب الدجاجة حركات الضيوف في سرية تامة من خلال الشرفة، كما تراقف العجوز تحركات مسافر في سرية من خلال ثقب الجدار خوفاً من أن يراها.
ويواصل محمود الرحبي في تأكيد أسلوب الفصل والكبت في التربية من خلال الرمزية ذاتها. حيث تمنع العجوز الدجاجة من الذهاب إلى بيت مسافر حتى لا يشاكسها الديك. وفـي المقابل نجـد الديـك حين انشغال مسافر والمرأة العجوز يستغل الفرصة، و” يعاود مشاكسته للدجاجة، فتهرب منه، ويطاردها إلى أن يحاصرها في زاوية مظلمة … ” ، ” فيقرر مسافر أن يربطه بحبل يمتد إلى أعلى الجدار الفاصل بين بيته وبيت العجوز، وعندما تنام العجوز، تشتاق الدجاجة إلى رؤية الديك، فتتسلل بهدوء إلى المزرعة، وتقف قبالة الديك النائم فوق الجدار، … وعندما تمتلئ عيناها من رؤيته، تعود إلى فراشها، وتنام بجانب العجوز “.
إذن الرمزية المفعمة في القص يؤكد بها القاص أن الكبت في التربية يولد الانفجار، فضلاً عن السلوك غير القويم وهو ما يتضح من استغلال الديك فرصة انشغال مسافر والعجوز ومشاكسته للدجاجة، وكذا من تسلل الدجاجة ليلاً لرؤية الديك وفي غفلة العجوز.
ولما كان الحب قيمة أساسية في حياة الإنسان، تعينه في تكوينه النفسي والمعنوي، فإن حرمان الإنسان منه يؤدي إلى الموت والهلاك. كما أن بقاء هذه القيمة يحتاج إلى طرفين متكاملين ومتوافقين، ومن ثم فإن الدجاجة تموت نفسياً حين تحرم من رؤية حبيبها الديك، كما تموت جسدياً حين تقف عاجزة عن الدفاع عن حبها أمام (القط المتوحش) (رمز المجتمع) الذي التهم الديك، فلم يبق منه سوى (ساقه المربوط بالحبل).
وختاماً لهذا البحث نعرض في إيجاز أهم ما احتوى عليه من أفكار. بدأ البحث بمدخل يعلل صعوبة إقامة بحث يحوي النشأة والتطور للقصة العُمانية وفي ذات الوقت يبين بعض الخطوات الهامة لإقامة مثل هذا النوع من البحث، ثم تطرق البحث إلى تعريف القصة القصيرة من خلال الحديث عن القصة العُمانية القصيرة في مرحلة التسعينيات، كما تضمن الإشارة إلى أسماء المبدعين في هذه المرحلة وإنتاجهم القصصي، فضلاً عن الدراسة التطبيقية التي أقيمت على بعض نماذجهم القصصية. ثم انتقل البحث إلى الجانب التطبيقي الذي تناول المضامين واتجاهات السرد في نماذج من القصة العُمانية القصيرة في مرحلة التسعينيات، حيث انصب البحث على تحليل مجموعة من النصوص القصصية التي يجمعها موضوع واحد (معاناة الكادحين)، هذا بالإضافة إلى اجتماع اتجاهي السرد: الرومانسي والواقعي فيها.
وقد تم التوصل إلى أن مريم النحوي عرضت لحياة البائسين والكادحين من الناس من خلال شخصية الموظف البسيط في قصة (خطوة للقاع) حيث استخدمت الأسلوب الممعن في التقريرية، وسردت القصة بضمير المتكلم. وتجلى الجانب الفني فيها من عملية المزج بين الحلم والواقع، على نحو حقق لنا دلالات بعيدة المدى تسمو فوق التجربة الذاتية إلى الموضوعية الخارجية، هذا فضلاً عن توظيف المأثور الشعبي متمثلاً في الحلم الذي كان له دوره الفعّال في تشكيل دلالة النص.
ولم يختلف محمد اليحيائي في قصة ” موت المواطن الصالح ” عن مريم النحوي، من حيث التركيز على شخصية الموظف، فضلاً عن توافر الاتجاهين الرومانسي والواقعي في السرد، واستخدام المأثور الشعبي الذي تمثّل في التركيز على مظهر البطل (الموظف)، وسلوكه.
وترد قصة ” طفل المساءات الباكية ” لمحمد الرحبي مؤكدة معاناة طبقة المسحوقين من البشر، وإن اختلفت في طريقة عرض المعاناة، إذ لم يركز محمد الرحبي على شخصية بعينها، بل على حدث معين (موت طفل بمرض الحصبة)، الذي تم من خلاله إبراز المعاناة من زواياها الثلاث: الفقر، الجهل، المرض. ومحمد الرحبي في سرده لقضية المعاناة مركزاً على اللغة والمكان وبعض المأثورات الشعبية، يسعى نحو الإعلاء بالحدث إلى مستوى طرح سؤال هو: من المسؤول عن موت أطفالنا ؟ وإذا كانت واقعية محمد الرحبي تقع في نطاق رومانسي تجلى في الأسلوب اللغوي، وضمير الغائب اللذين عكسا شدة الإحساس بمعاناة الآخر. فإن محمود الرحبي في قصة (ظل الريش) يسبر أغوار المعاناة في جانبها النفسي مبيناً آثارها السلبية المتمثلة في القمع والكبت الشعوري، اللذين يركز القاص عليهما من خلال واقعية المكان، ورومانسية الحدث، ورمزية العلاقة بين الطير والإنسان وبين الإنسان والمجتمع.
تلك هي أهم الأفكار المضمنة في البحث، فضلاً عن موضوعاته، وأهم ما توصلنا إليه من نتائج.

الـهـوامـش
(1)    راجع: يوسف الشاروني. في الأدب العُماني الحديث، ط1، لندن، رياض الريس للكتب والنشر، سبتمبر 1990م، ص ص 13 – 148.
(2)    عن المجموعات القصصية لتلك الأسماء، وعن دراسة تحليلية لبعض نماذجهم القصصية راجع:
– آسية بنت ناصر بن سيف البوعلي. السرد في نماذج من القصة العُمانية القصيرة، مجلة كلية الآداب، (إصدار خاص)، جامعة المنصورة، ع29، أغسطس 2001م، ص ص 1 – 56.
(3)    راجع: علي المعمري. مفاجأة الأحبة، ط1، المغرب، الصحراء للطباعة والنشر، 1993م.
ـــــــــ. سفينة الخريف الخلاسيّة. ط1، بيروت، دار الجديد، 1995م.
ـــــــــ. أسفار دملج الوهم. ط1، بيروت لبنان، الدار البيضاء، المغرب، المركز الثقافي العربي، 1997م.
(4)    راجع: سالم آلتوية. المطر قُبيل الشتاء، ط1، مسقط، مطبعة عُمان، 1994م.
(5)    أحمد علي المعشني. دثار، ط1، عَمّان، دار الكرمل للنشر والتوزيع، 1998م.
(6)    محمد اليحيائي. خرزة المشي، ط1، القاهـرة، دار شرقيات للنشر والتوزيع، 1995م.
(7)    ـــــ . يوم نفضت خزينة الغبار عن منامتها، ط1، بيروت، دار الفارابي، 1998م.
(8)    محمد بن سيف الرحبي. بوابات المدينة، مسقط، دار جريدة عُمان للصحافة والنشر، 1993م.
(9)    ــــــ . ما قالته الريح، ط1، القاهرة، دار الشروق، 1420هـ – 1999م.
(10)    محمود الرحبي. اللون البني، ط1، سوريا، دار المدى للثقافة والنشر، 1998م.
* موظفة بالمكتبة الرئيسية بجامعة السلطان قابوس.
(11)    محمد اليحيائي. خرزة المشي، مصدر سابق، ص ص 51 – 52.
* لاحظ أن “الدشداشة البيضاء (أي الجلباب البيضاء اللون) والمصر (أي العمامة)”، يمثلان الزي الشعبي التقليدي للرجل العُماني.
(12)    محمد بن سيف الرحبي. ما قالته الريح، مصدر سابق، ص ص 58 – 60.
(13)    محمود الرحبي. اللون البني، مصدر سابق، ص ص 9 – 10.

مضامين القصة العُمانية القصيرة
(مرحلة التسعينيات نموذجاً)
بحث مقدم ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي للقصة القصيرة
جامعة السلطان قابوس
( 21/4/2002م )

الكاتب: Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s