Asyah Al Bualy Articles

لقاء على الهواء

أضف تعليقاً

Hisham SaleemYousra

قد يبدو غريباً أن أناقش الآن دراما تلفزيونية عُرضت خلال شهر رمضان الكريم، حيث انقضى الموسم منذ فترة، وتناولت مختلف الأقلام المسلسلات المعروضة خلال الشهر الفضيل بالتعليق والانتقاد فضلاً عن شراسة اللفظ التي قد تصل إلى حد التجريح الشخصي للفنان. الأمر الذي لا أستصيغه على الصعيدين الإنساني والأخلاقي.
فبعيداً عن أسلوب الهجوم أود تناول مسلسل (لقاء على الهواء) بموضوعية تهدف نحو الوقوف على أهم المنحدرات التي أربكت من حركة الصعود الدرامي للعمل، فضلاً عن المنعطفات المختلفة التي أضعفت الاتجاه الصحيح للدراما إلى المشاهد، ومن ثم نشأت فجوة واسعة بين الطرفين ترتب عليها مساحة اغتراب عجز فيها المسلسل عن جذب المشاهد واحتوائه، كما فشل الأخير في استيعاب وتذوق مفردات العمل، فبدى العمل بأكمله خالياً من العمق الفني والإيحاء الدرامي والتأثير النفسي.
(لقاء على الهواء) دراما تلفزيونية من إنتاج العدل جروب، قصة وسيناريو وحوار محمد أشرف، إخراج محمد النجار، تصوير وإضاءة سينمائية محسن نصر، موسيقى تصويرية وألحان خالد حماد، بطولة الفنانة: يسرا وبمشاركة الفنانين: هشام سليم، حسن حسني، سامي العدل، طارق التلمساني، فضلاً عن باقة من نجوم التلفزيون.
ومنذ المتابعة الأولى للدراما يتضح للمشاهد ما يطرحه العنوان (لقاء على الهواء) من تنوع دلالي ينم عن وجود المذيعة (لقاء) في برنامج تلفزيوني يُنقل مباشرة على الهواء، كما يحوي العنوان دلالات استضافة لضيف في برنامج على الهواء، فضلاً عن التأكيد على معاني الجمع في لقاء مباشر بين الجمهور وبرنامج (كلامي أو حديثي) Talk Show يذاع أسبوعياً.
ومن هذه التيمة الدلالية اتخذ المؤلف فكرة البرنامج مجالاً خصباً، وأرضية واسعة لطرح كل القضايا الشائكة في المجتمع المصري، والتي في تقديري لا يختلف الكثير منها عن مثيلها الموجود في بعض المجتمعات العربية، فكان أهم ما طرح قضايا الفساد للخُلق الإنساني، وما يستتبع ذلك من اضمحلال الضمير والأمانة كقيمة، ومن ثم لا مانع من توزيع وبيع المواد الغذائية الفاسدة على المجتمع، ونفاد تاريخ صلاحيتها لا يمثل عائقاً لتسويقها، كما لا يعوق نفاد تاريخ صلاحية بعض المستلزمات والمعدات الطبية من توظيفها لعلاج المرضى لاسيما الفقراء منهم. كما تطرح الدراما قضية المبالغة في استخدام المبيدات الزراعية والهرمونات المختلفة وما يستتبع ذلك من آثار صحية سلبية قد تصل إلى حد الإصابة بالأمراض الخبيثة، وتتواصل قائمة الفساد بقضايا فنية كتفشي الفن الهابط لاسيما المبتذل من أغاني (الفيديوكليب)، وأخرى تربوية تجسد خلل العلاقات الأسرية متمثلاً في الخيانة الزوجية والزواج النفعي القائم على تبادل المصالح، بالإضافة إلى التجاوز الخلقي لفظاً وسلوكاً وفعلاً من قبل الأبناء في تعاملهم مع ذويهم، هذا فضلاً عن استغلال الآباء لأبنائهم لصالح مصالحهم الشخصية المادية البحتة.
وفي ظل القائمة الطويلة من المساوئ والسلبيات تطرح الدراما خطاً رومنسياً راسماً في حركة صعوده وهبوطه مثلثلاً يجذب كل طرف فيه ذاكرة المشاهد نحو مرجعية الحب والرومانسية في أفلام الأربعينيات والخمسينيات، حيث تشابك الأطراف الثلاث واجتماعها على تأكيد فكرة الرومانسية بوصفها قيمة وفلسفة، وعليه كان وجود الصديق المحب الصبور والمسخر كل إمكانياته المعنوية والمادية من أجل راحة محبوبته، فضلاً عن العاشق الذي يظل عشقه أسير الصمت نتيجة لافتقاره إلى الإمكانيات، والذي على استعداد تام بأن يضحي بحبه من أجل راحة محبوبته، وضمان الحماية والحياة الكريمة لها. اتساقاً مع مبدأ (ضحيت هانايا فداه وحعيش على ذكراه “محمد عبدالوهاب”)، وأخيراً الحبيبة أو المعشوقة التي تتأرجح وتتخبط في مشاعرها بين الاثنين لتستقر على الأخير لا لسبب بعينه سوى أن مع الحب تنتفى الأسباب والمبررات.
وبالرجوع إلى القضايا المطروحة على مستوى النص المكتوب نلاحظ أن جميعها أو بعضها كان كافياً أن يكسب العمل الدرامي خصوصيته الفنية، خاصة في ظل توافر أداء تمثيلي رائع ومميز، لاسيما من قبل النجمة الفنانة: يسرا التي أدت الدور لشخصية (لقاء) الإعلامية ببساطة وبتلقائية لا تخلوان من تأكيد لجوانب الشخصية الداخلية والخارجية فضلاً عن عمق مؤثر، كما أدى الفنان: هشام سليم لدور العشيق والجار (عمر) باجتهاد واضح استطاع أن يثير شفقة المشاهد وتعاطفه بما فجره في الشخصية من جانبين: رجولي وطفولي، والفنان: حسن حسني مثل دور (غريب بيه) رجل الأعمال المشتبه في أعماله التجارية والشرير في سلوكه، ففي أدائه جمع بين الجانبين: التراجيدي والكوميدي للشخصية.
والفنان: طارق التلمساني جسد الدور بهدوء يتسق مع طبيعة شخصية (سليم) الصديق العاشق المضحي دوماً. ومي عز الدين التي قامت بدور (شهد) ابنة رجل الأعمال غريب بيه، استطاعت أن تؤكد للمشاهد قدرتها على النوع الأدائي، ومن ثم إتقان تمثيلي يؤهلها للصعود نحو النجومية بخطى ثابتة.
إذاً كل ما سبق كان أهلاً لنجاح هذا العمل الفني بيد أن هناك خلل ما وقع في تضافر عناصره الفنية، فبدى الكثير منها في استقلالية تفتقد الترابط الحلقي، وبإمعان النظر في مواطن الخلل نجد أبرزها يتمثل في التالي:
إن الشخصية النموذجية والمثالية للإعلامية (لقاء)، أدتها يسرا بجمال فني، بيد أن الملامح والتفاصيل الدقيقة للشخصية لم ترسم بحدة وبوضوح، بحيث تستطيع هذه التفاصيل أن تحول دون شعور المشاهد بتكرار النمط. لاسيما وأن هناك تشابه بين قالب هذه الشخصية، وبين شخصيات أدتها يسرا سلفاً مثل: حياة الجوهري وملك روحي وغيرها، وإذا كان مبدأ التكرار له ما يبرره واقعياً، متمثلاً في أن يسرا نجمة لها قاعدة جماهيرية عريضة، ومن ثم ضمان تأكيد تأثير الكلمة ومبدأ القيمة والخلق على المشاهد لاسيما عبر شهر وجهاز يضمنان كثافة الحضور. بيد أن كل ذلك لابد أن يتم بحذر شديد حتى لا يوقع المشاهد في شعور التلقين المتكرر، لاسيما وأن هناك تقارب زمني (نسبياً) بين هذا العمل والأعمال الدرامية السابقة، والتكرار لم يقف عند الحد السابق، بل تواصل أيضاً مع فنانين آخرين هما: حسن حسني وسامي العدل، الأمر الذي أراه لم يكن له تأثيره السلبي على شعور المشاهد فحسب، بل على الفنان نفسه إذ جعله أسير دور شبيه بأدواره الرمضانية السابقة.
بعض الشخصيات وردت في العمل الفني غير مقنعة للمشاهد، ولا منطقية في تحولاتها الداخلية، إذ كيف لشخصيات مثل شخصية رامي وشهد وعمر، تتحول من قمة اللامبالاة والإغداق على المخدرات والخمور. إلى أقصى الجدية تتأثر بكل ما حولها؟ مما أشعر المشاهد بوجود عصى سحرية وراء هذا التحول. هذا فضلاً عن أن بعض هذه الشخصيات جاء مقحماً على العمل الدرامي كشخصية (شهد)، فلم يكن ما يبرر وجود هذه الشخصية في معظم الحلقات، سوى تفجير ضحكة المشاهد إثرا سماع الحوارات الفجة التي تقع بينها وبين أبيها (غريب بيه)، وفي حقيقة الأمر أن وجود شخصيات مثل (شهد) لا يمثل ظاهرة على الإطلاق في المجتمع المصري، وهو ما يجعلني أتساءل عن السبب وراء التركيز على المَشاهِد التي تجمع بين شهد وأبيها، لاسيما وأن مضمون الحوارات في تلك المَشاهِد يكاد يكون مطابقاً. أما الفنان حسن حسني فقد أدى دور غريب بيه بطبيعة خاصة، لكن الإصرار على إضفاء الجانب الكوميدي على الشخصية أفقدها جديتها، ومن ثم مصدقيتها وواقعيتها، فبدت الشخصية كاريكاتورية كوميدية الطبع، (اللص الظريف).
بعض الأحداث وردت ممطوطة عبر العمل الدرامي فاحتلت مساحات زمنية كان المشاهد في غنى عنها منها على سبيل المثال لا الحصر، حدث وقوع البطلة (لقاء) في أيدي قطّاع الطرق ومحاولتهم ابتزاز الأطراف المختلفة، وكذا حدث وجود (لقاء) في البيت القروي وما ستتبع ذلك افتعال حدثي طويل وممل، هذا فضلاً عن مبدأ توظيف المشاهد الإضافية كمشاهد رقص (نانسي) الفنانة: سمية الخشاب أمام غريب بيه وغير ذلك من المشَاهِد.
ومن المؤكد أن ما سبق لم يمثل كل سلبيات الحدث الدرامي بل ورد على أرسها أسلوب المعالجة المؤسس على مبدأ التراكم للحدث، فما ينتهي حدث حتى يتولد آخر دون ربط محكم فنياً وجمالياً، وهو ما أدى بانزلاق العمل بأكمله في منحدر الحشد المشهدي وتخمة السياق.
الحدث الدرامي حاول جاهداً أن يطرح الرومانسية كقيمة مفتقدة، ومن ثم كان توظيف الشرفة (البلكونة) وحدة مكانية الغرض منها إشباع المشاهد بكل دلالات التواصل الإنساني عامة والرومانسي خاصة، وعليه كان الارتكاز على مفردات بعينها كمفردة (المشبك الخشبي) بوصفها وسيلة للنداء على الآخر والتواصل معه من خلال رمي المشبك على النافذة وهي عملية تعد بدائية في زمن تهيمن عليه كل سبل التكنولوجيا، هذا فضلاً عن مفردات ورموز أخرى مثل: أغاني أم كلثوم مما أعطى الرومانسية بوصفها قيمة بعدها الصوتي والزمني والمكاني والبعد الأخير أُكد بالتركيز على الفضاء الحدثي (حي الزمالك) رمز الرومانسية وملتقى العاشقين في زمن ما في مصر، وللتأكيد على هذه الزمنية لاحظنا انعدام كل المؤثرات الصوتية الواقعية كضجيج السيارات وضوضاء الشارع من المكان ، ليحل محلهما السكون الذي كان الغرض منه إضفاء المشاهد بشعور الراحة النفسية.
ومما لا شك فيه أن كل ما سبق كان من المفترض أن يكون لتوظيفه أثره الفعّال على المشاهد، بيد أن هذا التوظيف جاء باهتاً ضعيفاً فنياً لاعتبارات عدة أهمها: أن شخصية (عمر) الفنان هشام سليم، الذي مثل شخصية العاشق الولهان الذي على استعداد تام أن يضحي بكل مشاعره من أجل سعادة محبوبته (لقاء) يسرا، جاءت هذه الشخصية بما لديها من جانب اللامبالاة وإدمان الخمرة والمخدرات- غير مستقة مع نموذجية شخصية العاشق في الثقافة المرجعية للمشاهد، ومن ثم فشل الأخير في التواصل معها عاطفياً ورومانسياً. وكل ما هنالك أن الشخصية أثارت إشفاق المشاهد عليها. كما أن اللقاءات بين (لقاء) و(عمر) عبر الشرفة جاءت ممطوطة خالية من التصاعد الدرامي، مما أفقد الشرفة بوصفها مكاناً قدرتها على تفعيل شعور المشاهد وخياله كي يتجاوز الحدث زمنياً، ومكانياً. وظلت الشرفة أسيرة دورها التقليدي، خلفية صامتة تستقبل الحدث.
مع كل الاحترام والتقدير للإعلامية المشهورة (د. هالة سرحان) إلا أن ورودها كضيفة شرف في إحدى الحلقات، لم يكن موفقاً فنياً، لاسيما وأنه معروف اجتماعياً أن للإعلامية المشهورة ساحة بغض. الأمر الذي هبط بموضوع الحلقة وحوله إلى نوع من الرد المباشر من قبل د. هالة سرحان على أعداء النجاح؛ هذا مع الوضع في الاعتبار أن هذه الحلقة بما فيها من اتساق فني مع الحدث الدرامي، من منطلق أن موضوع الدراما يتناول إذاعة برنامج بعينه عبر قناة فضائية والواقع والمجتمع قد نالا من المذيعة المشهورة والخاصة بالبرنامج، كل ذلك كان أهلاً لنجاح الموقف الدرامي لولا التوظيف الذي جاء مباشراً للغاية.
ولما كان المجال لا يتسع لطرح عناصر أخرى أهبطت بالمستوى الفني للدراما وهو ما يتمثل في بعض المشاهد بما فيها من إضاءة وتصوير ومونتاج … إلخ، فإنني أكتف بعنصر واحد أخير وهو الموسيقى التصويرية، إذ وردت على خلاف ما ألفناه من ألحان خالد حماد، حيث لم تكن الموسيقى في هذه المرة سوى زخرفة سمعية، فغاب عن المشاهد الحضور الفعلي لجملتها التي تعد ضمن أساسيات الكشف عن العمق الفني للدراما، إن لم تكن ركيزة أساسية من ركائز الحكم على نجاح العمل أو فشله.

الكاتب: Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s