Asyah Al Bualy Articles

الفضاء الروائى فى رواية «الطواف حيث الجمر» لبدرية الشحي دراسة تحليلية

أضف تعليقاً

ملخص البحث

موضوع هذا البحث هو : “الفضاء الروائى فى رواية «الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحى : دراسة تحليلية”.

يستند البحث إلى المنهج التأويلى , بغية الكشف عن حقيقة الخطاب الأدبى , والوقوف على جمالياته , وذلك بتناول الفضاء الروائى بأقسامه الثلاثة : الموطن الأم (عمان), البحر , أرض المفر ( أفريقيا) .

ومن بين الدوافع وراء إعداد هذا البحث أن الفضاء الروائى لم يحظ بدراسة مستقلة فى التناولات السابقة التى عرضت للرواية , رغم أنه يتجاوز دوره , بوصفه خلفية تقع عليها الأحداث , إلى الكشف عن دلالات عميقة , وردت تارة بتقنية الوصف , وأخرى بتوظيف الرمز , وثالثة بواسطة الصورة الفنية . فضلاً  عن أن قراءتنا لهذا الفضاء لا تأتى بمعزل عن بقية العناصر الأخرى للرواية , استناداً إلى أنه يعد بؤرة فنية تجتمع فيها عناصر الرواية وتتشابك , وإلى أن الفهم الصحيح له, لا يتأتى إلا بالنظر إليه فى علاقته بها .

 

Summary

The topic of this research is: the novelistic space in the novel entitled “Al Tawaf Hytho Al Gamr”: (Perambulating Around Embers) by Badryah
Al Shehi: “An Analytical Study”.

The research is based upon Hermeneutics with the purpose of revealing the meaning of literary discourse and its aethetics, by studying the novelistic space with its three locations: the native land (Sultanate of Oman), the sea and the land of escape (East Africa)

One of the motives of this research is that the novelistic space has not been focused by any previous research that has dealt with the above mentioned novel, though that space transgresses its role, as a background of events, to reveal deep implications in the text. These implications are expressed by using descriptions, symbols and rhetoric figures.

In addition, it must be considered that our study of the novelistic space is not isolated from the other elements of the novel, on the basis that the space is regarded as an artistic plot where the elements of the novel gather and join together, since the right comprehension of it can not be achieved without considering the relation between it and the rest of the novel’s elements.

تمهيــد:

الفضاء الروائى هو المسرح الروائى برمته , حيث تعد الأمكنة الروائية جزءاً منه. ويعد هذا المصطلح موضع اهتمام دارسى الرواية , الأمر الذى نتج عنه مجموعة من المصطلحات المختلفة المرتبطة به .

ولما كان المكان – باعتباره جزءاً من الفضاء الروائى – يتعدى كونه مجرد موضع فى الواقع المعيش , أو خلفية صامتة تقع عليها أحداث الرواية , فإنه عنصر غالب فيها, حامل للدلالة , يمثل محوراً أساسياً من محاور عناصر الرواية . ومن ثم يعد المكان جزءاً من خصوصية العمل الأدبى وأصالته . والبناء اللغوى فيه يجعله شيئاً مختلقاً, أى مُتخيَّلاً, إذ ليس بالضرورة أن يكون له وجود فعلى فى الواقع الخارجى . وذلك على اعتبار أنه بناء لغوى “تقيمه الكلمات انصياعاً لأغراض التخييل وحاجته , (فالمكان إذن) نتاج مجموعة من الأساليب اللغوية المختلفة والمختَلقَة” (1). ومن ثم يرى بعض االدارسين أن “عبقرية الأدب حقاً, حيزه” (2), وأن الجانب الجمالى للمكان يعد أحد معايير الحكم على جودة الرواية والقدرات الفنية للروائى .

دوافع الدراسة :

إن دراستنـا لعنصر الفضاء الروائى فى رواية “الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحي(3), تعززها مجموعة من الدوافع , فالرواية التى تعد أول رواية لقاصَّة عُمانية, ما هى إلا صدى فنى للوجود العُمانى فى المهجر الأفريقي(4); إذ تجسد حدث هروب “زهرة”, البطلة , ابنة الثلاثين عاماً , من منطقة “نزوى” بسلطنة عُمان إلى الأراضى الأفريقية عبر البحر , بحثاً عن تحقيق الذات ; بنيل الحرية والاستحواذ على السلطة , وسعياً وراء حبيبها, “سالم” ابن عمها , الذى تركها مهاجراً إلى أفريقيا ليتزوج من امراة أفريقية , تاركاً إياها , تعانى لوعة الفراق , وتكابد حياة نمطية رتيبة , يؤرقها فيها شعور مفعم بالقمع والقهر مثلها فى ذلك مثل بقية النساء فى مجتمعها . وحين بلغ القمع أشده متمثلاً فى إرغامها على الزواج ممن لا ترغب , وهو “عبد الله” ابن عمها , الذى يصغرها سناً , كان قرارها الهروب من موطنها الأم, متحملة فى رحلة الهروب هذه كل صنوف الإهانات لا سيما ما صدر منها من جنس الرجال مثل : النوخذة “سلطان” أحد الركائز الأساسية فى عملية الهروب … وتتوالى أحداث الرواية حتى وصول زهرة إلى أفريقيا , واستقرارها بها , وزواجها من البحار “صالح”, وإحساسها الدائم بالندم على اقترافها فعلة الهروب تاركة والديها يتمرغان فى وحل الفضيحة والعار , فضلاً عن فشلها الذريع فى الوصول إلى سالم , وتحقيق حلمها المنشود ; الحرية(5).

إن الفضاء الروائى , بما فيه من تقسيم ثلاثى للمكان ; الموطن الأم (عُمان) , البحر, أرض المفر (أفريقيا) – بما يندرج تحتها من مفردات مكانية – لم يحظ بدراسة مستقلة ومتأنية فى القراءات التى عرضت للرواية موضوع الدراسة.

ففى قراءة بعنوان “الطواف حيث الجمر : بدرية الشحى اللاوحدوية فى تحليل النص السردى”, انصب الاهتمام على إثبات أن النص السردى فى الرواية قائم على اللاوحدوية , حيث إن الرواية مبنية على تقاسيم الأدوار بين عناصرها الفنية , انطلاقاً من تقنية الرواية الحديثة التى ترى أن السرد الروائى لم يعد يهتم بوجود شخصية بطولية واحدة, كما لا يؤمن بواحدية الحدث أو الحبكة أو الزمان أو المكان ; فالأدوار فى النص السردى الحديث تتنوع وتتوزع بين أكثر من عنصر فني(6).

وقد اهتمت قراءة أخرى بتصنيف لغة السرد عبر صفحات الرواية من حيث تشكيلها من نسيج من المصطلحات والتعليقات التى تعبر عن العنصرية . وخلصت القراءة إلى أن الرواية سطحية هزيلة , تفتقر إلى المضمون على المستويين : السردى والفكري(7).

وفى قراة ثالثة , قدمت باحثة بولندية , عرضاً لأحداث الرواية ضمن مؤلف حوى نماذج من الكتابات العُمانية , النثرية والشعرية . وفى هذا العرض أشارت الباحثة إلى أن طبيعة أحداث رواية الطواف حيث الجمر لها علاقة بـ “الوضع الاجتماعى للمرأة , وهو وضع تقيده قوانين منبثقة من عادات وتقاليد معينة”(8), كما أشارت الباحثة إلى تناول الرواية لقضية العبودية واحتوائها على شخصيات تنتمى إلى فئات اجتماعية مختلفة تتصف بالسطحيـة ويكتنفها بعض الغموض , ومع ذلك فقد استطاعت الرواية جذب انتباه القارئ(9).

وجدير بالذكر أن الباحثة سردت فى المؤلف ذاته , أحداثاً لنماذج من القصص القصيرة لبدرية الشحى , لافتة النظر إلى أن موضوعات تلك القصص “وطيدة الصلة بتراث معين وتقاليد , وكذا بقضايا تتعلق بالمجتمع والدين والأسرة (العُمانية) “ (10).

وثمة دراسة أكاديمية تناولت تحليل الخطاب السردى فى رواية “الطواف حيث الجمر” وذلك ضمن ما تناولته من تحليل للخطاب النسوى لروايات من تأليف كاتبات منتميات إلى دول مجلس التعاون الخليجى .

والباحثة التى اهتمت بتحديد تقنيات الخطاب الروائى فى الروايات وتحليل مكوناته وفقاً للأنساق السردية , خلصت إلى أن رواية بدرية الشحى تنتمى إلى النسق التقليدى فى السرد الروائى , وأن اللغة فيها لم توظف بوصفها أداة إنتاج , بل أداة توصيل للمعلومة أو الفكر أو الرأى , كما أن الحوار فيها يقترب من العامية الدارجة . وموضوع الرواية انصب على الطبقية الاجتماعية والعنصرية الموجودة بين العرب السادة والأفارقة العبيد , وشخصيات الرواية تتسم بالبساطة وهى غير مقنعة , فضلاً  عن أن شخصية البطلة محملة بكثير من الأفكار وآراء المؤلفة أو الساردة(11).

وبناء على ما تقدم , ونظراً لما أسفر عنه تأملنا لعنصر الفضاء الروائى من أنه يمثل ركيزة أساسية ومنبعاً لمختلف دلالات النص الروائى , وينقسم إلى ثلاثة أماكن موضوعية: الموطن الأم – البحر(*) – أرض المفر , فضلاً عن أن سبل إتيان هذا الفضاء تتنوع بين الوصف واستخدام الصورة الفنية وتوظيف الرمز , مع اختلاف وظائف تلك السبل داخل سياق النص – لكل هذه الأسباب مجتمعة , آثرنا اختيار الفضاء الروائى موضوعاً للدراسة.

منهج الدراسة :

لعل أنسب منهج لدراستنا التحليلية للفضاء الروائى , بغية الكشف عن مضامينه , هو المنهج التأويلى , استناداً إلى “أن شيئاً ما داخل النص أو خارجه ينبغى أن يوضح , أن المعنى الذى يمكن إدراكه مباشرة يجب اعتباره فقط نقطة انطلاق لاستفسار سوف تكون نتيجته النهائية معنى ثانياً”(12) .

والتأويل الذى يتولد من الفجوة التى غالباً ما تكون بين معنيين , هو الذى يسمح بالتعامل مع النص بانفتاح , إذ “به نبحث عن احتمالات المعنى , وننقب فى الطبقات المفهومية للقول , ونستكشف الاتجاهات الفكرية للخطاب”(13). ذلك أن النص لا يقول الحقيقة وإنما “هو خطاب يثبت جدارته ويخلق حقيقته”(14), وبعبارة أخرى ; يفتح علاقة مع الحقيقة; فالنص “ليس بأطروحاته وبياناته , بل بما يتأسس عليه ولا يقوله , بما يضمره ويسكت عنه”(15).

وغنى عن البيان أن تحليلنا للفضاء الروائى وما يندرج تحته من أماكن تحوى مفردات مختلفة , لن يكون بمنأى عن شكله الذى قد يتمثل فى مواصفات النوع والحجم والارتفاع والانخفاض واللون وزوايا الحركة … إلخ . ذلك أن “العمل الفنى الأصيل يقوم فيه الشكل (أى طريقة البناء) بنفس الدور الذى يقوم به المضمون”(16), فضلاً  عن أن تحليلنا للفضاء الروائى لن يتم بمعزل عن بقية العناصر الأخرى ; إذ إنه بؤرة فنية تجتمع فيها شبكة من العلاقات التى تجمع بين مختلف عناصر الرواية .

الدراسة(*):

ينقسم الفضاء الروائى – كما أشرنا سابقاً – إلى ثلاثة أماكن موضوعية رئيسية تضم أماكن أخرى ثانوية .

أولاً : الموطن الأم (عُمان):

ويتمثل فى منطقة نزوى بسلطنة عُمان حيث بلدة “الجبل” مسقط رأس “زهرة”. وهذه البلدة بالنسبة لها هى أرض الواقع ومنبع القلق , وتمثل “جهنمية الأرض”, حيث انتهاء الأحلام وتكسيرها , عند “الحدود والأسوار الكئيبة”; العادات والتقاليد . وعليه فإن بلدة الجبل داخل زهرة تعنى اللاحرية واللإنطلاق وهى فى ذاكرتها “الركن القصى” لطفلة محاطة بأشباح العيب والعار , ومنبع الإحساس بالخطيئة الدائمة(17).

ولما كانت تأملات مرحلة الطفولة تعد نماذج مثالية , تفصح عن العلاقة التى تربط بين الإنسان والكون , فإن كل ما هو منفتح على الطفولة له قوة الأصالة , بما فيها من دهشة الطفل لاكتشافه الحقائق لأول مرة , وبما تنطوى عليه من أنماط سلطوية أبوية وأمومية. فزهرة تعجز فى مرحلة الشباب عن إقصاء منظر (الفلج)(*) من ذاكرتها; إذ كان قيداً على حريتها فى الوقت الذى كان فيه مرتعاً لانطلاقة إخوتها وحريتهم المطلقة. كما تعجز عن نسيان (الحقل) ; إذ كان موضع كدها الجسدى وعملها الشاق تحت وهج الشمس , وكذلك “شجرة الغاف الكبيرة” حيث كان مشهد حرمان أبيها لها من متعة الإحساس بانطلاقة الطفولأة وبراءتها حال وجودها تحت الشجرة مع أقرانها فى درس القرآن(18).

وحيث إن الذكريات عن أماكن بعينها تفيد – فيما تفيد – إحساس المرء بذاته وتأكيد هويته وترسيخ الشعور باستمراريتها(19), فإن الأماكن الفرعية السابقة تعد تأكيداً لهوية زهرة , بوصفها طفلة (عُمانية عربية شرقية) أسيرة العادات والتقاليد وضحية الموروث الذى يمعن فى غرس أحاسيس الخوف بداخلها منذ طفولتها حتى شبابها, تلك الأحاسيس التى تعكسها ذاكرة زهرة , حين تسترجع (دار فضيلة), صاحبتها , التى كانت مسرحاً لحدث تسلل إخوة زهرة ليلاً ليتناوبوا على فضيلة “كالذئاب”, فكان حملها سفاحاً ومن ثم المشهد المروع ; دفنها حية فى (سفح الجبل); وهو مشهد تسترجعه زهرة , وكأنها تراه رؤيا العين , رغم البعد المكانى والزمانى بينهما(20).

وفى ضوء ما تقدم , يتضح أن المكان , بما يحويه من أحداث , وبما يولده من مشاعر لدى زهرة , يبلور طبيعة العلاقة بينهما (زهرة والمكان) , بحيث يمكننا القول أن للمكان بعداً نفسياً يسبر أغوار النفس البشرية , ويعكس ما “يثيره المكان من انفعال سلبى أو إيجابى فى نفس الحالَّ فيه”(21) .

وإذا كانت الأماكن الموضوعية السالفة الذكر , قد أتت خلفية مباشرة لما يقع عليها من أحداث , تبرز حرية الرجل المطلقة وحقه فى إشباع رغباته , فضلاً  عن البون الشاسع بين وضع زهرة الاجتماعى , الذى تقيده العادات والتقاليد , ووضع إخوتها , بما يتسم به من حرية وانطلاق , وبما ينم عن سلطة اجتماعية تربوية , فإن المكان الموضوعى يرد بالرمز فى موضع آخر من الرواية , وبصورة فنية يمكن أن نطلق عليها الاستعارة الموسعة وذلك حين تقول زهرة حال متابعتها مطاردة النوخذة سلطان لخادمتها الأفريقية (منيرة): “كانت الصورة تشبه كثيراً لعبة القطط المشردة فى الحقول , النداء الليلى الصارخ والملاحقة الذكرية , صورة شدتنى طويلا  , كنت اتبع القطط لأرى النهاية المشوقة وسط كثيب القت”(22).

وغنى عن القول أن الكلمات تصير رموزاً فى النص الروائى حين تكون موحية , توعز بمعان كثيرة , تلك المعانى التى يمكن التوصل إليها من طبيعة الكلمة ذاتها ومن كيفية توظيفها فى إطار الصورة الفنية , فضلاً عن علاقتها ببقية عناصر الرواية , مما يؤكد أن كلمة القطط الواردة فى السياق السابق تعد رمزاً ينطوى على دلالة الرغبة والحرية , ويشير إلى ثقافة مجتمع بعينه , تمنح الرجل السلطة والحرية المطلقة . وعليه يتسنى القول أنه من خلال اللغة “يمكن الدخول إلى عالم الإنسان – عالم الأيديولوجيات وتشكيل الهوية البشرية”(23).

كما أن توظيف كلمة القطط – باعتبارها رمزاً – داخل المكان الموضوعى (الحقل) وفى إطار الصورة الفنية من خلال التشبيه التمثيلى , قد حقق التماثل الحدثى بين ما يحدث فى واقع زهرة اللحظى المعيش , من ملاحقة الرجل للمرأة , وبين المشهد الذى يقع فى الحقل وتسترجعه زهرة . وما كان لهذا التماثل الحدثى أن يتحقق لولا توظيف الرمز والصورة الفنية التى هى “نتاج لفاعلية الخيال . وفاعلية الخيال لا تعنى نقل العالم أو نسخه , وإنما تعنى إعادة التشكيل , واكتشاف العلاقات الكامنة بين الظواهر , والجمع بين العناصر المتضادة أو المتباعدة فى وحدة”(24), وكذا لولا اكتساب المكان “صفة سيميوطيقية من خلال إعطائه قيمة دلالية تميز بين الظواهر المكانية التى لا يختلف بعضها عن بعض فى الواقع”(25). فالأشياء فى الوجود الخارجى قد يكون لها وظيفة وهى الإشارة إلى حقائق واقعة , بيد أن ورودها فى النص الروائى لا بد أن ينطوى على دلالة خاصة .

مما سبق , يتضح لنا ما للأماكن الموضوعية – بما يقع فيها من أحداث – من قيمة سيكولوجية , تفصح عن الحالة الشعورية لدى زهرة , بما تنطوى عليه هذه الحالة من إحساس زهرة بالتباعد النفسى بينها وبين تلك الأماكن . ذلك التباعد الذى يتبلور فى موضع آخر من الرواية , بأسلوب الوصف وبتكنيك يتمثل فى الاختفاء التدريجى لمشهد المكان الذى ترصده عين زهرة , حين تقول : “المزارع المنتشرة على سفوح الجبال تبدو من البعيد أصغر بكثير مما يفخر به أصحابها . أما بيوت الطين بأسقفها النخيلية فقد بدت متراكبة على بعضها وبانت على سطوحها الثياب المنشورة جنباً إلى جنب مع الليمون وأعذاق الرطب الملوحة بالشمس”(26). فالوصف الذى هو أداة تصوير المكان وبيان جزئياته وأبعاده من خلال صفاته الطوبوغرافية , يعطينا صورة مرئية للمكان بكل مواصفاته الخارجية , فضلاً عن “تهدئة الحركة السردية الصاخبة , والتخفيف من حدة الأحداث القهرية , من خلال بث صور بصرية تتسم بالرومانسية … ما أن تقع عليها العين حتى تستشعر الهدوء والسكينة”(27). كما أن تكنكيك الاختفاء التدريجى للمكان , لا يعكس بعد المسافة بين زهرة والمكان فحسب , بل يعكس أيضاً التباعد النفسى بينهما , استناداً إلى أن العين الراصدة للمكان ليست خارجة عنه , بل داخلة فيه , بمعنى أن الرؤية داخلية (عين زهرة).

والمفارقة التى يطرحها النص أن الأماكن الموضوعية التى تلفظها زهرة نفسياً هى ذاتها التى تحن إليها على اختلاف مفرداتها ; إذ تجترها ذاكرتها وهى على أرض أفريقيا , بنبرة شوق مفعمة بالرومانسية , فتحن إلى قريتها “الصغيرة النائمة على كتف الجبل , ودمية الطين المعجونة بماء الورد , وصيحات الديك … وملاحقة الصبية فى السنوات الأولى … والفجر الأبيض الندى , وأمان حضن الجبل”, حيث دارها “الصغيرة … وصداقة البقرات السمان فى الحظيرة”, وكذا “صويحبات الطفولة الحلوة”, ورائحة بلدها الجميل “بعطر الكيذا والنارنج”, و”الغدران” حيث “أمسيات السمر” . كما تتوق إلى الفلج الذى كان “روضة ورد جبلى لا تعرف الشوك”(28).

ومما لا شك فيه أن عملية الاسترجاع للمكان , تعد حالة تعبيرية وجدانية , تؤكد الإحساس بالانتماء له , والإخلاص للشيء المألوف . كما أن تأملات زهرة لطفولتها فى تلك الأماكن , تعيدها إلى جمال الصور الأولى , وتمكنها من معايشة حلم يقظة جديد .

وإذا كان حلم الإنسان بالبيت الذى ولد فيه – فى لحظات الاسترخاء القصوى- يعد , مـن وجهة نظر “باشلار” , نوعاً من الانخراط فى الدفء الأصلى وفى الفردوس المادى(29), فإنه يتسنى لنا القول بأن أحلام زهرة إزاء مسقط رأسها (بلدة الجبل), بما يضمه من أماكن مختلفة , تفضى إلى الدلالة ذاتها إذا ما اعتبرنا – مجازاً – أن بلدة الجبل تعد نوعاً من البيت الكبير .

ومن بين وظائف المكان فى النص الروائى أنه يعد قطعة شعورية وحسية من الشخصية ذاتها , الأمر الذى يتحقق فى الرواية من خلال مفردات بعينها (الظل – الحمام – الذبابة)(30), تكشف عما ينتاب زهرة من ثورة وغضب داخلى يتصاعد تدريجياً حتى استقرارها نفسياً على اتخاذ قرار الهروب . فزهرة حين تضيق ذرعاً بحياتها النمطية الرتيبة, حيث لا جديد , تصف مكان الخبز (الفرن/ المخبز) وهى تجلس قبالته , قائلة “رسمت النار ظلا  كبيراً لجسدى المتكوم بقربها , كان الظل يهتز ويغمق , يتحرك ويسكن , ظل يركبه الغضب”. فالمكان بما فيه من مفردات النار التى تنطوى رمزيتها على دلالات الارتقاء والسمو والتحول من حال إلى حال , فضلاً  عن التطهير , وكذا بما فيه من ظل , بحركته المتذبذبة ولونه المتصاعد نحو الدكنة , وتضخيمه لحجم جسد زهرة , يقوم بدور العاكس Reflector لأحاسيس زهرة الداخلية , المتأججة غضباً والراغبة فى الخلاص, وهى رغبة مشوبة فى الوقت ذاته بالتردد فى اتخاذ قرار الهروب , الأمر الذى يؤكده توظيف رمزية الظل , بما فيه من تضخيم لجسد زهرة . ذلك أن الظل يعد مرحلة وسيطة بين عالم الواقع وعالم الحلم ; فواقع زهرة مفعم بأسباب الإحباط , بينما حلمها فى الخلاص والحرية ذاخر بالآمال التى يستحيل تحقيقها . مما يفسر لنا أن عملية تضخم صورة جسد زهرة عبر الظل , ما هى إلا تعبير عن طموح التحقق الفعلى , وإن ظل هذا التحقق قيد الوهم لأنه من صنع الظل .

إن المكان يشهد تزامناً حدثياً . فزهرة تُخْبَر من قبل أمها بقرار زواجها من عبد الله, ابن عمها , ومن ثم تعرب عن شعورها بالضيق قائلةً  “صوتى مخنوق وجسدى يرتعش بحمى , تخضه , تضنيه ذهاباً وإياباً”. وفى اللحظة ذاتها التى تعجز فيها زهرة عن تحقيق الخلاص والحرية , وهو ما أومأ إليه النص بالحركة الارتدادية للجسد (ذهاباً وإياباً), يأتى توظيف الحمام فى المكان , بوصفه رمزاً للسلام الروحى والحرية والانطلاق ليصبح معادلاً موضوعياً لرغبة زهرة الملحة فى الحرية , إذ تقول : “كان الحمام قد حُرر من قفص أم قيس, وانطلق مسابقاً فى الفضاء”.

وإذا كان الحمام فى السياق السابق , قد دل بانطلاقه على انسيابية الحركة وسهولة الاختراق , فإن سياقاً مكانياً آخر فى الرواية , يظهر عكس هذه الدلالات ; من خلال توظيف الذبابة بوصفها إحدى مفردات المكان , ليبرز العبور الشاق فيه , ويومئ إلى مدى التوحد بينها وبين الشخصية . فزهرة داخل حجرتها بالنُزُل , وفى اللحظة التى تسبق مباشرة عقدها العزم على الهروب المسبوق بمناجاة نفسية – متكررة فى عدة مواضع من الرواية – منطوية على لومها ذاتها من جراء انتهاجها أسلوب حياة يتسم بالبلاهة والحماقة, ومن ثم كان احتقارها ذاتها , نظراً لأن قرار الهروب من حياتها الرتيبة النمطية , جاء متأخراً (فى سن الثلاثين) وبعد معاناة – فى تلك اللحظة التى تشهد غلق باب الحجرة على زهرة , نتابع الذبابة بحركتها فى المكان من خلال عين زهرة ; إذ تصفها قائلة: “كانت الذبابة تصطدم بالجدار باحثة عن مخرج , وما أن يصيبها اليأس حتى تعاودنى غاضبة , حمقاء هى الأخرى , كانت الكوة المطلة على الممر مفتوحة وقريبة, ولكنها تتخبط على وجهى ببلاهة … تتحسس كل شيء سوى منفذها القريب” وأخيراً “عبرت (الذبابة) الكوة للخارج”.

وهكذا يتبين لنا أن المكان بمفرداته المختلفة , يبلور لوحة غاية فى التركيب ربما تبدو بسيطة للوهلة الأولى , بيد أن تواجدها فى السياق الروائى يحوِّلها إلى رموز ذات كثافة دلالية , يصبح معها “كل شيء موظفاً , وحتى ما يبدو هامشياً يؤدى وظيفته فى إطار هامشيته”(31). وهذه الرموز “تعيد تشكيل أدبية الرواية , وتجسد الرؤية وتؤسس جماليات جديدة”.(32)

وجدير بالذكر أن اختيار مكان ميلاد زهرة بمسمى بعينه (بلدة الجبل) ينطوى على الإسقاط الدلالى . ذلك أن الجبل فى رمزيته , لا سيما صعود قمته , يدل على الطموح والتخلص من الرغبات الأرضية , كما ينم عن العبور من المحدود إلى الكلى والمطلق(33). بينما يؤكد لنا السرد انتفاء هذه الدلالات من بلدة الجبل , ومن ثم عجز زهرة عن تحقيق ذاتها , فكان فرارها إلى أفريقيا .

ثانياً : البحر :

مما لا ريب فيه أن اللغة الروائية ليست عرضاً أدبياً أو أداة تعبيرية عن فكرة أو موضوع ما أو وسيلة لتوصيل رسالة , بل إنها لغة محملة دوماً بمغزى ; تقصد معاني  معينة وتنتج انطباعاً جمالياً جذاباً . من ثم سنعرض فيما يلى لما ورد على لسان زهرة من أبرز صفات البحر وبعض متعلقاته والعالم المحيط به , بغية الاستدلال على ما لهذه الصفات من دلالات وخصوصية داخل السياق النصى .

فزهرة تصف البحر دوماً بأنه (اللامحدود , الممتد , ذو المساحات الشاسعة , الواسع)(34). وإذا ما تأملنا كلمة البحر بوصفها إشارة إلى مكان بعينه خالٍ  من الحواجز والعوائق , وجدنا أن مواصفاته فى النص الروائى تؤكد التحرر , باعتباره “المعنى الأعلى لكل وجود إنسانى”(35). كما أن عالم البحر “ذو أنغام ساحرة”, فمياهه “زرقاء”, ذات “دفء جميل” وإن كانت فى الوقت ذاته “باردة خضراء” . وأمواجه “ناعمة” وذات “قمم بيضاء فوارة”, لها رغوة “شفافة”. ورماله “ذهبية” و “باردة”. أما هواؤه فرطب بارد , نسيمه “عليل”. وطيوره “جميلة” و”بيضاء” وفضاؤه “رحب”. وفى محيطه “تتألق النجوم ليلا”. أما شمسه فمكسوة – عند المغرب – “بلون صفار البيض الفاقع”(36).

وغنى عن البيان أن ما أوردناه من صفات البحر وبعض متعلقاته ومحيطه الخارجي, ينبغى ألا يعد استقراءً كاملاً لمواصفات المكان , فهو مجرد نماذج لصفات تتكرر فى النص الروائى بغرض الاستدلال على أن المكان (البحر) يشكل لوحات بصرية مكانية من خلال الوصف عبر السياق.(37)

وهذه اللوحات بكل ما فيها من زوايا وصف مباشر أو مجازى – عبر كلمات تبلور المكان بمتعلقاته المختلفة , من حيث الشكل والحركة واللون والنوع والحجم – تنسجم وحالة زهرة المزاجية , مما يؤكد أن ثمة علاقة تأثير وتأثر بين المكان والشخصية . فالمكان يؤثر فى تشكيل بنية الشخصية , كما أنه لا يتشكل إلا من خلال وجود الشخصية فيه وقيامها بأحداث معينة فى نطاقه .

وإذا كان المكان فى علاقته بالشخصية , قد يعمق لديها الإحساس بالانتماء أو يولد لديها الإحساس بالغربة , اعتماداً على درجة امتلاك الشخصية للمكان وجدانياً , فإنه يمكن القول أن “هناك أماكن مرفوضة وأماكن مرغوب فيها , فكما أن البيئة تلفظ الإنسان أو تحتويه , فإن الإنسان – طبقاً لحاجاته – ينتعش فى بعض الأماكن ويذبل فى بعضها”(38). الأمر الذى يؤكده حال زهرة – التى تتوق إلى الحرية – وهى على ظهر المركب فى طريقها إلى أفريقيا , إذ تنتعش نفسياً , قائلةً  : “آه , ما أحلى الحرية التى تسرى فى عروقى الآن … أحس بجوفى الضبابى يروق ويتضح أمام هذا السحر الأزرق”.(39)

وإذا كان ما تصبو إليه زهرة هو الحرية , فإن المكان يلعب دوراً أساسياً فى التعبير عن الإحساس التصاعدى بها , حيث الإحساس بأبسط أنواعها ; الحرية الجسدية, والشعور بانطلاقة الحركة دون أدنى اصطدام بعائق أو حاجز مادى , إذ تقول: “كنت مع طيور البحر , أرفرف طليقة , لا يحدنى شيء”, كما تتخيل ذاتها طائراً يطير بلا توقف أو تعب , يحلق فى السماء , دون أن يمسكه شيء , يرى الكون بأسره تحته . وتشعر أيضاً أنها راحلة إلى بعيد , “حيث لا لغو ولا يد” تغتال حقاً من حقوقها(40).

وغنى عن القول أن الدلالة المستوحاة من المكان ليس من الضرورى أن تنبثق منه بأكمله ; إذ قد تنبثق من أحد عناصره أو متعلقاته , استناداً إلى السياق الروائى (المكاني) ومدى تفاعل عناصر الرواية داخله . فعين زهرة الراصدة للمكان والواصفة للمشهد البانورامى , تعطى رؤية شبه كلية له , كما تعبر عن إحدى حالاتها اللاشعورية وعن شعورها فى لحظة اختلاطه بالزمان والمكان , وذلك حين تتابع الطير قائلة : “النسيم عليل بارد , ونفسى تتوق لتطير فى الفضاء الرحب , طير جميل لا يحده سور أو حدود, طير ينطلق فى الأرجاء يطلق صوته الشجى معلناُ فرحته بالنسيم . البر ابتلعته الأنواء , والبحر يتآزر والسماء ليمثل دنيا طائرة , لا تصطدم بالواقع”.(41)

فالسياق يؤكد أن المكان قطعة شعورية من زهرة , إذ يتضح منه التوحد التام بين زهرة والطير , فضلاً عن أن طيران الأخير وانطلاقه , يعرب عن رغبة زهرة – الكامنة فى اللاشعور – نحو الارتقاء والتسامى والتخلص من القيود الأرضية . كما أن حركة الطيران فى حد ذاتها , وبصفة خاصة فى اتجاهها من أسفل إلى أعلى, يمكن أن تعرب – مجازاً – عن رغبـة زهرة فى العودة إلى المنبع أو المصدر, استناداً إلى مفهوم الخلاص Salvation. ذلك أن الفضاء الخارجى يعد مصدر الوجود أو الوعى وكل الأشياء, لا سيما مملكة السماء, التى هى رمز للاعتلاء والصعود الروحى والقوة والخلود , حيث تعد فى كثير من المعتقدات الشعبية مقراً للآلهة(42). فضلاً عن توافر بعض عناصر الطبيعة فى السياق ; هواء (النسيم) , ماء (البحر) , مما يؤكد الرغبة فى التطهير الروحى . ذلك التطهير الذى يعد درجة أخرى من درجات الحرية والخلاص , الأمر الذى يتجلى فى النص الروائى , حين يعرب عن الإحساس بأولى درجات التطهير الجسدى متبوعاً بالتطهر النفسى , كما يتبين من قول زهرة : “ما أن يلامس الماء المالح بدفئه الجميل جسدى حتى انتعش وأنسى فزعى”. الأمر الذى يتحقق أيضاً من خلال نسيم البحر البارد , إذ تشعر معه بالانتشاء . أمـا الشمس بالنسبـة لزهرة فهى مصدر تطهير لجسدها من الأمراض والجراثيم(43). والشعور بالتطهر يتواصل لدى زهرة , ومن ثم تشعر أن البحر مكمن خلاصها , فتتمنى أن تلقى كل السلاسل فى مياهه الزرقاء . ليس هذا فحسب , بل إنها تتقيأ فيه , واصفة ذلك بقولها: “أخرجت ما بجوفى من بقايا الأرض”, فتشعر بالارتياح . ولا غرابة إذن أنه رغم ما يحشده البحر فى نفس زهرة من أحاسيس الفزع والترقب , فإنها لا تخشاه وتشعر بالألفة مع كائناته الغريبة وترى أن أمواجه لا تعرف شيئاً غير الحب , ولذلك تشعر بدفء الحوار معها وشفافيتها وهى تتخيل أنها تخبرها حكايات عن الأعماق , ومن ثم فإن محيط البحر برمته يخلق من زهرة – بعد الشعور بالتحرر الجسدى والروحى – كائناً آخر ; “أميرة”, على حد قولها(44).

وانطلاقاً من أن المكان يعد خزاناً حقيقياً للحالة الشعورية والذهنية للشخصية ويساهم فى التحولات الداخلية التى تطرأ عليها , فإن أحاسيس الخوف من الماضى تعاود زهرة , على هيئة أشباح مخيفة داخل المكان المغلق (القمرة) كما يتملكها الشعور بالذنب والخطيئة والندم على فعلة الهروب , داخل (غرفتها) بالمركب(45).

إن البحر , برمزيته فى كثير من الثقافات , يمثل النموذج الأصلى Archetype  والعودة إلى ينابيع السعادة الأولى , لا سيما برغبة الهبوط فيه , ولا يتأتى ذلك إلا بمقدار تجاوز الإنسان لظرفه التاريخى عبر إطلاقه العنان لخياله , بما يمكنه من الوجود داخل النماذج الأولى , التى فيها يحقق ذاته , بوصفه كائناً يمتلك الوجود التام , والكلى الشامل . ومن ثم , فإن زهرة التى تعانى نقصاً فى حياتها , تلقى ببرقعها فى مياه البحر , بسرعة رهيبة(46). وهى بفعلتها هذه , تلقى – رمزياً – بنفسها فى البحر . ذلك أن البرقع فى السياق المكانى يتجاوز الإشارة المباشرة لشيء بعينه إلى رمز كثيف الدلالة , بحيث يصبح هو زهرة ذاتها , التى تعد معادلاً موضوعياً لبقية الشخصيات النسائية فى الرواية , تأسيساً على أن تكرار الكلمة وطبيعة توظيفها فى النص , يحولها إلى رمز . وبالرجوع إلى المواضع التى وظفت فيها كلمة “البرقع”(47), وبالارتفاع فوق مستوى الدلالة المباشرة للنص, نخلص إلى أن البرقع رمز للموروث البغيض الذى يمعن فى قهر المرأة , وينم عن الشعور بالاختناق والقيد الجسدى , ويؤكد مكوث النساء وانطلاقة الرجال , فضلاً عن المحرم (التابو) بدءاً بالمظهر الخارجى (الملبس) وانتهاءً بالمفاهيم (العيب والعار) . ذلك المحرم المفروض قسراً , ولا يجوز اختراقه حتى ولو بسؤال عن مبرراته . كما يمثل البرقع الحاجز الزائف بين النساء والرجال. ومما يبرهن على زيفه أنه يُخترق , عبر النظرات ; إذ من المفترض أن الحياء ينبع من داخل الإنسان . واقتران البرقع بعالم النساء , يعنى سجن الموروث , بينما انتفاؤه من عالم الرجال يشير إلى التحرر والانطلاق .

وتأكيداً على أن البحر بالنسبـة لزهرة , يعد مكان الخلاص , فإنها تقول : “وددت … لو أغرق فى العمق الأخير”(48), و “أتمنى لو أرمى عمرى كله فى البحر”(49). فالرغبة فى الغرق تعد بمثابة البحث عن سر الحياة , ورمزاً للعبور من حالة إلى حالة . ذلك العبور الذى لا يتأتى إلا بالموت غرقاً وهو موت يعد نوعاً من الشوق إلى السلام الخالد. وهو شوق أشبه ما يكون بالشوق المتصل للعودة إلى الدفء والأمان, وهى حالة شبيهة – مجازاً – برحم الأم(50). ومن ثم فإن رغبة زهرة فى الموت غرقاً إنما هى رغبة فى العودة إلى اللاعضوية واللاتميز , من منطلق أن المياه التى تود زهرة الغرق فيها هى مياه البحر الذى هو فى الأساس النموذج الأصلى للأنثى التى ترتبط بفكرة الرحم الخالقة , كما أن الغرق فى المياه , فى حد ذاته , يحوى دلالات الرغبة فى ميلاد جديد والوجود فى واقع أفضل ومغاير لواقع زهرة المعيش الأليم , ومنفصل عنه , مما يفسر توسل زهرة للبحر بقولها : “ابتلعْنى يا بحر , خذنى للقاع”(51), ذلك أن “المياه ترمز إلى الكون بأسره , لما هو واقعى . فالمياه هى المنبع الأصلى , وهى مستودع كل مقومات الوجود . إنها تسبق كل شيء وتدعم كل خلق , وهذا هو السبب فى أن رمزية المياه تشمل الموت والبعث” (52) .

ولما كان عالم زهرة يعج بشتى ألوان النقص , فمن الطبيعى أن يخلو من النماذج المرجوة . وعليه , فإن سالم حبيب زهرة , البطل الغائب الحاضر , الذى تبحث عنه وتصفه “بأخلاقه العالية وحنانه وتفهمه الكبير”(53) , لا بد أن ينتمى إلى عالم الكمال (البحر), لا إلى عالم النقص (الواقع) , ومن ثم يبحر دون عودة(54), الأمر الذى يؤكد أن “الإبحار خروج من تقوقع الذات , وتجاوز للوجود والسعى نحو مطلق المعرفة”(55), وهو ما تتمناه زهرة حين تقول : “كل ما بغيت أن أصبح جديدة , فريدة تماماً , عالمى حر, ووطنى أخضر … أن تحملنى موجة بيضاء إلى أرض تتجاهل أنوثتى وتعاملنى بنقاء وحب , تتجاهل عرقى ولونى وأصلى وجنسى”(56).

وجدير بالذكر أنه إذا كان من بين وظائف المكان فى النص الروائى , التعريف بطبائع قاطنيه وسلوكياتهم , فإن الرواية تحقق ذلك من خلال وصف زهرة للبيئة البحرية , إذ يبرز هذا الوصف – فيما يبرز – تسامر البحارة وحكاياتهم وصبرهم على ظهر المركب وكذا ركضهم وتعاركهم على الرمال , كما يصور حركة التجارة فى المرافئ ومعاملات التجار وصفقاتهم , على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم . كذلك يرسم الوصف صورة للشباب وهم يلعبون ويتهامسون على الشاطئ وقد اكتسوا بأزهى الحلل(57). الأمر الذى يؤكد لنا قدرة الروائى فى استثمار عناصر المكان المحسوسة لتشكيل مكان متخيل , وهو حين يفعل ذلك , إنما “يُدخل العالم الخارجى بتفاصيله الصغيرة , فى عالم الرواية التخييلى , ويُشعر القارئ أنه يعيش فى عالم الواقع لا عالم الخيال , ويخلق انطباعاً بالحقيقة أو تأثيراً مباشراً بالواقع”(58).

ثالثاً : أرض المفر ( أفريقيا)

إن بلدة الجبل بالنسبة لزهرة هى الإحساس بالاغتراب الذاتى والقيود المادية والمعنوية, حيث انتفاء الحرية منذ الطفولة , ذلك أن الحرية التى هى فى الأصل قيمة جمالية لا قبح , تعد , فى الموطن الأم , عيباً وعاراً , لا سيما بالنسبة لبنات السادة (الشيوخ), رغم أن السيادة تعنى القوة والسلطة اللتين من المفترض أن تقترن الحرية بهما.

أما فى أرض المفر (أفريقيا) , فالموقف مغاير تماماً . فالطفلة الأفريقية الفقيرة المعدمة, تمارس طفولتها بحرية , حيث تركض وتتعارك فى التراب ضاحكة مع أقرانها, بلا خوف ولا رقيب , كما ترصد عين زهرة . تلك العين التى ترصد أيضاً الفرق بين زهرة الفتاة الشابة أسيرة البرقع , وبين نساء أفريقيا بسيقانهن العارية تحت الثياب القصيرة. والعين ذاتها هى التى تصف الأنثى الأفريقية بأنها “جوهر أنوثة”, بما لها من حق الانفتاح على عالم الرجال وتبادل الغزل معهم . ولا يعد الغزل فى أفريقيا عيباً ولا عاراً, إذ إنه شيء مألوف ومعتاد , لا يستحق الاهتمام ؛كمن يشترى الخبز من المخبز , أو كمن يستحم فى بركة. وفى أرض أفريقيا , يكون للمرأة مطلق الحرية فى الخروج للعمل, الأمر الذى يؤكده خروج زوجة سالم الأفريقية فى صبيحة اليوم التالى لوفاته , لممارسة عملها فى الحقل , وكأنه يوم عادي(59) ؛ فهى “امرأة من طراز آخر”.

ومن ثم فإن أرض أفريقيا بالنسبة لزهرة هى المجهول والسر الذى يكتنف “سارقة الأحلام”; المرأة الأفريقية التى تماثل “المستحيل” فهى “أسطورة” وهى “الأميرة” المخبأة فى دغل أفريقي(60). فأفريقيا هى مثار جدل داخلى لدى زهرة ,يدفعها بإلحاح إلى كشف الغموض , ومعرفة السر وراء حب سالم لهذه المرأة , فرغم أنها “الأفريقية السوداء”, “ذات الأنف الأفطس”, فإنه يركض خلفها , مؤثراً إياها , حتى وإن جلبت له الموت .

والأرض ذاتها هى منبع الوطنية الحقيقية , حيث ثورة العبيد من أجل هدف سامِ  هو الحرية(61). كما أنها بالنسبة لزهرة -بعد استحواذها على المال والأرض والعبيد – تعد مملكتها “الجميلة” التى تذوق فيها “طعم السيادة الهانئ” وتشعر أنها “ملكة” لا تمس بأى حال من الأحوال , حيث تحكم بصولجانها الخاص . وهذه الأرض بالنسبة لها أيضاً هى مكمن الإحساس بالسيادة المطلقة والإمارة الحقيقية , لا سيما حال وجودها بين العبيد وسـط المزارع الجميلة الممتدة . كما أنها مصدر الشعور بالأنا المتضخمة والإعجاب بالذات(62).

وهكذا يتأكد لنا أن المكان مثار جذب وموضع للشعور بالانتماء . وليس أدل على ذلك من تحولات زهرة الداخلية . فرغم الحواجز والعوائق داخل الغرفة المغلقة , فإن زهرة تشعر بالأمان والطمأنينة فى أرض أفريقيا ولأول مرة فى حياتها , حيث تتلاشى بداخلها أحاسيس الخوف والقلق , ليحل محلها الإحساس بالاحتواء والرومانسية(63), وذلك حين زواجها من البحار “صالح”.

مما تقدم يتضح أن النسق المكانى , يتشكل بدلالات متنوعة من خلال ما يقع عليه من أحداث وما تقوم به الشخصيات من أفعال , الأمر الذى يؤكد العلاقة التلازمية بين المكان والحدث . تلك العلاقة التى من شأنها توجيه المسار الذى يتخذه السرد فى الرواية, فضلاً عن تنظيم الأحداث درامياً داخل المكان .

وجدير بالذكر أن المكان (أفريقيا) يتبلور – فى مواضع أخرى من الرواية – عبر الوصف الذى يعد أداة فعالة ترصد تحركات زهرة وتنقلاتها عبر الأماكن المختلفة – ميناء مقديشيو , جزيرة بمبا , ميناء ممباسا وغيرها – وتنقل صوراً بصرية أمينة لتلك الأماكن , نابعة من مرجعيتها فى الواقع , وتؤكد الوضع النفسى لزهرة فى تلك الأماكن, وذلك من خلال إبراز زوايا بعينها تتمثل فى الحركة واللون والمنظور . تلك الزوايا التى تمثل منعطفات مشعة فى النص .

ففى أولى خطواتها داخل إحدى غابات أفريقيا (فى منطقة ماليندي), تصف زهرة المكان بما فيه من حركة لها دلالتها , قائلة : “جذوع أشجار النارجيل الشاهقة , سيقانها حكاية ليلية محمومة , فما من ساق تشبه الأخرى , جميعها أصابتها حمى الموج , فانحنت , تراقصت وتمايلت على بعضها بعض , ثمارها فى الظلام الخفيف تبدو كعيون سوداء متوجسة حذرة . وهناك رائحة جميلة تنتشر فى الفضاء … الأوراق اليابسة تتكسر بعنف أسفل قدمى , أخاف .. الهوام والحيات والجن , وارتعدت … مضيت صامتة , عَلِّى أرى نهاية تلك الغابة الشبحية المخيفة , واتضحت النهاية بعد قليل , قرية صغيرة , ببيوت القش والطين , جميعها تشتعل فى مساحاتها نيران الطبخ, فتنير المكان بأسره …”(64).

فالغابة بمفرداتها , تعكس ما فيها من جمال مرئى , وكذا ما بداخل زهرة من أحاسيس الظلام والوحشة وتعقيدات حياتها التى تأصلت عبر الموروث , بكل ما فيها من اضطرابات نفسية يؤكدها توظيف عنصر الظلام فى المكان واختراقها له , بحيث يتسنى لنا القول أن اختراق زهرة للمكان , بحركة أحادية المسار , يعد معادلاً  موضوعياً لمتاهة نفسية ممتدة بداخلها , تحاول الخلاص منها . ذلك أن كلمة الغابة تقترن فى أثرها النفسى بمعانى الضياع والوحشة , وأن اختراق الغابة والخروج منها يمثل الوصول إلى بر الأمان , إلى النور والحياة(65) . الأمر الذي يؤكده السياق النصى ; إذ يبرز ما رأته زهرة فى الطرف الآخر للغابة , من حياة كاملة بكل ما فيها من ضجيج صوت , وانتشار نور, وحركة أطفال وسط حياة لأناس بسطاء(66), مما له وقعه فى نفس زهرة , حيث يتولد لديها الإحساس بالأمان بعد الخوف.

وفى موضع آخر من الرواية , يأتى توظيف الألوان بوصفها صفة تعبيرية للمكان , وباعتبارها مرآة تعكس التأثير المتبادل بين المكان وزهرة . وهو ما يتأكد من توظيف ألوان بعينها , توحى بما يعتمل داخل زهرة من أحاسيس السرور والانفتاح على العالم , بحيث يبدو المكان وكأنه توأم روحى لزهرة , إذ تقول واصفة جزيرة بمبا “ما أجملها هذه الجزيرة, … فوق رؤوس التلال يطل سحاب ملون كثيف كصوف خرفان الجبل , والجزر الصغيرة فى الصباح حمراء قانية , تمتزج حمرتها العذبة امتزاجاً غريباً مع خضرة الطحلب الكسول الداكنة , تروق لى هذه الجزيرة الهادئة الملساء”(67). فالشعور بالانفتاح وما يجلبه من سرور, يتأتى من امتزاج الألوان فى السياق المكانى ; فاللون الأبيض المستوحى من تشبيه السحاب بصوف الخراف , يعطى دلالات الصفاء والنقاء والطهر . والأحمر الذى يعد من الألوان الحارة , يفيد – فيما يفيد – الإحساس بالإثارة داخل المكان , كما يعبر عن شدة التناغم معه والإحساس بالحب تجاهه . فى حين أن اللون الأخضر , بما فيه من إيحاءات الخصب والخير والأمل والحياة , يؤكد الشعور بالطمأنينة والسلام النفسى . ومفاد ذلك أن توظيف الألوان فى السياق المكانى , يتعدى دوره , باعتباره أداة وصف لمفردات المكان , إلى الكشف عن الحالة السيكولوجية لزهرة. تلك الحالة , بكل ما فيها من انفتاحية , تتكرر – من زاوية وصفية أخرى – فى موضع آخر , متمثلة فى المنظور , أى الزاوية التى تتخذها الشخصية فى مباشرتها المكان, فزهرة تصف بيتها بجزيرة بمبا , قائلة  : “البيت بحد ذاته جميل, ولكنه ضيق بعض الشيء , به أربع غرف مؤثثة ومطبخ …, الغبار بدوره كان يسكن الكراسى والطاولات والردهات , كان المكان بحاجة لموجة كشط , أعجبتنى الغرفة التى تطل على بستان القرنفل , ومخازن الحصاد , كانت بها نافذة كبيرة من الخشب المقضبن, والمنظر كان آسراً وجميلاً …, ارتادنى وقتها شعور بالنشوة وأنا انظر للمكان بعين الهدوء والطمأنينة”(68). فالمكان (البيت), بما فيه من مفردات ذات تفاصيل دقيقة , لا يوحى بحركة زهرة التنقلية بداخله فحسب , بل بمركزيتها وهيمنتها فيه والاحتواء المتبادل بينهما . ذلك الاحتواء الذى يمتد إلى العالم الخارجى كما يستوحى من انفتاح النافذة وإطلالة زهرة منها على هذا العالم .

وإذا كان خروج البطل فى رحلته يعد مغامرة من أجل اكتشاف الذات وتحققها بالبحث عن معنى للحياة , فلنا أن نتساءل : هل حقاً اكتشفت زهرة ذاتها وحققتها عبر مغامرة هروبها إلى أفريقيا ? وهل أوجدت معنى لحياتها بامتلاك السلطة والمال والعبيد? وهل تحررت من كل القيود؟

إن زهرة التى تسعى نحو التفرد وإثبات الذات من خلال مغامرة هروبها إلى أفريقيا, وتحلم بأن تكون قصتها مع سالم “حكاية” أو “أسطورة” وترغب فى بطولة خيالية, هى ذاتها التى تدرك الفرق بين الخيال والواقع ; إذ تقر بأن الأحلام “تتبخر تدريجياً” بمرور الوقت , لتترك “واقعاً مسدوداً” , فلا وجود إذن لملك يفتح لها أبواب السعادة , ومن ثم فلا بطولة لها , وحين موتها لن يعد هروبها عملاً بطولياً , بل سينظر إليها على أنها “سافلة” أو “شيطانة”, وسيكون مآل صرحها إلى الهدم وحكايتها إلى التحريف(69). ومفاد ذلك أن زهرة لم تحقق ذاتها . ذلك أنه – كما تقر هى – “مع القوة والعظمة , لابد من سوسة تنخر البنيان الكامل , تزعزعه تماماً”(70).

وبتأمل الأسباب وراء عدم تحقيق زهرة لذاتها , يتسنى لنا القول أن هذه الذات هى المعول الرئيسى فى هدمها . وآية ذلك أن زهرة – حتى بعد استقرارها فى أفريقيا ونيلها حريتها واستحواذها على مقومات السلطة (المال , الأرض , العبيد) – تقع أسيرة هذه الذات بكل موروثها , ومن ثم استحالة الانسلاخ عنها , والانفصال عن مجتمعها , كما يتبدى من ندمها المتكرر على فعلة الهروب , وعجزها عن التخلص من عقدة الذنب والخطيئة . ولم يقف الأمر عن هذا الحد , بل إنها تجلب معها موروثها , بما ينطوى عليه من تعقيدات فكرية وتناقضات , هى فى الحقيقة موضع استهجانها وإدانتها; إذ تعترف بقولها : “ما أنا سوى مدعية , مدعية أخرى وسط هذه الأفواه الصارخة بالشعارات الكاذبة”(71), وبذا تفتقد الصدق مع ذاتها ومع الآخر . فزهرة التى تبحث عن الكرامة والحرية , ومن ثم تهرب بعد إحساسها بأن آدميتها تهدر وكرامتها تسلب , بإكراهها على الزواج ممن لا تحب (عبد الله), هى ذاتها التى تهدر آدميتها وتمتهن كرامتها, طوعاً لا كرهاً , حين تعرض نفسها – بأرض أفريقيا – علي خادمها (ربيع) كيما يتزوجها , لا لشيء سوى أنها فقدت المال والجاه , إثر ثورة الزنوج هناك(72).

فالمفارقة التى يطرحها النص هى غموض الهدف وراء هذه المغامرة , حيث تعترف زهرة “أنا لم أعد أعرف ماذا أريد فعلاً”  , وتتساءل “ماذا كان هدفى الحقيقى خلف هذه المغامرة الرعناء ?”(73). ومن ثم نتساءل : هل حقاً كان الهدف من هروب زهرة البحث عن سالم , فتى أحلامها , الذى كانت تتمنى العيش معه آمنة “فى ظل موروث جديد” , وترغب أن تصنع “من كل هذا حلماً بدون نهايات?”(74) وهل فشلها فى تحقيق ذلك , يجعلها دوماً تفتقد الأمان , فتضرع إلى ربها قائلة : “خذنى للدار التى أحس بها بالأمان والكرامة والفضيلة”(75) ؟.

إن الفضاء الروائى بأقسامه الثلاثة , يجيب عن التساؤلات السابقة , معللاً  إخفاق زهرة فى تحقيق ذاتها . فزهرة التى تتوق إلى الكمال والميلاد الجديد الذى يستحيل تحقيقه واقعياً – حيث لا يولد المرء مرتين – وإن أمكن تحقيقه مجازاً أو رمزاً, تطلق العنان لأحلام اليقظة عن مرحلة طفولتها فى موطنها الأم , بما يمنحها الإحساس بالعودة إلى الحميمية والدفء تارة . وتنطلق روحها فى الفضاء عبر رمزية الطير , بحثاً عن الاحتواء , تارة أخرى. وتتمنى الموت غرقاً فى عمق البحر طلباً للخلود , تارة ثالثة . الأمر الذى يتضح معه أن زهرة الراغبة فى الميلاد الجديد ومن ثم الخلود والأمان والقوة, تنشد كل ذلك خارج ذاتها , رغم أنها حقاً الملكة التى – بوصفها امرأة – تمتلك الرحم الخالقة , المانحة لكل ذلك. وليس أدل على ذلك من أن سالماً الذى انفصل عنها , عاد إليها ثانية – مجازاً – بالموت فى أحضان امرأة أخرى , كما يتجلى فى الحدث الروائي(76). ومما يؤكد بحث زهرة عن ذاتها خارج نطاق هذه الذات أن عنوان الرواية “الطواف حيث الجمر” يوحى بدلالات التيه ودوران المرء حول ذاته , على اعتبار أن الجمر مماثل رمزي لزهرة , انطلاقاً من رمزيته (النار) التى تنطوى على دلالتى البداية والنهاية (البعث).

مما تقدم نخلص إلى أن الذات “هى مصدر قوة الإنسان , وفى الوقت نفسه مصدر ضعفه وعجزه , وفيها يكمن سر قوته , وفيها يكمن قدره “(77).

وإذا كانت الرواية – كما أسلفنا – تعد صدى فنيَّاً للوجود العُمانى فى المهجر الأفريقى (شرق أفريقيا) فإنها , وبالارتفاع فوق مستوى الدلالات المباشرة للأحداث, تطرح سؤالاً له مغزاه وهو : ماذا عن حقيقة ذلك الوجود ? هل كان فتحاً أم غزواً؟

يأتى المكان (أرض أفريقيا), بما يقع عليه من أحداث روائية , ليجيب عن التساؤل السابق , فسالم المهاجر إلى أفريقيا , لم يكن سوى وهم أو سراب ; إذ لم تعثر زهرة له ولا لزوجته ولا لنسله على أثر(78). كما أن زهرة – رمز الاستمرارية لشعبها- تتخلص من نسلها, بإجهاض نفسها.

الخاتمة :

وبعد تناول الفضاء الروائى فى رواية “الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحى, بدراسة تحليلية تستند إلى المنهج التأويلى بغية الكشف عن حقيقة الخطاب الأدبى والوقوف على جمالياته , تم التوصل إلى مجموعة من النتائج , لعل أهمها ما يلى :

  • إن الفضاء الروائى ينقسم إلى ثلاثة أماكن موضوعية تتمثل فى الموطن الأم (عُمان), البحر , أرض المفر (أفريقيا). وقد وردت هذه الأماكن بالوصف تارة وبتوظيف الرمز تارة أخرى , ومن خلال الصورة الفنية تارة ثالثة . ويلزم التنويه إلى أن هذا الفضاء بأقسامه الثلاثة , لم يحظ بدراسة مستقلة فى التناولات السابقة التى عرضت للرواية .
  • إن الموطن الأم (عُمان) بالنسبة لزهرة , يمثل منبعاً لكل القيود على الحرية والانطلاق . وعليه فإن ما يندرج تحته من أماكن فرعية : الفلج , شجرة الغاف , الحقل …,  تسترجعها زهرة فى شبابها , يرتبط بذكريات تؤكد آلامها النفسية والجسدية , مما يعطى المكان بعداً نفسياً , ليصبح عنصراً طارداً لذاتيتها . والمفارقة التى يطرحها النص أن هذا الموطن يتحول إلى عامل جذب , يؤكد هوية زهرة واستمراريتها من خلال أحلام اليقظة إزاءه , بما تنطوى عليه من الحنين إلى الدفء والحميمية . والبعد النفسى للمكان يبرز أيضاً عبر استخدام تقنية الاختفاء التدريجى له, فضلاً  عن توظيف المفردات المكانية (الظل – الحمام – الذبابة); إذ تتحول إلى رموز ذات كثافة دلالية تعبر عما بداخل زهرة من رغبة فى الخلاص من حياتها النمطية الرتيبة, وتصاعد هذه الرغبة حتى تصل بها إلى اتخاذ قرار الهروب .
  • إن البحر بمتعلقاته ومفرداته , يوصف بزوايا الشكل واللون والحركة والنوع والحجم , بحيث يبدو فى لوحات تنسجم مع حالة زهرة النفسية , بكل ما فيها من شعور بالانطلاق والحرية , الأمر الذى يؤكد علاقة التأثير والتأثر بين المكان والشخصية, ويبرز امتلاك الأخيرة له وجدانياً ومن ثم الإحساس بالانتماء إليه . كما يلعب برمزيته , فضلاً  عن متعلقات محيطه , دوراً فعالاً فى التعبير عما يعتمل بداخل زهرة من أحاسيس الخلاص والحرية , بدءاً بالإحساس بالتطهير الجسدي, وانتهاءً بالخلاص الروحى الذى يتم التعبير عنه بالرغبة فى تجاوز المكان والزمان عبر توظيف رموز الطير والنسيم والشمس والبحر . كما يساهم المكان فى التأكيد على أنه خزان حقيقى لكل تحولات زهرة الداخلية , كالتحول من الإحساس بالحرية إلى الإحساس بالاختناق داخل الأماكن المغلقة . والإحساس بالاختناق يتأكد فى النص بتوظيف البرقع , بوصفه رمزاً يوحى بدلالات القيد الجسدى والمعنوى . كذلك يعرِّف المكان (البحر ومحيطه) بطبائع قاطنية وسلوكياتهم .
  • إن سمات أرض المفر (أفريقيا) تتشكل من خلال الأحداث وأفعال الشخصيات التى تبرز أن هذه الأرض منبع الحرية , غير المشروطة , سواء للأطفال أو النساء , وأنها مبعث الوطنية الحقيقية , بما يندلع فيها من ثورة العبيد ضد العرب. وهذه الأرض لغز يجذب زهرة دائماً نحو كشف غموضه ومعرفة السر فى انجذاب حبيبها سالم نحو هذه الأرض . وهى أيضاً مصدر الإحساس بالسلطة والسيادة والأنا المتضخمة لدى زهرة . وقد تم توظيف وصف المكان بما فيه من غابات وجزر وبيوت , وبالتركيز على زوايا الحركة واللون والمنظور , بغرض تبيان أن المكان مرآة صادقة , تعكس اضطرابات زهرة وعقدها النفسية , فضلا  عما يجيش بداخلها من أحاسيس الفرح والسرور والانفتاح على العالم .
  • إن الفضاء الروائى بأقسامه الثلاثة , يعلل إخفاق زهرة فى تحقيق ذاتها , بخروجها عن نطاق هذه الذات , بحثاً عن الأمان والدفء والميلاد الجديد , رغم أنها – بوصفها امرأة – أصل كل ذلك ومنبعه .
  • وأخيراً , فإن الرواية برمتها تطرح سؤالاً يتعلق بطبيعة الوجود العُمانى فى شرق أفريقيا : هل كان فتحاً أم غزواً ? وهو سؤال له مغزاه , ويجيب عنه المكان (أرض أفريقيا) بما يقع عليه من أحداث تنطوى على دلالات.

الهوامش:

(1) مصصطفى الضبع. استراتيجية المكان، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، أكتوبر 1998م، ص151.

(2) عبد الله مرتاض. في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر 1998م، ص160.

(3) بدرية بنت إبراهيم الشحي، قاصة، عُمانية الجنسية، من مواليد مدينة مسقط بتاريخ 1/4/1971م، حاصلة على درجة الدكتوراه في الهندسة الكيميائية من جامعة (لوفبرا) بالمملكة المتحدة عام 2001م، وتعمل حالياً مهندسة تصميمات كيميائية في شركة (تنمية نفط عُمان)، وهي زوجة وأم لثلاثة أطفال، وقد نشر لها أكثر من ثلاثين قصة قصيرة (غير مضمنة في مجموعة قصصية) من تموز/ يوليو 1986م، في جريدتي  الوطن وعُمان بسلطنة عُمان (راجع في ذلك: يوسف الشاروني. في الأدب العُماني الحديث، لندن، رياض الريس للكتب والنشر، (د. ت)، ص45). إلا أنه يلزم التنويه إلى أننا لم نعثر على أية إشارة مرجعية بخصوص تلك القصص، نظراً لأن القاصة لم تحتفظ بنماذج منها، وإن كنا قد عثرنا في مرجع أجنبي على ثلاثة نماذج منها وهي: “عرسها”، “البركان”، “هاتف الإنذار”. لمزيد من التفاصيل في هذا الصدد، راجع:

– Barbara Michalak – Pikulska. Modern poetry and Porse of Oman (1970- 2000), Ekokruk,Krakow,Poland. The Engima Press (S.A). PP. 410- 416.

(4) لاحظ أن ذلك المهجر قد بدأ بالفتح العُماني لمنطقة شرق أفريقيا (زنجبار – بمبا – مقديشيو – بروندي – كينيا …) وهو فتح بدأ بتأسيس دولة (البوسعيد) في عُمان وشرق أفريقيا في الحقبة التاريخية التي امتدت من سنة 1741م حتى نهاية حكم هذه الدولة بزنجبار سنة 1964م، ذلك الفتح الذي أدى إلى ظهور بعض العلوم المتعلقة بالبحار واكتشافات جغرافية رائدة، وأسطول بحري، فضلاً عن رحلات تجارية بالمنطقة، قامت على علاقات الصداقة وحسن الجوار، وتبادل المنافع، لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع، راجع كلاً من:

– جمال زكريا قاسم. دولة البوسعيد في عُمان وشرق أفريقيا منذ تأسيسها وحتى نهاية حكمها في زنجبار وبداية عهدها الجديد في عُمان (1741- 1970م)، الإمارات العربية المتحدة، مركز زايد للتراث والتاريخ، 1420هـ- 2000م، ص ص9- 10، ومواضع أخرى متفرقة.

– عبادة كحيلة، عن العرب والبحر، ط1، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1401هـ- 1989م، ص ص39، 55، 67، 72، 76، 83، ومواضع أخرى.

– حسين فوزي، حديث السندباد القديم، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1977م، ص ص2-3 (المقدمة).

(5) راجع: بدرية الشحى، الطواف حيث الجمر، ط1، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999م، ص ص 7-280.

(6) راجع: شريفة اليحيائي: الطواف حيث الجمر، بدرية الشحى: اللاوحداوية في تحليل النص السردي، نزوي “مجلة فصلية ثقافية”، مسقط، مؤسسة عُمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان، ع22، أبريل 2000م – محرم 1421هـ، ص ص247- 251.

(7) راجع: غالية فهو تيمور آل سعيد. قراءة في الطواف حيث الجمر، نزوي…، مرجع سابق، ع24 (عدد خاص)، أكتوبر 2000م – رجب 1421هـ، ص ص237- 247.

(8) Barbara Michalak, op, cit, p. 417.

(9) See: Ibid, loc. Cit.

(10) Ibid, p. 410.

(11) راجع: رفيعة بنت سلمان بن سلوم الطالعي، تقنيات الخطاب في الرواية النسوية العربية في الخليج: “1971- 2001 م ” دراسة تحليلية، رسالة ماجستير، قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، مسقط، سلطنة عُمان، فبراير 2003م، ص ص90، 91، 93، 94، 108، 113-116.

(*) لاحظ أنه سيتم تناول البحر والعالم المحيط به، باعتباره مكاناً مستقلاً، وبغض النظر عن موقعه في سلطنة عُمان أو في أفريقيا، لما في ذلك من فائدة في إبراز الدلالات التي ترمي إليها هذه الدراسة.

(12)Tzvetan Todorov. Symbolism and Interpretation. Translated by Catherine Porter,CornellUniversityPress,Ithaca,New York(S.A) P. 98.

(13) على حرب. النص الحقيقة: نقد النص (1)، ط1، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1993م، ص93.

(14) السابق. ص13.

(15) السابق. ص ص 15-16.

(16) عز الدين إسماعيل. التفسير النفسي للأدب، ط4، القاهرة، مكتبة  غريب، (د. ت)، ص163.

(*) نظراً لعدم اتساع المجال لذكر كل الاقتباسات المتعلقة بالفضاء الروائي في الرواية، فقد رأينا أن نكتفي بذكر استشهاد أو اثنين على الأكثر في المتن، مع الإشارة إلى مواضع الاستشهادات الأخرى في الهامش عند الاقتضاء.

(17) راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، وتحديداً ص ص 106، 109، 38، 37، 15- 16.

(*) الفلج هو مجرى مائي تنساب فيه مياه الأمطار، ويستخدم في رى الأراضي الزراعية في القرى العمانية.

(18) راجع: السابق. وتحديداً ص ص 24، 127- 128، 45- 46.

(19) راجع: شاكر عبد الحميد، الحلم والرمز والأسطورة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص 303.

(20) راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق وتحديداً ص ص 195، 162-163.

(21) مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص109.

(22) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص250.

(23) عبد الله عسكر. الصدام الأيدلوجي وهوية الذات: دراسة في التحليل النفسي لمضمون رواية “قلب الليل” لنجيب محفوظ، ط1، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية ، 1994م، ص35.

(24) جابر عصفـور. الصـورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، القاهرة، دار المعارف، 1973م، ص340.

(25) سيزا قاسم. القارئ والنص من السيميوطيقا إلى الهيرمينوطيقا، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مج 23، ع ع3-4، يناير- يونيو 1995م، ص255.

(26) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص24.

(27) مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص119.

(28) حول تلك الاقتباسات، راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، وتحديداً الصفحات التالية: 278، 61، 208، 127.

(29) راجع: غاستون باشلار. جماليات المكان؛ ترجمة غالب هلسا، ط3، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1407هـ- 1987م، ص38.

(30) راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، ص ص 9، 18، 19، 31 على الترتيب.

(31) بدري عثمان. بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ، ط1، بيروت، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1986م، ص175.

(32) أمينـة رشيد. تشظى الزمن في الرواية الحديثة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص148.

(33) راجع: شاكر عبد الحميد. مرجع سابق، ص100.

(34) عن تلك الأوصاف، راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، على سبيل المثال لا الحصر وتحديداً ص ص174، 142، 143، 88، 206، 90.

(35) عبد الرحمن بدوي. الزمان الوجودي، ط2، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1955م، ص39.

(36) حول تلك الصفات، راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، على سبيل المثال لا الحصر وتحديداً ص ص 125، 140، 151، 143، 113، 150، 152، 90، 114، 109، 106، 124.

(37) لاحظ أن اللوحات المكانية الجميلة بصدد البحر ومتعلقاته ومحيطه ترد في عدة مواضع من الرواية. راجع على سبيل المثال لا الحصر: ص ص 150- 151، 152، 157، 206- 207.

(38) يوري لوتمان. مشكلة المكان الفني؛ ترجمة سيزا قاسم دراز، “ألف” مجلة البلاغة المقارنة، القاهرة، الجامعة الأمريكية، ع6، ربيع 1986م، ص83.

(39) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص113. ولاحظ أن شعور زهرة بالانتعاش والحرية حال وجودها بالبحر، يتكرر. راجع ص ص 106، 108، 109، 114، 140، 174.

(40) راجع: السابق. وتحديداً ص ص 174، 114، 106.

(41) السابق. ص114.

(42) راجع: جان صدقة. رموز وطقوس: دراسات في الميثولوجيات القديمة، لندن، رياض الريس للكتب والنشر (د.ت)، ص51.

(43) راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، وتحديداً ص ص 125، 115، 90، 91، 206.

(44) راجع: السابق، وتحديداً ص ص 140، 108-109، 88، 142-143، 113.

(45) راجع: السابق. ص ص 124، 146- 147.

(46) راجع: السابق. ص114.

(47) راجع: السابق. ص ص 31، 42، 48، 68، 69، 73، 91، 105، 114، 115، 116، 117.

(48) السابق. ص147.

(49) السابق. ص124.

(50) راجع: إرنست فيشر، ضرورة الفن؛ ترجمة أسعد حليم، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص84.

(51) بدرية الشحى، مصدر سابق، ص199.

(52) Micea Eliade. Images and Symbols: Studies in Religious Symbolism; Translated by Philip Mairet, Princeton, New Jersey, Princeton University Press, 1991, P. 151.

(53) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص199.

(54) راجع: السابق. ص90.

(55) صلاح الدين بوجاه. في الواقعية الروائية “الشيء بين الجوهر والعرض”، ط1، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993م، ص57.

(56) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص140.

(57) راجع: السابق وتحديداً ص ص 125، 157، 150، 151- 152.

(58) سيزا قاسم. بناء الرواية: “دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ”، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م، ص82.

(59) راجع: بدرية الشحى، مصدر سابق، وتحديداً ص ص 154، 210، 122، 249.

(60) راجع: السابق، وتحديداً ص ص 8، 116، 125، 168.

(61) راجع: السابق وتحديداً ص ص 239- 240، 266-268، 271.

(62) راجع: السابق، وتحديداً ص ص 265، 238، 218، 191، 167، 232.

(63) راجع: السابق، ص186.

(64) بدرية الشحى. مصدر سابق، ص153.

(65) راجع: عز الدين إسماعيل. مرجع سابق، ص ص 91- 92.

(66) راجع: بدرية الشحى. مصدر سابق، ص ص 153- 154.

(67) السابق. ص ص 206- 207.

(68) السابق. ص ص 213- 214.

(69) راجع: السابق، وتحديداً ص ص 189، 188، 61، 279، 183.

(70) السابق. ص 248. وحول المضمون نفسه، راجع ص183.

(71) السابق: ص105.

(72) راجع: السابق. ص ص 265-266.

(73) السابق. ص 248.

(74) السابق. وتحديداً ص ص 45، 218.

(75) السابق. ص86.

(76) راجع: السابق. ص11.

(77) تسعديت آيت حمودى، أثر الرمزية الغربية فى مسرح توفيق الحكيم ، ط1، بيروت، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع ، 1986م، ص156.

(78) راجع: بدرية الشحى، مصدر سابق، ص ص 188-189.

 

ثبت المصادر والمراجع :

أولاً: المصادر:

 

(1) الشحى، بدرية بنت إبراهيم. الطواف حيث الجمر ، ط1، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1999م.

 

ثانياً: المراجع العربية الحديثة:

 

(1)   إسماعيل ، عز الدين. التفسير النفسى للأدب، ط4 ، القاهرة ، مكتبة غريب، (د.ت).

(2)   الشارونى ، يوسف. فى الأدب العُمانى الحديث ، لندن ، رياض الريس للكتب والنشر، (د.ت).

(3)   الضبع، مصطفى. استراتيجية المكان، القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة، أكتوبر 1998م.

(4)   بدوى ، عبد الرحمن. الزمان الوجودى ، ط2 ، القاهرة ، مكتبة النهضة المصرية، 1955م.

(5)   بوجاء، صلاح الدين. فى الواقعية الروائية: (الشئ بين الجوهر والعرض) ، ط1 ، بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1993م.

(6)   حرب، على. النص الحقيقة: نقد النص (1)، ط1 بيروت ، المركز الثقافى العربى ، 1993م.

(7)   حمودى ، تسعديت آيت.أثر الرمزية الغربية فى مسرح توفيق الحكيم ، ط1، بيروت ، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع ، 1986م.

(8)   رشيد، أمينة. تشظى الزمن فى الرواية الحديثة ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م.

(9)   صدقة ، جان. رموز وطقوس: دراسات فى الميثولوجيات القديمة ، لندن، رياض الريس للكتب والنشر ، (د.ت).

(10)  عبد الحميد ، شاكر. الحلم والرمز والأسطورة ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م.

(11)  عثمان ، بدوى . بناء الشخصية الرئيسية فى روايات نجيب محفوظ ، ط1 بيروت ، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع ، 1986م.

(12) عسكر ، عبد الله. الصدام الايدولوجى وهوية الذات: دراسة فى التحليل النفسى لمضمون رواية «قلب الليل» لنجيب محفوظ ، ط1 ، القاهرة ، مكتبة الأنجلو المصرية ، 1994م.

(13)  عصفور ، جابر. الصورة الفنية فى التراث النقدى والبلاغى ، القاهرة، دار المعارف، 1973م.

(14)  فوزى ، حسين. حديث السندباد القديم، بيروت، دار الكتاب اللبنانى، 1977م .

(15) قاسم ، جمال زكريا. دولة البوسعيد فى عُمان وشرق أفريقيا منذ تأسيسها وحتى نهاية حكمها فى زنجبار وبداية عهدها الجديد فى عُمان (1741 – 1970م). الإمارات العربية المتحدة ، مركز زايد للتراث والتاريخ، 1420هـ-2000م.

(16)  قاسم ، سيزا. بناء الرواية : «دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ» ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1984م.

(17)  كحلية ، عبادة. عن العرب والبحر، ط1، القاهرة ، مكتبة مدبولى ، 1401هـ -1989م.

(18)  مرتاض ، عبد الملك. فى نظرية الراوية: بحث فى تقنيات السرد ، الكويت ، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر 1998م.

 

ثالثا: المراجع المترجمة:

 

(1)     باشلار ، غاستون. جماليات المكان ؛ ترجمة غالب هلسا ، ط3 ، بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1407هـ- 1987م.

(2)     فيشـر ، إرنست. ضرورة الفن ؛ ترجمة أسعد حليم ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م.

(3)     لوتمان، يورى. مشكلة المكان الفنى؛ ترجمة سيزا قاسم دراز «ألف» مجلة البلاغة المقارنة ، القاهرة ، الجامعة الأمريكية ، ع6 ، ربيع 1986م.

 

رابعاً: المراجع الأجنبية:

 

(1)    Elidae, Mircea. Images and Symbols: Studies in Religious Symnbolism; Translated by Philip Mairet,Princeton, New Jersy.PrincetonUniversityPress, 1991.

(2)    Michalak- Pikulska, Barbara, Modern Poretry And Prose ofOman(1970 -2000),Ekodruk Krakow,Poland. The Enigma Press, (S.A).

(3)    Todorov, Tzvetan. Symbolism and Interpretation. Translated by Catherine Porter,CornellUniversityPress,Ithaca,New York(S.A).

 

خامساً: الدوريات:

 

(1)  آل سعيد، غالية فهر تيمور. قراءة فى الطواف حيث الجمر ، نزوى «مجلة فصلية ثفاقية» مسقط ، مؤسسة عُمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان، ع24 (عدد خاص) ، أكتوبر 2000 م-رجب 1421هـ.

(2)  اليحيائى ، شريفة. الطواف حيث الجمر، بدرية الشحى : اللاوحداوية فى تحليل النص السردى، نزوى «مجلة فصلية ثقافية» مسقط ، مؤسسة عُمان للصحافة والأنباء والنشروالإعلان، ع22 ، أبريل 2000 م- محرم 1421هـ.

(3)  قاسم ، سيزا. القارئ والنص من السيميوطيقا إلى الهيرمينوطيقا ، مجلة عالم الفكر، الكويت ، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، مج23، ع ع 3-4 ، يناير – يونيو 1995م.

 

سادساً: الرسائل الجامعية:

 

(1)     الطالعى، رفيعة بنت سلمان بن سلوم. تقنيات الخطاب فى الرواية النسوية العربية فى الخليج: «1971-2001م» دراسة تحليلية، رسالة ماجستير، قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الأداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، مسقط، سلطنة عُمان، فبراير 2003م.

الكاتب: Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s