Asyah Al Bualy Articles

المـأثـورات الشعبيـة والتنميـة الاجتمـاعيـة: “الصناعات الحرفية العُمانية نموذجا”

أضف تعليقاً

بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي: “المأثورات الشعبية (الفولكلور) والتنوع الثقافي”

المنعقد بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة من 27-30 نوفمبر 2006م

       يحتوي البحث على مجموعة من رؤوس أفكار تتمثل في العناوين الجانبية التالية:

* التمهيد.

* أهمية الصناعات الحرفية.

* الهيئة العامة للصناعات الحرفية.

* أوجه أخرى للاهتمام بالصناعات الحرفية، متمثلة في:

( أ )  الندوات.

(ب) مسابقات التميز الحرفي.

(ج) بيت الحرف العُماني.

( د ) مصنع النسيج.

(هـ) مصنع الفخار.

( و ) المهرجانات الدولية (مهرجان سيمثسونيان الدولي).

( ز ) الميادين العامة.

( ح ) الجهود الذاتية.

* أقسام الصناعات الحرفية العُمانية.

* الصناعات الحرفية في علاقتها بالهوية العُمانية.

* الصناعات الحرفية في علاقتها بالفن.

* صور من الصناعات الحرفية.

* الخاتمة.

* الهوامش.

 

تمهيــد.

        لا شك أن المأثورات الشعبية، على اختلاف أنواعها وأشكالها، تعد مرآة صادقة تعكس ثقافة المجتمع – أي مجتمع – فضلاً عن أسلوب حياة أفراده عبر كل مرحلة من مراحل التاريخ، إذ تسجل هذه المأثورات أنماط التفاعل الاجتماعي وأشكال السلوك وأنساق القيم وطبيعة الاستجابات في مختلف المواقف والمناسبات الحياتية، من ثم كانت هذه المأثورات الشعبية وما يرتبط بها من فنون أو غيرها- ولا تزال – تسجل التراث الحضاري للمجتمع الإنساني بصفة عامة.

        والمأثورات الشعبية في المجتمع العُماني – شأنها شأن نظيرتها في المجتمعات الأخرى – تنقسم إلى قسمين: قسم مادي وآخر غير مادي، يمارس كل منهما دوراً ملموساً في تشكيل البناء الثقافي للمجتمع والفرد بحيث يمكن اعتبارهما، في ظل اتصالهما بالحياة اليومية والبيئة الثقافية، وثائق اجتماعية ونفسية وتاريخية حية تشكل التيار العام للثقافة وهو تيار ((يستمد بقاءه وتكامله وقيمته من الاستجابة المباشرة لتجارب أفراد الجماعة، ومن الاشتراك العفوي في تجربة الجماعة وخبراتها وامتزاجه بذوقها، حيث ينجح الفرد في التوحيد بينه وبين جماعته وتراثها)) (1) .

        وعليه فإن الباحثة تضع نصب عينيها أهمية الكشف عن السبل التي بها تحقق المأثورات الشعبية العُمانية – بوصفها وسيلة اتصال جمعية – الاتصال بين الفرد والجماعة؛ وبعبارة أخرى التكامل بين البعد الذاتي والاجتماعي.

        ولما كان البحث يتخذ من الصناعات الحرفية العُمانية نموذجاً تطبيقياً للمأثورات الشعبية المادية، فإنه يلزم التنويه إلى أن هذه المأثورات تشتمل بجانب الصناعات الحرفية، على مفردات أخرى تتوزع ما بين الحصون والأبراج والأسوار والمساجد والبيوت الأثرية ومُجريات المياه التي تستخدم في الري، وتسمى بالأفلاج (2). وكل هذه المأثورات تحقق في جانبها المادي ((علاقة محسوسة يمكن أن تُدرك بشكل مباشر بين الشيء واستخدامه، ومن ثم يتحقق شكل الشيء بناءً على وظيفته)) (3).

        ومنذ بداية النهضة الحديثة لسلطنة عُمان في يوليو 1970م، طغت على الصناعات الحرفية نظرة معاصرة متطورة، فلم تعد نظرة تقصر هذه الصناعات على شريحة اجتماعية بعينها تتمثل في البسطاء من الناس والريفيين والأميين، بل صارت نظرة عميقة تعي وتدرك علاقة هذه الصناعات – بوصفها مأثورات شعبية – بالتنمية الشاملة عامة وبالتنمية الاجتماعية خاصة، وعليه فإن الباحثة ترى أنه من الأهمية بمكان وقبل الخوض تفصيلاً في تقسيمات الصناعات الحرفية العُمانية، إبراز ما لهذه الصناعات من أهمية في عماليات التنمية.

أهمية الصناعات الحرفية.

        تمثل الصناعات الحرفية العُمانية جانباً من جوانب الإبداع الشعبي، كما تعبر عن النظرة الجمالية للشخصية العُمانية خلال ممارستها للحياة اليومية، ومن ثم اتجه الخطاب العُماني نحو تعزيز سبل الاهتمام بهذه الصناعات، فليس من قَبيل المصادفة أن تأتي أول إشارة إلى الاهتمام بالصناعات الحرفية في نوفمبر 1972م، مع بدايات النهضة العُمانية الحديثة، حيث تضمن خطاب جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله –  أمراً بإنشاء إدارة لإحياء الحرف الوطنية بوزارة الاقتصاد، وكذا إرسال سبعين متدرباً في بعثات مهنية بالخارج تمكنهم من التدريب على حرف مختلفة من أجل إعداد جيل جديد متطور من الحرفيين العُمانيين (4).

        وتأكيداً لمقولة جلالة السلطان أن ((مَنْ لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل)) اتجهت توجيهاته نحو ضرورة المحافظة على المأثورات الشعبية والنهوض بها، لما لها من أهمية ثقافية واجتماعية ومادية، فضلاً عن دورها الإيجابي في دمج شعور المواطن بقيمه وأصوله، ومن ثم جاء خطاب صاحب الجلالة في نوفمبر 1986م محفزاً على استمرارية العطاء المهني والحرفي والإبداعي ومشيداً بإسهامات الحرفيين في تنمية البلاد، ومؤكداً على ضرورة الإقبال على المهن التقليدية لما لها من أهمية بالغة في الحفاظ على المقومات الحضارية للمجتمع العُماني (5).

        ومن هنا كان الإرشاد من قبل جلالته نحو ضرورة تكثيف الجهود في مجال الصناعات الحرفية إيماناً بأن ((المجتمعات لا تتطور إلا على أساس من احترام مهن الآباء والأجداد، كما أن تقدمها لا يقاس بالازدهار العُمراني فقط، وإنما بمدى أصالة هذا التقدم واستيعابه لقدرات المجتمع وتقاليده في العمل والعطاء)) (6). لذا كان حرص جلالته في احتفالات العيد الوطني السابع عشر (نوفمبر 1987م) على تكريم المواطنين المشتغلين بالحرف والمهن العُمانية التقليدية، إيماناً بقدراتهم على العمل الجاد، وتقديراً لجهودهم البنّاءة في شتى المجالات الإنتاجية، وتأكيداً على أن هذه الجهود تقوم مقام المثل والقدوة لجيل الشباب في الاعتزاز بأصالة شعبه وتقاليده العريقة في العمل والإبداع (7).

الهيئة العامة للصناعات الحرفية.

        إن خصوصية البيئة العُمانية بما فيها من ثلاثية: (بحر- صحراء- واحة) أدت إلى تنوع واختلاف طرق وأساليب الحياة الاجتماعية والاقتصادية في تلك البيئات. كما أدت إلى وجود الفروق بين ما تجود به كل بيئة من مواد خام ووسائل عمل خاصة بها، واختلاف سُبل تصنيع المنتجات بين الحرفيين أنفسهم.

        كل ذلك دفع بالحكومة العُمانية نحو رعاية المأثورات الشعبية ومنها بالطبع الصناعات الحرفية، عبر توفير كل الإمكانيات الأساسية لتطوير الحرف اليدوية بغية استمراريتها بقيمة معنوية وفائدة اقتصادية تعود بالنفع على المجتمع وأفراده.

        وعليه تبلورت أولى خطوات العناية بتلك الصناعات في إقصائها عن كل ما قد يعتريها من إهمال أو اندثار نتيجة للتطور الإنمائي الحديث.

        وقد ترجمت هذه العناية على نحو عملي، حيث تم إنشاء الهيئة العامة للصناعات الحرفية، في الثالث من شهر مارس، عام 2003م، بموجب المرسوم السلطاني رقم 24/2003م وهي هيئة تتمتع بشخصية اعتبارية، يشرف عليها ديوان البلاط السلطاني، تتولى العناية بكل ما يتصل بالصناعات الحرفية بالسلطنة وتحافظ على استمراريتها، وتساهم في تطويرها بجعلها صناعات إنتاجية قادرة على جذب مزيد من العاملين فيها (8).

        والهيئة العامة للصناعات الحرفية بالسلطنة تعمل منذ إنشائها على إبراز دور هذه الصناعات، وتركز على النهوض والارتقاء بها وتطويرها بما يلائم روح العصر، مع الوعي التام بأن تحقيق ذلك لن يتم إلا بوضع استراتيجية متكاملة للصناعات الحرفية، تعمل على تفعيلها من خلال الاهتمام بتدريب الحرفيين وتأهيلهم بغية تطويرهم وتنمية مهاراتهم وتحسين قدراتهم الحرفية، على نحو يجعل هذه الصناعات في صدارة الأعمال التراثية ويخرجها من محدودية الوضع التقليدي إلى رحابة الصناعات الحديثة التي تتسم بالأصالة ومن ثم تمكينها من منافسة الصناعات المثيلة عبر فتح منافذ تسويقية لها على المستويين: المحلي والدولي. من هنا تم تحديد المهام الأساسية للهيئة في وضع الخطط والبرامج التنفيذية للسياسات المعتمدة في مجالات الصناعات الحرفية، فضلاً عن حصر وتوثيق كافة هذه الصناعات وخاماتها واستخداماتها المختلفة التي تتميز بها كل منطقة من مناطق السلطنة وحمايتها بكل الطرق. وكذا الاهتمام بها من خلال الأنشطة البحثية بما يخدم الاحتياجات الحالية والمستقبلية للحرفيين واستحداث صناعات حرفية أخرى ذات جدوى اقتصادية (9).

        كل ذلك من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف قصيرة الأجل وطويلته، لعل أهمها يتمثل في توفير خدمات التوجيه والإرشاد للعاملين في هذه الصناعات إدارياً وفنياً وتقديم الأنشطة والخدمات التدريبية والتأهيلية لهم، وكذا توفير الدعم الفني للجمعيات التي لها علاقة بهذه الصناعات والعمل على تطوير القدرات الإبداعية لمنتسبيها، وثمة محور أوجدته الهيئة العامة للصناعات الحرفية يتعلق بتدريب الموهوبين من النشء على الصناعات الحرفية عبر إثراء قدراتهم الفكرية والفنية باعتبارهم نواة المجتمع. كما وضعت الهيئة نصب عينيها الدافع التسويقي للحرفيين بخلق منافذ تسويقية داخلية وخارجية لهم، وإعداد دراسات لمشاريع نموذجية في مختلف الأنشطة الحرفية (10).

صور أخرى للعناية بالصناعات الحرفية.

أ- الندوات.

        حرصت الهيئة العامة للصناعات الحرفية على تنمية مجالات التعاون وتبادل الخبرات والتجارب مع الهيئات ومراكز الصناعات الحرفية في الدول الأخرى للاستفادة من بيوت الخبرة العالمية في هذا المجال، من ثم كان تنظيم الهيئة العامة للصناعات الحرفية ندوة دولية أقيمت بمسقط، تركز على حماية هذه الصناعات وذلك بالتعاون مع كل من وزارة التجارة والصناعة والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الوايبو) في مارس 2003م، بهدف ((التعرف على الأسس والإجراءات الكفيلة بحماية الصناعات الحرفية العُمانية من التقليد أو التشويه والتعرف على واقع الصناعات الحرفية العُمانية ومصادر مواردها الأولية، والتعرف على الأهمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للصناعات الحرفيـة العُمانيـة، والتعرف على الآليات والقوانين والإجراءات التي تكفل حماية الصناعات الحرفية)) (11).

ب- مسابقات التميز الحرفي.

        لما كانت الصناعات الحرفية موروثاً حضارياً وثقافياً واجتماعياً عريقاً تتوارثه الأجيال المتعاقبة، فإن الهيئة العامة للصناعات الحرفية بالسلطنة تحرص – سنوياً – ومنذ عام 2003م على إقامة مسابقات للتميز الحرفي بهدف تحفيز الحرفيين وتشجيعهم بغية التنافس الشريف فيما بينهم.

وقد أسفرت الدراسات الدقيقة لتلك المسابقات – بموجب متابعة التوزيع الكمي للمشاركين حسب الجنس (ذكر أو أنثى) وحسب نوع الحرفة والمنطقة – عن مجموعة من النتائج تتضمن إشارات لها علاقة بإشكاليات اجتماعية، حيث أوضحت النتائج أن الإقبال على المشاركة في المسابقة السنوية من جانب الإناث أكثر من الذكور وأن عدد الإناث في ازدياد سنوياً على عكس عدد الذكور، مما يشير إلى ضرورة رفع مستوى الوعي الثقافي والحرفي للمتسابقين، كما أظهرت النتائج الحاجة إلى مزيد من دورات التدريب والتأهيل التي تنفذها الهيئة العامة للصناعات الحرفية، بهدف الارتقاء بالمستوى الفني لهذه الصناعات، إذ إن بعض مناطق السلطنة تحتاج إلى تفعيل دورات التدريب والتطوير بها حتى يتسنى لها المشاركة والمنافسة في المسابقات المستقبلية، كما أن ثمة حرفاً تحتاج إلى إعادة تأهيل ورعاية ، منها على سبيل المثال صناعات الحرف المعدنية (12).

ج- بيت الحرفي العُماني.

        يُعد بيت الحرفي العُماني بمسقط معرضاً دائماً يحوي المنتجات الفنية للصناعات الحرفية بكافة أشكالها وأنواعها، انطلاقاً من التعريف بهذه الصناعات والإبداعات المختلفة التي تعكس مختلف البيئات الجغرافية العُمانية بما فيها من بعد ثقافي وآخر فني.

        كما يأتي هذا البيت منفذاً تسويقياً، يشجع الحرفيين على الاستمرار في العمل بهذه الصناعات بإبراز دورها العام في تنشيط الحركة السياحية، بوصفها معالم ذات صلة وثيقة بالموروث الشعبي العُماني، تعكس تواصل هذا الموروث مع موروثات الحضارات الأخرى.

        ولما كان التسويق لهذه الصناعات هو الشغل الشاغل للهيئة العامة للصناعات الحرفية، فإن خطة الهيئة تتجه دوماً نحو فتح بيوت حرفية في محافظات السلطنة وبعض مناطقها على التوالي. هذا فضلاً عن فتح منافذ التسويق في المطارات والمواني، والمعابر الحدودية، كل ذلك بغرض التوزيع والانتشار لهذه الصناعات، والوقوف على الأسواق ذات القابلية المطلوبة لها، سواء كانت هذه الأسواق محلية أو خارجية، إذ إن نجاح التسويق مرهون بحل المعوقات المرتبطة بهذه الصناعات، التي يأتي على رأسها التضخيم الإنتاجي وجودته، فعمليتا الإنتاج والتسويق ترتبط كلتاهما بالأخرى ولا يمكن الاهتمام بإحداهما دون الأخرى، فالإنتاج الجيد يعطي تسويقاً جيداً ومضموناً.

        من هنا كان حرص الهيئة على توفير الجودة الفنية للصناعات الحرفية، هذا فضلاً عما تحققه الجودة من صمود لهذه الصناعات أمام المنافسة الخارجية للصناعات المماثلة والإعلان عن السلطنة على اعتبار أن الصناعات الحرفية خير سفير للحضارة العُمانية في الخارج. فمن أجل التحدي والتسويق وضمان الاستمرارية وإشباع الذوق العام، وضعت الهيئة عوامل تطوير الصناعات الحرفية والارتقاء بها وتأهيلها، على رأس قائمة اهتماماتها (13).

د- مصنع النسيج.

        حرصاً على الموروث الحضاري وارتباطه بالتاريخ، أنشأت الحكومة العُمانية مصنع النسيج عام 1976م بولاية (سمائل)؛ التي تعرف – أيضاً – باسم (الفيحاء) وهي ولاية من ولايات المنطقة الداخلية بالسلطنة، تبعد عن مسقط العاصمة حوالي 85 كم. تشتهر سمائل منذ القدم بزراعة النخيل وصناعة النسيج، لاسيما المنسوجات الأكثر تداولاً مثل: الإزار العُماني والسجاد (14).

        ومواكبة مع حركة التنمية الشاملة التي عمت السلطنة منذ عام 1970م تم إمداد المصنع بالآلات الحديثة بدلاً من الآلات التقليدية التي اعتمد عليها المصنع في بداية إنشائه، مما ساعد على الزيادة الإنتاجية.

        ويلزم التنويه إلى أن الهدف من إنشاء مصنع النسيج بولاية سمائل هو المحافظة على الإرث المتعلق بصناعات النسيج العُماني، وكذا إحياء الصناعات التقليدية المرتبطة بالنسيج وربطها بالحاضر المعاصر، فضلاً عن تشجيع الحرفيين على التمسك بصناعة النسيج، وتدريب الراغبين من الشباب على هذه الصناعة، وإكسابهم المهارة والخبرة الصناعية، وكذا إيجاد سبل تحسين دخل الأسر المعتمدة على الصناعات الحرفية الخاصة بالنسيج (15).

هـ- مصنع الفخار.

        أكدت الدراسات أن عصر النهضة الحديثة بالسلطنة أوجد تطوراً حضارياً في شتَّى مناحي الحياة، مما ترتب عليه أن كثيراً من أبناء الحرفيين تركوا مهن آبائهم واتجهوا نحو البحث عن فرص عمل أفضل اقتصادياً، فالحكومة العُمانية أدركت منذ وقت مبكر خطورة الوضع بالنسبة للصناعات الحرفية التي منها – بالطبع – صناعات الفخار.

        ففي عام 1978م تم إنشاء مصنع للفخار بولاية (بهلا) إحدى ولايات المنطقة الداخلية بالسلطنة، وتبعد عن مسقط حوالي 210 كم.

أكدت البحوث والاكتشافات الأثرية أن (بهلا) منذ القدم تشتهر بصناعة الفخار لتوافر أميز أنواع الطين بها، فضلاً عن مكانتها التاريخية لوجود الآثار بها مثل: قلعة بهلا وحصن جبرين وسور بهلا العتيق (16). مما كان دافعاً للحكومة إلى إنشاء مصنع الفخار بهذه الولاية، حفاظاً على مكتسبات الأجداد والآباء وضماناً لاستمراريتها، وكذا بغية تكوين أجيال تعمل في المجال الحرفي، قادرة على مواصلة العمل في الصناعات الفخارية بروح العصر ومكوناته. هذا فضلاً عن فتح منافذ أخرى للأسر لتحسين أوضاعها الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على الدخل الثابت فحسب. ولإظهار الوجه الحضاري لصناعات الفخار بعُمان عبر عصور التاريخ (17).

و- مهرجان الفولكلور (سيمثسونيان) Smithsonian .

        في إطار الامتداد للمد الثقافي العُماني الخارجي، سعت وزارة التراث والثقافة العُمانية بالتعاون مع مركز عُمان للموسيقى التقليدية (18)، ووزارة التنمية الاجتماعية والهيئة العامة للصناعات الحرفية، نحو المشاركة في المهرجان الدولي للمأثورات الشعبية الذي يقام سنوياً بواشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية.

        يرجع تاريخ مهرجان سميثسونيان (Smithsonian Folklile Festival) إلى عام 1967م، وقد شاركت فيه سلطنة عُمان في الفترة من 19 يونيو إلى 6 يوليو 2005م. حيث وردت هذه المشاركة تحت مسمى يعكس تنوع البيئة الجغرافية العُمانية؛ (عُمان: الصحراء والواحة والبحر) بهدف الاحتفاء بالمأثورات الشعبية العُمانية والتعريف بها دولياً، اعتماداً على أن المهرجانات هي خير جسور تصل بين ثقافات الشعوب بعضها بعض.

        إن مشاركة الباحثة شخصياً في المهرجان، تؤكد أن المأثورات الشعبية العُمانية بكافة أشكالها استطاعت أن تعبر حقاً عن ذاتها بأقوى الصور، لاسيما الصناعات الحرفية التي وردت عبر عروض لنماذج البيوت العُمانية التقليدية، ومجسمات السفن القديمة، وعروض للزي الرجالي والنسائي وأدوات الزينة من حُلي ورسوم الحناء، فضلاً عن العرض التطبيقي الذي تضمّن كيفية صناعة مجموعة من الصناعات مثل: صناعات الفضة والنحاس والسعفيات … إلخ.

        إن المشاركة الدولية في مهرجان السميثسونيان، لم يفتها الإعلان عن ماركات تجارية عُمانية متخصصة في صناعة البخور والكحل والعطور واللبان والصمغ، كما تضمنت هذه المشاركة مجموعة من الندوات والمحاضرات عن المأثور الشعبي العُماني، وردت تحت عناوين مختلفة منها: (الأدب الشعبي العُماني)، (تنوع الأزياء العُمانية النسائية)، (الإيمان والهوية العُمانية)، وغير ذلك من العناوين المتضمنة مختلف الموضوعات وسبل الحياة العُمانية بكل ما فيها من عادات وتقاليد.

        وقد استطاع المهرجان، بوصفه حدثاً ثقافياً، أن يسلط الأضواء طوال السنوات السابقة على أربع وخمسين دولة، إلا أن مشاركة سلطنة عُمان فيه مستقلة وبمفردها عام 2005م ((تعد المرة الأولى التي تبرز فيها دولة عربية على هذا النحو في المهرجان، خاصة في الظروف التي يسود فيها سوء فهم في الغرب عن العالم العربي، ومن ثم فإن عُمان تتيح بهذه المساهمة الرائدة فرصة للاطلاع على ذلك التنوع التراثي وتسليط الأضواء على ملامح من الحضارة العربية)) (19).

ز- الميادين العامة.

        تُعد المشاركات في المهرجانات الدولية مساراً خارجياً للتعريف بالمأثورات الشعبية العُمانية، بينما تولي الحكومة العُمانية اهتماماً خاصاً بالمسار الداخلي لهذا التعريف كما يتبدى من التوزيع المدروس لمجسمات الصناعات الحرفية في مختلف أحياء العاصمة والمناطق الأخرى بالسلطنة على نحو فني يجمع بين الأصالة والمعاصرة، كما تهتم بلدية مسقط ووزارة البلديات الإقليمية بنصب ميادين عامة تحوي نماذج من الصناعات الفضية والفخارية والخشبية والسفن التقليدية، من هذه الميادين – على سبيل المثال لا الحصر – ميدان البستان، ميدان الوادي الكبير، ميدان الرميس، ميدان حديقة ريام.

ح- الجهود الذاتية.

تستقطب الصناعات الحرفية العُمانية اهتمامات مسئولي الدولة ورجال الأعمال، إيماناً منهم بقيمتها، وتمشياً مع التوجه العام للنهضة العُمانية الحديثة في مساراتها الثقافية الشاملة، من ثم نجد مثاليـن بارزين يتمثل أولهما في موسوعة للصناعات الحرفية بعنوان ((التراث الحرفي في سلطنة عُمان)) (20). حيث أتت الموسوعة في مجلدين كبيرين مساهمة ومبادرة من صاحب السمو السيد: (شهاب بن طارق بن تيمور آل سعيد) (*) تخليداً للصناعات الحرفية العُمانية. وقد استغرق العمل في الموسوعة زهاء سبع سنوات متواصلة منذ مطلع عام 1996م، لتخرج الموسوعة معبرة في مجملها عن رؤية صاحب السمو إزاء الصناعات الحرفية بوصفها عملاً تراثياً يستمد قيمته من تواصله مع ضروريات الحياة اليومية، لاسيما الإدارية منها والاجتماعية والتجارية والأمنية والصحية.

        وتعضيداً للفكرة العامة للموسوعة، فإنها تضمنت جزءاً نظرياً وآخر تطبيقياً، اهتم الأول بالإشارات الدقيقة إلى مختلف البحوث والمراجع المتعلقة بكل حرفة على حدة، فضلاً عن رصد الوثائق والصور والرسومات المتعلقة بالحرف بأحدث وسائل التكنولوجيا لتكون أرشيفاً مستقبلياً ومرجعاً تراثياً كاملاً لكل مَنْ يريد الاطلاع على هذه الصناعات.

        بينما تضمن الجزء التطبيقي رصداً للزيارات الميدانية لمختلف المناطق بالسلطنة بوصفها خطوة أولى في مجال المسح الميداني للصناعات الحرفية.

        وبالانتقال إلى المثال الثاني، نجده يتمثل في متحف ((بيت الزبير))، الذي هو متحف خاص يُعد في الأصل إحدى البيوت التراثية بمدينة مسقط، بناه الشيخ الزبير بن علي عام 1914م مسكناً خاصاً له ولعائلته، ثم أعاد ترميمه ابنه معالي (محمد الزبير بن علي) (**) بوصفه متحفاً افتتحه عام 1988م ليضم المقتنيات الخاصة بعائلته وكذا مقتنيات أخرى تاريخية وتراثية تخص السلطنة بمختلف مناطقها.

        إن قيمة متحف ((بيت الزبير)) تتجلى فيما يلعبه من دور فعّال في تنمية الحركة الثقافية والتراثية والاقتصادية بالمجتمع. إذ تضم قاعات المتحف مفردات حرفية ورموز تراثية تتمثل في مجموعة الخناجر والسكاكين والملاقط والأسلحة النادرة، كما تحوي تشكيلة مختلفة من ملابس الرجال والنساء وأدوات الحُلي والمكاحل فضلاً عن أدوات فخارية ونحاسية وفضية… إلخ.

        والمتجول في ساحات البيت الخارجية باستطاعته رؤية نماذج من طرق المعيشة في السلطنة ببيئتها الجبلية والزراعية والساحلية على نحو تطبيقي، بما يولد التصور التام لنمط الحياة في تلك البيئات بملحقاتها المختلفة من سفن الصيد التقليدية وأدواتها، والمباني السعفية… إلخ.

        ومتحف بيت الزبير يهتم بشكل دوري بعرض المنتجات الحرفية العُمانية، والرقصات الشعبية لمختلف مناطق السلطنة، كما يضع نصب عينيه تشجيع التواصل الحرفي عبر منافذ تضمن التلاقي المهني، وهو ما يتضح من إقامته ورش عمل تضمن التواصل والتعاون بين أجيال الحرفيين، كما تضمن التلاقي بين حرفيي السلطنة ودعمهم وحثهم على التمسك بالحرف التراثية وتطويرها تأهيلاً لبيعهـا في البـزار (المعـرض) الخاص بالمتحف أو إصدارها إلى الخارج (21).

أقسام الصناعات الحرفية العُمانية.

        تنقسم الصناعات الحرفية العُمانية إلى أقسام هي: صناعة الفضيات، والنسيج، والسعفيات، والفخار والخزف، والصناعات الخشبية، والجلدية، وصناعات النحاس، والصناعات الحجرية والجبسية، وصناعات أدوات الصيد، وصناعات البخور والعطور وصناعات أخرى مختلفة مثل صناعات الحلوى العُمانية.

        وحيث إن المجال لا يتسع للحديث تفصيلاً عن كل صناعة من تلك الصناعات على حدة (22)، فإن الباحثة تكتفي بسردها إجمالاً مع اختيار نماذج منها تتمثل في الزي والبخور واللبان وبعض الصناعات الخشبية والنحاسية والصدفية، للتدليل على أن الصناعات الحرفية ليست مجرد أشياء لها وجود في المحيط الخارجي فحسب، بل ركائز أساسية في تحديد الهوية العُمانية وما يحيطها بها من منظومة ثقافية شاملة لاسيما جانبها الفني.

        تُعد الصناعات الفضية من أهم الصناعات المعدنية إذ إن توارثها بين الأجيال جعلها تقطع شوطاً كبيراً في سلم التطور، وتتمركز صناعة الفضيات بصورة أساسية في ولاية (نزوى) إحدى ولايات المنطقة الداخلية بالسلطنة، التي تبعد عن مسقط العاصمة حوالي 180 كم.

تشتهر ولاية نزوى بسوقها التقليدي وترويجها للصناعات الفضية، من ثم تعد مركزاً صناعياً وتجارياً لهذه الصناعات، ويبلغ إجمالي عدد الحرفيين المشتغلين في الصناعات الفضية بنزوى مائتين وثمانية وسبعين حرفياً، كما تتمثل أهم منتجات الصناعات الحرفية في الخناجر وفي حُلي النساء والأدوات والأواني المنزلية.

        وبالانتقال إلى صناعات النسيج، نجد أنه من أشهر منتجاتها قطع القماش المصنوع من الصوف والقطن والحرير، التي تدخل في كثير من خياطة ملابس الرجال والنساء مثل: العمائم والأوزار والشواذر، كما يصنع من الصوف بصفة عامة المساند والسروج والزينة الخاصة بالحيوانات، في حين ينتج من صوف الأغنام بصفة خاصة وشعر الماعز المفلى والمنسول الميداليات والاكسوارات النسائية.

        وتتنوع منتجات الصناعات السعفية، ما بين الأسلال والأغطية التي تستخدم لحفظ التمور والفواكه، كما يصنع من جريد النخيل بعض الأثاث وأدوات الزينة، ومن النبات الصحراوي (الغضف) تصنع المنتجات السعفية ذات الجودة العالية مثل: الكرمة والفانية والسلال.

        وتواصلاً مع الصناعات اليدوية نجد أن ولاية بهلا بالمنطقة الداخلية بالسلطنة تشتهر بصناعات الفخار والخزف، وإن كان هذا لا يعني انتفاء صناعة الفخار في ولايات أخرى، ولكن على نحو أقل. من هذه الولايات: بدبد وصحم، وبلاد بني بوحسن، ووادي المعاول، وسمائل وظفار.

        وصناعة الفخار بالسلطنة تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد، اعتماداً على ما أثبتته التنقيبات الأثرية بمنطقة (البريمي) شمال عُمان. كما تعتمد الصناعات الفخارية في مكوناتها الأساسية على الصلصال المأخوذ من التربة التي تتميز بالقدرة على الصمود إزاء عوامل التعرية والمتغيرات الطبيعية، والمواد الخام التي تدخل في صناعة منتجات الفخار هي: طينة (المدر) وهي عبارة عن طينة بيضاء اللون تميل أحياناً إلى اللون الرمادي، كما تدخل في هذه الصناعات طينة حمراء اللون يطلق عليها (الربوخ). ويستخدم الماء العذب الخالي من الأملاح والكلور لعجن الطينة، كما يستخدم الخشب والقش وقوداً لحرق الأواني ، وأخيراً تستعمل أداة (المشك) لطلاء الأواني وغيرها من المنتجات الفخارية.

        تنقسم المنتجات المصنوعة من مادة الفخار إلى: أواني لحفظ الأغذية؛ (الخرس، الجر، والحلول)، وأواني للطهي، وتتمثل في (الدلة والبرمة والملة والأكواب والفناجين والأباريق والصحون)، وأواني لحفظ الماء وتبريده مثل: (الجحلة والجدوية والحب/ الزير)، هذا فضلاً عن منتجات أخرى مثل: (المجامر، والمزهريات، وبعض المفردات الخاصة بزينة المنازل).

        وجدير بالذكر أن زخرفة الأواني الفخارية وغيرها من المنتجات الفخار تختلف باختلاف مناطق السلطنة. فمثلاً منطقة (ظفار) بجنوب عُمان تتميز مباخرها بالألوان الزاهية وبتفاوت أحجامها، بينما تلتزم مباخر منطقة الشمال بلوها الطيني وبحجم معين.

        وبالنسبة للصناعات الخشبية، فإن تاريخها يعود إلى أكثر من ألف عام، ومن أشهر منتجاتها السفن التقليدية التي تتضمن أسماء مختلفة منها: الغنجة، والبوم والبغلة، والسنبوق؛ والجالبوت، والبدن، والشوعى، والشاشة والبقارة والهوري وسفينة صحار المعروفة بالسندباد البحري، هذا فضلاً عن قوارب الصيد.

        إن لكل سفينة من تلك السفن شكلاً وحجماً معينين وكذا سعة حمولة محددة واستخدامات وأماكن للتواجد. فمثلاً: يعد (السنبوق) من السفن العُمانية التي تستخدم في الرحلات التجارية الطويلة المدى وتتراوح حمولتها ما بين العشرين والمئة والخمسين طناً، والسنبوق نوع من السفن كان يستخدم قديماً في صيد اللؤلؤ، بينما يستخدم حالياً في الشحن ونقل الركاب. وتعد ولايتا صحم وصحار من أشهر الولايات استخداماً لهذا النوع من السفن وإيواءً لها.

        وفي مقابل السنبوق نجد (الهواري) قارباً صغيراً منحوتاً من جذوع الأشجار، يتراوح طوله ما بين العشرة والعشرين قدماً، ويستخدم في صيد الأسماك ونقل السلع إلى مسافات قصيرة كما يعتبر من أشهر السفن الصغيرة استخداماً في السلطنة (23) .

        وتحوي الصناعات الخشبية بجانب السفن التقليدية صناعة (المندوس) وهو عبارة عن صندوق خشبي تزخرف أوجهه الخارجية بزخارف ونقوش متنوعة تتشكل عادة من معدن النحاس، وهنا تكمن صعوبة التشكيل، فكلما ازداد إتقان الصانع لها ارتفع قيمة الصندوق. ويمثل صندوق (المندوس) جزءاً أساسياً من قطع الأثاث في البيت العُماني التقليدي إذ بداخله تحفظ الأموال والملابس والمتعلقات الخاصة.

        وتدخل صناعة العصيّ ضمن منتجات الصناعات الخشبية، حيث تتنوع أحجامها وأشكالها والنقوش المزخرفة عليها، وفي أحايين كثيرة يغطي رأس العصا بقطعة من الفضة مما يزيد من قيمة العصا وجمالها.

        وتشتهر محافظة (مسندم) بأقصى شمال سلطنة عُمان بصناعات العصيّ، لاسيما (الجرز) التي يكون رأسها معدنياً مصنوعاً من حديد أو فضة أو ذهب.

        وجدير بالذكر أن العصا بجانب كونها رمزاً للالتزام والصرامة في الأعراف والتقاليد العُمانية فضلاً عن استخداماتها الأخرى في رعي الغنم، فهي جزء من وجاهة الرجل في ملبسه ومن ثم يحرص الرجال على حملها لاسيما في المناسبات الاجتماعية والرسمية.

        وتواصلاً مع الصناعات الحرفية تأتي الصناعات الجلدية التي تختلف عما سبق ذكره من صناعات من حيث الإعداد والتحضير، إذ تمر منتجات الصناعات الجلدية بمراحل زمنية طويلة تستغرق في تنظيف الجلود وغسلها وغليها ودبغها وصبغها. وتعد القربة، والسعف، والهبان، والدلو، والأحزمة، والأحذية، والحقائب، العكة، والغمد من أهم منتجات الصناعات الجلدية.

        واعتماداً على اكتشافات النقوش السومرية، فإن صناعات المعادن بالسلطنة يعود تاريخها إلى عام (2000 ق.م) حيث شرع العُمانيون في التنقيب عن المعادن وعرفوا قيمتها وأهميتها واستثمروها بحكمة، من ثم قامت حضارة (مجان) نسبة إلى الاسم القديم لعُمان، معتمدةً على علاقات تجارية مع الدول المجاورة في الشرق الأوسط (24).

        ومن أبرز الصناعات المعدنية صناعة النحاس التي تشمل صناعة الأواني المنزلية مثل: الملاعق والمغارف والمزهريات وطاسات المياه، ودلات القهوة. وينبثق من الصناعات النحاسية، مهارة (الصَفارة)؛ أي القدرة على إعادة البريق للأواني النحاسية واسترجاع حالتها التي كانت عليها قبل تغييرها من تكرار الاستخدام، وكذا مهارة (الحدادة)؛ أي القدرة على تشكيل الحديد بإتقان فني يتضمن صناعة السيوف والدروع والسكاكين وغيرها من المنتجات الضرورية لحياة العُماني كالأدوات المستخدمة في الزراعة.

        تقدم الصناعات الحجرية والجبسية مواد البناء التي يتم تكوينها بواسطة حرق الطين والحجر معاً ويستخلص منهما مادة (الصاروج) وهي عبارة عن مادة أسمنتية محلية تتميز بالقوة والصلابة تدخل بشكل أساسي في بناء القلاع والحصون وقنوات جري المياه المستخدمة في الري والتي تعرف محلياً باسم (الأفلاج). كما يتم استخراج مادة (الجير) أو (النورة) المستخدمة في صبغ المباني من الحجر الأبيض أو الرملة البيضاء.

        ويلزم التنويه إلى أن الشواهد التاريخية التي تدخل مادة (الصاروج) في بنائها بالسلطنة تشكل ثروة تراثية ومنبعاً من منابع تنشيط حركة السياحة لاسيما فيما يعرف بـ (السياحة التراثية)، وهذه الشواهد تزيد عن الألف أثر تتنوع ما بين القلعة والحصن والبرج والحارة والسور والمسجد والبيت الأثري، وتعد جميعها حلقة مضيئة لسلسلة من الدراسات المتخصصة في التراث الحضاري للإنسان العُماني (25).

        وأخيراً تأتي الصناعات الصغيرة ضمن الصناعات الحرفية مثل صناعة أدوات الصيد وصناعة التقطير وصناعة النيل وصناعة الكحل والنحت على العظام.

        فتشمل صناعة أدوات الصيد صناعة القراقير وشباك الصيد (الليوخ). وتقوم صناعة التقطير على استخلاص السائل من أزهار بعينها مثل: الورد والياسمين والكيذا والجعداء والياس والزموتا، كما يتم استخراج بعض الزيوت من ورق نبات الشوع والعرش لغرض التداوي من بعض الأمراض.

        وتعتمد صناعة النيل على استخراج مادة زرقاء من نبات العظم، بواسطة نقعه في أوعية فخارية تسمى باللهجة المحلية العُمانية بـ (الحوابس)، ويتم استخدام مادة النيل عادة في صبغ الملابس لاسيما النسائية منها.

        أما الكحل فيصنع من حجر أسود براق يطلق عليه اسم (الإثمد)، بعد دقه وطحنه حتى يصير ناعماً، ثم يوضع المسحوق في (جرن) وعاء معدني يكون من النحاس أو الفضة، ثم يُنشر المسحوق على (شال)؛ قطعة قماش ناعمة ليُنخل عبر الفتحات الصغيرة. وعملية الدق والنخل تتكرر أكثر من مرة للحصول على أعلى درجة من مسحوق ناعم يوضع بعد ذلك في المكحل ويضاف إليه زيت الزيتون الخالص. ويعد هذا النوع أفضل أنواع الكحل.

        وختاماً يدخل النحت على العظام لاسيما عظام الإبل وبعض الأصداف البحرية في صناعة العديد من حُلي (اكسسوارات) النساء التي تلبس في حالات الزينة وفي حالات أخرى، اعتقاداً في أنها تقي من السحر والعين والأعمال الشريرة.

        وجدير بالذكر أن أنواع الصناعات الحرفية تتفاوت من حيث درجة الكثافة والانتشار من منطقة إلى أخرى. فبينما تشتهر (نزوى) بالمنطقة الداخلية بالسلطنة – كما أسلفنا – بصناعة الفضيات لاسيما الخناجر منها، فإن منطقة الباطنة الممتدة من محافظة مسقط جنوباً حتى حدود الإمارات العربية المتحدة شمالاً، تشتهر بصناعات التطريز والسعفيات والغزل والنسيج والحدادة (26). كما تشتهر المنطقة الداخلية التي هي عبارة عن ((هضبة في وسط السلطنة تنحدر من سفوح الجبل الأخضر في الاتجاه الجنوبي للصحراء وتحدها من الغرب منطقة الظاهرة، ومن الشرق المنطقة الشرقية)) (27) بصناعة الفخاريات وطهي الحلوى العُمانية وغسل التمور وعمل البسور ونحت الأخشاب، وصناعة ونقش النوافذ والأبواب الخشبية (28) *.

        ومن الطبيعي أن يرافق كل حرفة من تلك الحرف أشكال من العادات والتقاليد المرتبطة بها، كما أن ثمة أواصر اجتماعية تجمع بين الحرفيين على اختلاف مهنهم، وأخرى اقتصادية تحدد عمليات التوافق وأسس التعاون فيما بينهم.

الصناعات الحرفية في علاقتها بالهوية العُمانية.

        لما كانت الصناعات الحرفية جزءاً هاماً من التراث العُماني، وتلعب دوراً أساسياً في إبراز الهوية العُمانية وتحديدها، فقد اختارت الباحثة أبرز نماذج هذه الصناعات متمثلة في الزي وبعض ملحقاته كالخنجر والبخور واللبان للتدليل عما لها من دور في تحديد الهوية.

أ- أزياء الرجال.

        يعد الزي بصفة عامة سواء الرجالي منه أو النسائي مظهراً من مظاهر المحافظة واعتزاز العُماني بتراثه، وعليه فإن الزي يتخذ مكانة خاصة في حياة الإنسان العُماني، وهو يتسم بالبساطة والتكيف مع البيئة وأحوال الطقس في ميلها إلى الحرارة.

        يتكون زي الرجال من (الدشداشة)؛ أي (الجلباب)، وهو عبارة عن ثوب طويل أبيض ذي عنق مستديرة، يحيط بها شريط رفيع يطرز بخيط من لون الثوب نفسه غالباً، ويتدلى من أعلى الصدر (الفراخة أو الكركوشة) وهي خيوط مدلاة من نوع الخيط المطرز به العنق، كما تطرز أطراف يديْ الثوب بشريط من الخيط  نفسه ولونه.

        ويختلف شكل تطريز (الدشداشة) حسب مناطق السلطنة، فمثلاً (الدشداشة) في ولاية (صور) بمنطقة الباطنة تكون كثيفة التطريز فتطرز من الأمام والخلف، بينما نجد (دشداشة) ولايات المنطقة الداخلية مطرزة من الأمام فحسب، وبدرجة أقل في الكثافة.

        كما تتفاوت كثافة التطريز بين (دشداشة) وأخرى حسب المرحلة العمرية، فبصفة عامة أثواب الأطفال أكثر تطريزاً من أثواب الرجال.

        ولا يكتمل الزي الرجالي العُماني إلا بغطاء الرأس، سواء العمامة ذات الألوان المختلفة والزاهية، أو الطاقية (الكمة) التي تطرز يدوياً بأشكال وزخارف متنوعة وتسمى عملية تطريز (الكمة) بالتنجيم وكلما اتسمت بالدقة والمهارة ارتفعت قيمة الطاقية.

        ويلف الرجال حول الخصر وفوق حزام الخنجر أحياناً شالاً من نوع العمامة ولونها، ثم يلبسون (البشت) وهو عبارة عن عباءة من الصوف الخفيف بنية أو سوداء أو رمادية اللون، تُطرز أكمامها وأطرافها بخيوط فضية أو ذهبية.

        ويعد الخنجر إحدى السمات البارزة في الشخصية العُمانية، وهو بصفة عامة عبارة عن سكين مقوس يوضع في غمد مُحلى بالنقوش، كان يحمله الرجال قديماً بوصفه سلاحاً للدفاع عن النفس، بينما يعد الخنجر حالياً من لوازم الأناقة والوجاهة في المناسبات الرسمية والاجتماعية، من ثم يحرص الرجال على ارتدائه وإهدائه بوصفه تحفة فنية.

        والخناجر العُمانية تختلف من حيث النوع فهناك الخنجر النزواني، نسبة إلى منطقة نزوى الشهيرة بصناعة الخناجر، الذي يتميز بحجمه الكبير مقارنة بالخنجر الصوري الذي تغرز في قرنه مسامير صغيرة على شكل نجم متوازي الأضلاع، كما يوجد الخنجر السعيدي الذي ينسب إلى العائلة المالكة وكذا الخنجر الصحاري.

        والاختلاف بين أنواع الخناجر العُمانية يتبين من طبيعة الحجم والشكل ونوع المعدن الذي يصنع منه أو يُطلى به وكذا المهارة في طريقة التصنيع.

        إن الفضة الخالصة هي أكثر أنواع المعادن استخداماً في صناعة الخناجر، وقديماً كان يتم استخراج الفضة من صهر النقود المتداولة بعد فصل الحديد منها، وعملية تخليص الفضة من الحديد كانت تستغرق شهراً من الزمان ليعقبها فترة زمنية أخرى تستغرق في نقش صفائح الفضة.

        والنقش يتم عادة إما بالقلع أو بالتكاسير، حيث في القلع يكون نقش صحيفة الفضة بواسطة الدق بمسمار دقيق، بينما التكاسير هو تزيين الخنجر بواسطة تثبيت خيوط فضية عليه. وتعد الطريقة الأخيرة طريقة مستحدثة وسريعة في صناعة الخناجر، ومن ثم يكون المنتج منها من الخناجر أقل قيمة من خناجر النوع الأول.

        وبعيداً عن تقسيمات الخناجر من حيث المناطق بالسلطنة، فإن أي خنجر عُماني يتكون من أربعة أجزاء أساسية هي: المقبض ويسمى باللهجة المحلية العُمانية بـ (القرن) وتتفاوت قيمته حسب المنطقة التي ينتمي إليها الخنجر، ولكن بصفة عامة أغلى أنواع المقابض هي المصنوعة من قرن الزراف أو الخرتيت، وقد يستخدم خشب الصندل أو الرخام كمواد بديلة للقرون في صناعة المقابض.

        شفرة الخنجر ويطلق عليها محلياً بـ (النصلة)، وتعد ضمن محددات قيمة الخنجر، بناءً على قوة الشفرة وجودتها.

        أعلى الغمد أو ما يسمى بـ (الصدر) وهو الجزء الأكثر جاذبية في الخنجر إذ عليه تظهر حرفية الصانع ومهارته سواء أكان الصدر منقوشاً بالفضة أم بالذهب الخالصين.

        وأخيراً أسفل الغمد وهو ما يسمى بـ (القطاعة) ويعد الجزء المكمل للجانب الجمالي لأعلى الغمد بصفة خاصة وللخنجر بأكمله بصفة عامة، وعادة ما يكون مطعماً بخيوط من الفضة.

        وعليه فإن القيمة الشرائية للخنجر العُماني قد تكمن في جزء معين من أجزائه أو قد تتوزع لتشمل كافة الأجزاء من قرن ونصلة وصدر وقطاعة حتى الطوق الذي هو أسفل المقبض. ولذا أطلق العُماني على خنجره المثل الشعبي (زينة وخزينة) معبراً عن جماله الفني وقيمته المادية.

ب- أزياء النساء.

        ينقسم الزي النسائي بكافة مناطق السلطنة إلى ثلاثة أجزاء أساسية هي:

حجاب الرأس ويسمى بـ (اللحاف أو الليسو أو الوقاية أو الفتيقة) حسب المنطقة التي ينتمي إليها الزي، وحجاب الرأس ما تتفنن فيه النساء عادة بتزيينه بالنقوش بواسطة (الترتر أو الخرز الملون) كما تُطرز أطرافه بخيط يشتمل على ثلاثة أو أربعة ألوان وهو ما يسمى بـ (الحضية أو الشلاشل).

ويلي حجاب الرأس الثوب أو الدشداشة النسائية وتسمى في بعض المناطق بـ (الكندورة)، التي هي عبارة عن فستان يطرز أكمامه يدوياً بالخيط الملون أو الترتر أو الخرز ليتشكل منها جميعاً أو من أحدها زخارف مختلفة. ويطلق على الأكمام في اللهجة المحلية العُمانية اسم (الردون). كما يثبت على شق الفستان الذي يتوسط الصدر مجموعة من النقوش جاهزة التصنيع عادة ما تكون حمراء أو بنفسجية اللون تسمى بـ (السفة أو السنجاف).

يمثل السروال القطعة الثالثة في زي النساء، ويكون واسعاً فضفاضاً من الأعلى وضيقاً عند الساق حتى أعلى القدمين، ويعد الجزء الضيّق من السروال هو الأعلى قيمة والأغلى ثمناً؛ إذ في حالات التمكن الاقتصادي يطرز يدوياً بخيوط من الفضة أو الذهب الخالصين، من ثم يطرز منفصلاً عن السروال ثم يخيط ليثبت مع بقية السروال. لذلك يكون الجزء الخاص بساقي السروال من قماش أثقل وأقوى نوعاً بحيث يتحمل التطريز، بينما يكون الجزء الأعلى الفضفاض من قماش أخف نوعاً. ففي حالات السراويل البالبة يفصل الجزء الأسفل منها ليثبت في سروال جديد.

وتغطي المرأة رأسها بالطرحة (الوقاية) التي يتدلى منها خيوط ملونة من الصوف المعقود، كما تلبس أعلى الوقاية (الخطية) التي تُزين أطرافها بخيوط من الصوف الملون أو (الزري) أي خيوط فضية.

وعلى النقيض من الثوب القصير بمنطقة الداخلية، يأتي ثوب منطقة ظفار بجنوب عُمان، طويلاً ومن ثم يطلق عليه مسمى (أبو ذيل)، والثوب الظفاري عادة ما يكون من قماش المخمل أو القطيفة أو القطن الثقيل، تزين رقبته بخيوط (البريسم)، أي الحرير (أو الزري) أو أية خيوط فضية أو ذهبية اللون، ويثبت على الثوب فصوص مصنوعة من الفضة أو الخرز، كما تضع المرأة بجنوب عُمان على رأسها (الشيلة) أي الطرحة وغالباً ما تكون من قماش القطن الخفيف أو الحرير المزينين بفصوص فضية اللون أو الخرز بأشكال مختلفة.

وهنا يكمن الفرق بين زي مناطق شمال السلطنة وزي مناطق جنوبها؛ حيث يتم التركيز في الشمال على السروال الذي قد يكون ثمنه أغلى من بقية أجزاء الزي، بينما يتحدد معدل غلاء الثوب الجنوبي في الثوب ذاته ومدى مهارة التطريز فيه ويأتي السروال في المقام الثاني.

وبصفة عامة لا يكتمل الزي النسائي في كافة مناطق السلطنة إلا بارتداء الحُلي الفضية أو الذهبية (29).

تواصلاً مع مفردات الزينة للهوية العُمانية بجنسيها (رجال ونساء) يأتي البخور الذي يعد عادة ملازمة للشخصية العُمانية منذ أقدم العصور، حيث يستخدم البخور في اليوم الواحد من حياة العُماني أكثر من مرة.

وينقسم البخور العُماني إلى أنواع: بخور عود خشب الصندل المستورد من الدول الآسيوية، وهو الأغلى ثمناً ويقدم عادة للضيوف حين مغادرة المنزل للتعبير عن كرم الضيافة وعن فرحة المضيف وحبه للضيف بما يتضمنه التقليد من دعوة ضمنية لتكرار الزيارة، كما يبخر ببخور الصندل ملابس العروسين وتتبخر به الأهالي، باعتباره عطراًً قبل خروجهم لتبادل الزيارات.

والنوع الثاني من البخور يسمى بخور الخلطة، ويأتي في المرتبة الثانية من حيث القيمة. ويتكون بخور الخلطة من مجموعة من الروائح التي تستخلص من زهور بعينها يصنع عطرها محلياً. ويستخدم هذا النوع من البخور للأغراض العادية وبعض المناسبات الاجتماعية كالأفراح والموالد والمآتم لدى فئة اجتماعية بعينها.

أما بخور اللبان فيعد نوعاً ثالثاً وهو الأكثر شيوعاً لا لكونه الأرخص ثمناً، إذ تتفاوت قيمته الشرائية حسب نوع اللبان المستخدم وجودته، بل لكونه أكثر الأنواع استخداماً في تبخير المنازل والملابس وكافة الأغراض الحياتية، فضلاً عن بعض المناسبات الاجتماعية كعادات الاحتفاء بالزواج والولادة وختان المولود، كما يستخدم بخور اللبان في تبخير المياه لإعطائها رائحة ونكهة طيّبة. هذا فضلاً عن أن الفئات الاجتماعية الشعبية تمضغه باعتباره لباناً ذا نكهة طيّبة.

وغنى عن البيان أن اللبان يعد دافعاً أساسياً للحركة التجارية العُمانية منذ القدم، إذ تعود تجارته إلى ما قبل سبعة آلاف سنة، حين تحركت السفن والقوافل التجارية من منطقة ظفار بجنوب عُمان إلى جنوب العراق وبلاد الشام حتى مصر القديمة. وتعد مدينة غزة في تلك الآونة نقطة انطلاق للبان العُماني إلى بلدان أوروبا لاسيما روما. كما تشير الدراسات إلى أن ظفار كانت ولا تزال مركز إنتاج اللبان العُماني عالمياً، إذ يصل مجمل ما تنتجه سنوياً إلى سبعـة آلاف طن وهو ما تقدر قيمته المبدئية بثلاثين مليون ريال عُماني (30).

تكمن أهمية اللبان العُماني عالمياً في أنه يدخل في كثير من صناعات الأدوية والزيوت والمساحيق والعطور والشموع، فضلاً عن استخداماته في العديد من دور العبادة.

وينقسم اللبان العُماني إلى أربعة أنواع: الحوجري ويعد أجود الأنواع ويليه النجدي ثم الشزري وأخيراً يأتي الشعبي. ومقياس جودة اللبان، نقاؤه وبياض لونه، فكلما كان ناصع البياض عُد الأحسن نوعاً ويسمى هذا النوع عند الجمع والفرز بـ (اللُقط) (31).

إن جمع اللبان يطلق عليه في اللهجة العامية العُمانية مسمى ((التجريح))، ويبدأ في أوائل شهر أبريل من كل عام حيث ارتفاع درجة الحرارة في ظفار، كما ينقسم الجمع إلى مراحل:

المرحلة الأولى: وتسمى بـ (التوقيع) ويقصد به ضرب شجرة اللبان الضربة الأولى بغية كشط قشرتها الخارجية فسرعان ما يتلو التوقيع سائل لزج حليبي اللون يترك ليتجمد لمدة أسبوعين، ثم تجمع ثماره الناصعة البياض التي تصنف بثمار الدرجة الأولى تكون للتصدير الخارجي وتسمى باللقط.

        ويتلو الضربة الأولى التجريح الثاني حيث تجمع ثماره التي لا تكون بنفس جودة ثمار الدرجة الأولى ومن ثم تعد غير تجارية ويكتفى بها للاستخدام المحلي.

        وبعد أسبوعين من التجريح الثاني يبدأ التجريح الثالث الذي تميل ثماره إلى اللون الأصفر، وتعرف بأنها أكثر الأنواع شيوعاً لرخص ثمنها وشعبيتها في الاستخدامات المختلفة.

        ويلزم التنويه إلى أن ضرب شجرة اللبان ليست عملية عشوائية، بل تحتاج إلى مهارة فائقة ويد خبيرة، إذ تختلف الضربات من شجرة لأخرى بموجب الحجم، كما يستمر موسم الحصاد لمدة زمنية تصل إلى ثلاثة أشهر، ويبلغ متوسط إنتاج الشجرة الواحدة عشرة كيلو جرامات تقريباً (32).

 

الصناعات الحرفية في علاقتها بالفن.

        إن اختلاف البيئة الجغرافية لسلطنة عُمان ما بين البحر والواحة والصحراء، قد أدى إلى التنوع في أنماط الفنون الشعبية. فثمة فنون ترتبط بالبحر والشاطئ والسفينة وأخرى ترتبط بالعمل وأشكاله المختلفة وثالثة ترتبط بالسمر.

        والموسيقى الشعبية العُمانية جزء لا يتجزأ من الفنون الشعبية بكل ما فيها من إيقاع وحركة. ولا يتسع المجال للخوض في الموسيقى الشعبية العُمانية وما يصاحبها من أشكال تعبيرية قائمة على الحركة أو الكلمة أو على كلتيهما معاً. إذ يحتاج هذا النوع من الخوض إلى دراسة شاملة تقف على كافة المؤثرات التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية لهذا النوع من الموسيقى، وكذا المؤثرات العملية (التطبيقية) بما فيها من آلات موسيقية وتدوين موسيقى وإيقاع ونظام لحني ورقصي وحركي، فضلاً عن المؤثرات العلمية وما تشمله من تصنيف علمي لأنماط الموسيقى وتحليلها والجمع الميداني لها والكشف عن نظامها اللحني وكذا الإيضاح إذا ما كانت هناك علاقة بين موسيقى عُمان الشعبية ونظيرتها في الدول الأخرى.

        ومن ثم فإن ما يهم الباحثة في هذا الموضع هو التأكيد على أن وظيفة الآلة الموسيقية وارتباطها بنوع معين من فنون الموسيقى الشعبية يلعب دوراً أساسياً في أسلوب صناعة الآلة.

        ولما كان الإيقاع يلعب دوراً هاماً في الموسيقى الشعبية العُمانية، فقد نجم عن ذلك تنوع الآلات الإيقاعية وكثرتها، ليبلغ إجمالي الآلات الإيقاعية المستخدمة في الموسيقى الشعبية العُمانية سبعاً وعشرين آلة إيقاعية في مقابل آلات لحنية لا يتجاوز عددها سبع آلات.

        ومن ثم نستطيع القول: إن الإيقاع هو العنصر المنظم في الموسيقى الشعبية العُمانية، في حين أن أية موسيقى أخرى تتكون من عنصري اللحن والإيقاع وأن الأخير يظهر من خلال الزخرفة بينما الأعم الأغلب من إيقاع الموسيقى الشعبية العُمانية يقوم على الإيقاع المحدود الذي يحدده القالب الموسيقي ووظيفته، دون الاعتماد على الزخرفة.

        إن هيمنة عنصر الإيقاع على الموسيقى الشعبية العُمانية مرجعها أن العُماني لا يزال يستخدم صوته في كثير من الفنون الشعبية دون الاستعانة بآلة لحنية، كما أن معظم هذه الفنون يشمل رقصات تدعمها الآلة الإيقاعية أكثر من دعمها بالآلة اللحنية.

        وعليه قام الإيقاع بدور هام في الفنون الموسيقية الشعبية العُمانية وتنوع ما بين الممزوج بإيقاع أفريقي وآخر بإيقاع آسيوي وثالث بإيقاعات عربية أصيلة وذلك بموجب نوع الفن وانتمائه إلى منطقة بعينها.

        تنقسم الآلات الإيقاعية في الموسيقى الشعبية العُمانية إلى طبول برقمتين وطبول برقمة واحدة وآلات إيقاعية بدون رقم.

        والرَقْمةُ هي الأثر بباطن عضد الحمار والفرس (33). وقد ورد في الحديث الشريف ((ما أنتم من الأمم إلا كالرَقْمَة في ذراع الدابة؛ الرَقْمَةُ: الهَنَةُ الناتئة في ذراع الدابة من الداخل، وهما رَقْمتان في ذراعيها، وقيل: الرَقمتان اللتان في باطن ذراعي الفرس لا تُنبتان الشعر)) (34).

        إن الطبول بوصفها آلات إيقاعية في الموسيقى الشعبية العُمانية لها علاقة بالصناعات الحرفية لاسيما الخشبية منها والجلدية، إذ تصنع من أخشاب مختلفة منها ما هو محلى ومنها ما هو مستورد من غرب آسيا وشرق أفريقيا. وتصل أنواع الأخشاب المصنوع منها الطبول إلى ستة عشر نوعاً منها أخشاب السدر والغاف وجوز الهند والنخيل والبيذام وغير ذلك من أنواع الأخشاب (35). كما يصنع الأعم الأغلب من هذه الطبول من جلد الغنم والثور وأحياناً الجمل.

        فالآلات الإيقاعية ذات الرقمتين تشتمل على فصيلة من الطبول بمسميات مختلفة منها: الرحماني والرحماني الطويل والرنة والكاسر والكاسر القصير والكاسر المفلطح والمراس، وأهم ما يميز هذه الفصيلة، بجانب أنها تحوي رقمتين، أن العازف عليها بإمكانه التحكم في شد أولين الرقمة بواسطة الحبال التي تُشد فتربط بين جهتي الرقمتين عبر أسطوانة جسم الآلة، كما تتنوع أساليب ضرب الرقمة في هذه الفصيلة فمنها ما يُضرب بالعصا على جانب واحد دون استخدام اليد، ومنها ما يضرب باليدين دون العصا.

        وطبول فصيلة الرحماني بصفة عامة، أكثر أنواع الطبول انتشاراً في مناطق السلطنة؛ إذ تعد جزءاً أساسياً في الفنون الشعبية العُمانية، حيث يقوم نوع الرحماني منها – مثلاً – بإعطاء القاعدة الأساسية في الإيقاع، ومن ثم يجب أن يكون الصوت الصادر من هذا النوع من الطبول، ضخماً وممتلئاً إذ يتولى تأكيد أساس الإيقاع في كل فن من فنون الرقص الشعبي، بينما نجد – على عكس من ذلك – طبل الكاسر الذي يقوم بإصدار الصوت الحاد. وتظل العلاقة بين الرحماني والكاسر علاقة وطيدة؛ ففي معظم فنون الرقص الشعبي العُماني نراهما متلازمين يكمل كل منها الآخر. وعليه إذا كان الإيقاع ثلاثياً مثلاً، يتولى الرحماني الضلع القوي والكاسر الضلعين الآخرين بصورة حادة.

        أما الآلات الإيقاعية ذات الرقمة الواحدة فتشمل ثلاث فصائل: فصيلة المسيندو، وفصيلة الدف وفصيلة الباز. وأكثر هذه الفصائل انتشاراً وشهرة فصيلة المسيندو لاحتوائها على مجموعة من الطبول، تتفاوت حسب الاحتياج والارتباط الوظيفي للفن. لذا نجد المسيندو الطويل والقصير والليو ومسندو الطنبورة ومسندو رقص الزنوج ومسندو الواقف.

        وتتميز طبول مجموعة المسيندو بتثبيت الرقمة على طرف واحد من الطبلة وعادة ما يكون الطرف الواسع منها، حيث تشد الرقمة على الطبلة بواسطة أوتار خشبية، تعين العازف على التحكم في درجة الصوت حسب قوة الشد، أو عبر تسخين الرقمة بالنار أو المسح عليها بشدة بواسطة عجين التمر الممزوج برماد الخشب الساخن.

        ويتلو هذا قيام العازف بربط طبل المسيندو على خصره بواسطة حزام يلف حوله، أما إذا كان طبل المسيندو من النوع الطويل، فإنه يضع الجزء المتبقي منه بين قدميه على هيئة مَنْ يمتطى صهوة جواد. وهذا الوضع في استخدام المسيندو، يستخدم كثيراً في الفنون الشعبية التي تقتضي الوقوف مثل فن المكوارة وفي الفنون التي تحوي الكثير من الحركة مثل: موكب الشوباني ورقصة زفة المختون التي تقتضي أن يجر العازف المسيندو أثناء عزفه.

        وأخيراً نأتي إلى الآلات الإيقاعية بدون رقمة وهذه الآلات تحوي بعض الصناعات الحرفية المعدنية، فضلاً عن صناعات أخرى تتضمن مفردات بحرية.

        فالنوع الأول يصنع من آلة العضد التي هي عبارة عن أنبوبة دائرية من الفضة تُملأ بالحبوب الجافة أو الحصوات لإصدار الصوت عند هزها. والعضد آلة موسيقية إيقاعية، تستخدم من قبل النساء خاصة، لتحديد النبض الإيقاعي أو للإشارة إلى تغيير شكل المجموعات الراقصة في فنون بعينها مثل فن (الويليه) بمنطقة منح.

        كما يصنع من النحاس ما يسمى بالسجال أو الصنوج أو الرنج أو الطاسة، وجميعها عبارة عن زوج من الصاجات على شكل دائري يمسك بهما العازف في كل يد فيصدر الصوت بواسطة طرق الطرفين بعضهما بعض. والسجال آلة تستخدم لزخرفة الإيقاع في فنون البحر والعيالة والويليه، وتستخدم لإبراز مقطوعة زخرفية دون الإيقاع في فنون أخرى مثل فن المديمة.

        من الصفيح تصنع آلة التنك. والتنك كلمة معربة من أصل إنجليزي هي (Tank) وتسمى هذه الآلة بـ (الباتو) أحياناً نسبة إلى كلمة (Bato) في اللغة السواحلية وتعني الصفيح.

        والتنك أو الباتو، صفيحة فارغة يُطبق منتصفها، ليصدر الصوت منها بواسطة الطرق عليها بالعصا. ويتم استخدام هذه الآلة الإيقاعية في فنون بعينها مثل: الليوا والطنبورة والرايوا والمكوارة.

        وأخيراً تأتي الآلات الإيقاعية التي تصنع من المفردات البحرية، وتتمثل في آلات نفخ. وأغرب ما فيها أنها – رغم كونها آلات نفخ – توظف في الموسيقى الشعبية العُمانية، بوصفها آلات إيقاعية لا آلات لحنية.

        ومرد ذلك أن النفخ في هذه الآلات لا يستخدم لإثراء الجانب اللحني فيها، بل لتأكيد الإيقاع المشاركة فيه الآلة، بغية زخرفته أو ضبط بعض أجزائه. ومن ثم فإن هذا النوع من آلات النفخ لا يحوي سوى ثقب واحد يصدر منه نغمة واحدة عبر الأسلوب المتقطع في استخدام الآلة، شأنها في ذلك شأن الآلات الإيقاعية، وتشمل آلات الإيقاع بالنفخ على:

        آلة الجم وتسمى أحياناً باليم، وهي عبارة عن صدفة بحرية كبيرة تعد للنفخ بقطع الجزء الأعلى منها أو فتح ثقب بها، يتم استخدامها بأسلوب متقطع إيقاعي لنغمة واحدة تضيف لوناً مميزاً للصوت الإيقاعي. وغالباً ما توظف آلة الجم أو اليم في فنون التطبيب الشعبي وفن الميدان وفنون البحر مثل: المديمة والشوباني وفنون التسلية والسمر مثل: الليوا.

        كما تشتمل آلات الإيقاع بالنفخ على آلة تسمى بالبرغام أو البرغوم وتصنع من قرن كبير لحيوان مثل الجاموس حيث يتم ثقب أعلى القرن لينفخ فيه العازف. وفي حالة إطالته أو تقطيعه للنغمة الصادرة يتضح الغرض من توظيف النغمة إذا ما كان لخدمة الإيقاع عامة أو لخدمة جزء منه. وكثيراً ما توظف آلة البرغام أو البرغوم في فنون السيف مثل: فن الرزحة وفن العازي.

        وتأتي آلة الرعبوب ضمن الآلات الصدفية البحرية فهي عبارة عن صدفتين ملتصقتين بحجم صغير بداخلها حيوان بحري، تسميان محلياً قبل معالجتهما باستخراج الحيوان منهما باسم (الدوك). ومحار الرعبوب عادة ما يستخدمه الأطفال في الاحتفال بليلة النصف من شهر رمضان وهو ما يطلق عليه مسمى القرنقشوه أو الطوق طوق أو التلميس، حيث يقوم الأطفال بطرق الصدفتين بعضهما بعض، على نحو يؤكد وحدة الإيقاع المستخدم في أغاني هذه الليلة.

        مما سبق يتبين أن هناك علاقة بين الصناعات الحرفية وبين المأثورات الشعبية، لاسيما في جانبها الفني. الأمر الذي يفتح باباً لدراسة الكم الهائل مما تحويه الفنون الشعبية من آلات موسيقية لاسيما الإيقاعية منها، كما أن هذا النوع من الدراسة سيؤدي إلى تشجيع الإبداع وسيكشف عن الحاجة إلى الإمكانيات المادية والبشرية لتحقيقها، لما لها من أهمية تطبيقية وعلمية ومردود فكري وآخر اقتصادي. وكي يتم ذلك فإن الأمر يتطلب مجموعة من الخطوات الأساسية لعل أهمها يتمثل في المسح الميداني والحصر لكافة الفنون الشعبية العُمانية في كل مناطق السلطنة. وكذا الحصر لكل آلات الموسيقى الموظفة في تلك الفنون، والمصاحبة للغناء والرقص الشعبي، فضلاً عن حصر المناسبات التي تؤدى فيها الفنون الشعبية العُمانية، بغية الكشف عن خصوصيتها والتوثيق لها وإيجاد معجم متكامل يحوي كافة المسميات والتفاصيل المبدئية عن الآلات الموسيقية التقليدية والفنون الشعبية العُمانية.


الخـاتمـة.

يتناول بحث ((المأثورات الشعبية والتنمية الاجتماعية: الصناعات الحرفية العُمانية نموذجاً)) في تمهيده التأكيد على أن المأثورات الشعبية العُمانية –  شأنها في ذلك شأن المأثورات الشعبية الأخرى -تحوي جانبين، أحدهما مادي والآخر غير مادي.. وأن هذه المأثورات تعد وسيلة اتصال، جمعية كما أن المأثورات الشعبية العُمانية في جانبها المادي تحوي بجانب الصناعات الحرفية مفردات أخرى مثل الحصون والأبراج والأسوار والقلاع … إلخ، وجميعها تدرك وظائفها واستخداماتها على نحو مباشر.

ثم انتقل البحث لعرض النظرة العُمانية المعاصرة تجاه المأثورات الشعبية التي أرستها قواعد النهضة الحديثة بالسلطنة منذ نوفمبر عام 1970م. وذلك عبر مقاطع من خطب صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – بما تتضمنه من توجيه إلى ضرورة الاهتمام بالمأثورات الشعبية العُمانية بصفة عامة، والصناعات الحرفية بصفة خاصة. من ثم جاء الخطاب السامي معززاً ومقدراً للجهود المبذولة في هذا المجال لما لها من أهمية في إبراز ما لعُمان من واجهة تراثية وتاريخية وحضارية.

وفي نطاق إيضاح ما للصناعات الحرفية العُمانية من أهمية ودور فعّال على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، تطرّق البحث نحو الخصوصية الجغرافية للسلطنة بكل ما فيها من تقسيم بيئي ثلاثي تمثل في: البحر والصحراء والواحة، وما يعقبه من تنوع واختلاف في المنتج الحرفي، وعليه تم تفعيل خطوات العناية بهذه الحرف بإنشاء الهيئة العامة للصناعات الحرفية، هيئة مستقلة من أهم مهامها التنفيذية توفير سبل العناية بالصناعات الحرفية وحمايتها والحفاظ عليها من أي اندثار قد يصيبها نتيجة للتقدم المدني، هذا فضلاً عن العمل على الارتقاء بها والتسويق لها محلياً ودولياً.

كما وقف البحث على سُبل أخرى في تعزيز الصناعات الحرفية العُمانية والتي تنوعت ما بين اهتمام الهيئة العامة للصناعات الحرفية بإقامة مسابقة سنوية لها، بهدف تشجيع الجانب الإبداعي والفني في الحرفيين والوقوف على أهم مواطن النقص في هذه الصناعات، وبين إنشائها لبيت الحرفي العُماني معرضاً دائماً يضمن عرض المنتجات الحرفية والتسويق لها. وكذا حرص الهيئة العامة للصناعات الحرفية على التعاون مع الجهات الرسمية الأخرى للمشاركة في المهرجانات الدولية بغية التسويق للصناعات الحرفية والتعريف بها عالمياً.

وقد أكد البحث أن صور الاهتمام بالصناعات الحرفية العُمانية لم تقتصر على هيئتها العامة، بل امتدت لتشمل جهات أخرى؛ رسمية حكومية أو خاصة شخصية. من أمثلة الأولى اهتمام بلدية مسقط ووزارة البلديات الإقليمية والبيئة بالسلطنة بنصب ميادين عامة تحوي مجسمات فنية لنماذج من الصناعات الحرفية، وكذا الحرص على توزيع هذه المجسمات بما فيها من جانب فني جمالي على جانبي الطرق العامة، لتأكيد ما لعُمان من تراث شعبي. كما يأتي حرص الحكومة العُمانية على إنشاء مصنعي النسيج والفخار ضمن الصور الرسمية للاهتمام بالصناعات الحرفية.

وبصدد الصور الشخصية أو الخاصة بالصناعات الحرفية، تطرّق البحث للجهود الذاتية المبذولة في هذا المجال، متمثلة في موسوعة ((التراث الحرفي في سلطنة عُمان)) التي أتت معبرة عن وجهة نظر أحد شخصيات العائلة المالكة العُمانية في أن الصناعات الحرفية ليست مجرد مفردات موجودة في العالم الخارجي، بل أدوات وظيفية تدخل في كافة نواحي الحياة التراثية والمدنية. كما تضمنت الموسوعة – فيما تضمنته – الأنماط المختلفة للصناعات الحرفية وأماكن تواجدها، فضلاً عن الرصد التاريخي والتوثيق العلمي الدقيق لها.

والمثال الآخر من الجهود الذاتية يتمثل في ((بيت الزبير)) بوصفه بيتاً تراثياً ومتحفاً خاصاً يحوي ضمن اهتماماته عرض نماذج من الصناعات الحرفية العُمانية ببيئتها المختلفة مع تعزيز العرض بعرض آخر تطبيقي يحوي سُبل المعيشة في تلك البيئات والكيفية التي تتم بها تلك الصناعات. كما يُعنى المتحف بإقامة ورش عمل للصناعات ذاتها على مدار السنة ضماناً للتواصل بين الحرفيين ورفع مهاراتهم الفنية والتسويق لمنتجاتهم.

وقد احتوى البحث على عرض موجز عن أقسام الصناعات الحرفية العُمانية، متمثلة في صناعة الفضيات والنسيج والسعفيات والفخار والخزف وكذا الصناعات الخشبية والجلدية والنحاسية والحجرية والجبسية وصناعة أدوات الصيد والبخور والعطور. كل ذلك مع التركيز على تبيان الفروق بين كل صناعة وأخرى ومرور سريع على أهم المفردات الإنتاجية لكل صناعة.

وقد وضعت الباحثة نصب عينيها أهمية العلاقة التي تربط بين هذه الصناعات والمحيط الاجتماعي والثقافي ومن ثم تطرّقت إلى علاقتها بكل من: الهوية العُمانية والفن.

فعن علاقة هذه الصناعات بالهوية العُمانية، أثبت البحث أن عمق هذه العلاقة يتمثل في تحديد الهوية عبر صناعات بعينها، تتمثل في الزي بشقيه الرجالي والنسائي وما يستتبعه من ملحقات.

فبالنسبة للزي الرجالي، اهتم البحث بعرض التقسيمات العامة له، متمثلة في الجلباب (الدشداشة) والعباءة (البشت) والعمامة والطاقية (الكمة) مع إبراز أهم الفروق بين زي الرجال بمناطق السلطنة وكذا الفروق حسب المرحلة العمرية.

في تناوله لزي النساء عرض البحث لأقسامه الثلاثة وهي: الدشداشة أو الكندورة والطرحة والسروال، مبيناً أن مسميات هذه الأقسام تختلف باختلاف مناطق السلطنة، هذا فضلاً عن اختلاف شكل الزي ذاته وأن القيمة في الزي النسائي لا تكمن في عملية الخياطة فحسب، بل في كيفية التطريز وسبله، بما يتضمنه من فنية التزيين عبر تثبيت العناصر الجمالية كالخرز والترتر … إلخ، أو استخدام الخيوط الفضية والذهبية وغير ذلك من عناصر الزينة.

وقد وقف البحث وقفة متأنية مع أهم ملحقات الزي العُماني بشقيه الرجالي والنسائي، متمثلة في الخنجر واللبان والبخور.

ففيما يتعلق بالخنجر تطرّق البحث للحديث عن هيئته وأقسامه المتمثلة في المقبض والسكين والنصل والغمد والقطاعة، موضحاً أنواع الخناجر العُمانية، ومؤكداً أنها لا تعد جزءاً هاماً من مفردات الزي الرجالي فحسب، بل جانباً من جوانب المهارة الفنية في الصناعات الحرفية. من ثم يحرص الرجل العُماني على ارتداء الخنجر واقتنائه، بل وأطلق عليه مثله الشعبي (زينة وخزينة) معبراً عن قيمته الفنية والمادية.

وفي تناوله عنصر اللبان بيَّن البحث أن دوره يتعدى حدود التزين به، عبر استخداماته المختلفة، إلى أهمية اقتصادية وتاريخية منذ فجر التاريخ. وأن أهم مراكز اللبان هي منطقة ظفار بجنوب عُمان، كما أن عملية تجميع اللبان من الشجر تسمى محلياً بالتجريح؛ أي ضرب شجر اللبان لتجميعه، وأن هذه العملية لها ثلاث مراحل يستتبع كل منها تحديد نوع اللبان من حيث التصدير أو الاستخدام المحلي وذلك حسب درجة نصاعة لونه الأبيض، فشدة نصاعة اللون تمثل أجود أنواع اللبان وأغلاها ثمناً، وهي ما يطلق عليها محلياً (اللُقط) وعادة ما يكون للتصدير الخارجي، إذ يدخل في كثير من صناعات الأدوية والزيوت والمساحيق والعطور… إلخ. وقد أكد البحث أن عملية ضرب شجر اللبان ليست عملية عشوائية، بل تحتاج إلى يد خبيرة ومهارة فائقة.

أما عن عنصر البخور فقد أوضح البحث أن البخور عادة ملازمة في الحياة اليومية العُمانية، كما أن هناك تفاوتاً في أنواع البخور واستخداماته. فبخور عود الصندل المستورد هو أجود أنواع البخور وأغلاها ثمناً، ومن ثم يقتصر على فئات اجتماعية بعينها واستخدامات محددة منها تقديمه للضيف تعبيراً عن كرم الضيافة، ومنها تبخير ملابس العروسين. ويأتي بخور الخلطة المصنوع من مجموعة عطور تصنع محلياً في المرتبة الثانية ويستخدم عادة في الأغراض العادية وبعض المناسبات الاجتماعية. ويلي هذا النوع من البخور بخور اللبان الذي يأتي في المرتبة الثالثة لانتشاره وشيوع استخداماته فبه تبخر المنازل والملابس يومياً، كما يستخدم في أكثر المناسبات الاجتماعية منها الاحتفاء بالزواج والولادة، كما تبخر المياه به لإعطائها نكهة مميزة، هذا فضلاً عن مضغه بوصفه علكة ذات طعم ونكهة لذيذة.

أما عن علاقة الصناعات الحرفية بالفن، فقد ركز البحث على أهم الصناعات المرتبطة بهذا الجانب وهي الصناعات الخشبية وبعض الصناعات المعدنية والصناعات المرتبطة بمحار البحر.

فبخصوص الصناعات الخشبية، توصل البحث إلى أن أهم مفرداتها الثقافية (الفنية)، تتمثل في الآلات الإيقاعية ذات الرقمتين والرقمة الواحدة، فمن أخشاب مثل: السدر والغاف وجوز الهند والنخيل تصنع آلات موسيقية إيقاعية يبلغ عددها في الموسيقى الشعبية العُمانية سبعاً وعشرين آلة إيقاعية في مقابل آلات لحنية لا يتجاوز عددها سبع آلات.

كما توصل البحث إلى أن الإيقاع عنصر أساسي في الفنون الشعبية العُمانية وأن الإيقاعات الموظفة في هذه الفنون تمتزج بالإيقاعات الأسيوية والأفريقية والعربية. وأن لكل آلة إيقاعية فنونها الخاصة وطرق استخدام تختلف من آلة لأخرى، حسب موقفها الفني والوظيفي، كما أن أكثر الآلات الإيقاعية شيوعاً تتمثل في فصيلة طبول الرحماني والمسيندو.

هذا عن الصناعات الخشبية، أما الصناعات المعدنية فمنها تصنع الآلات الإيقاعية بدون الرقمة ومن أهم ما يميز هذه الآلات أن بعضها آلات نفخ ومع ذلك لا يتم توظيفها بوصفها آلات لحنية بل إيقاعية، ومن ثم فهي ذات ثقب واحد ينفخ فيه العازف وبموجب الصوت الصادر وحسب التقطيع المصاحب له سواء أكان طويلاً أم قصيراً يتم توظيفه للتأكيد على الإيقاع العام أو لضبط بعض أجزائه.

ومن أبرز الآلات الإيقاعية المصنوعة من النحاس الصاجات ومن الصحيفة المعدنية آلة التنك ومن الفضة آلة العضد ومن محار البحر يصنع الجم والبرغوم والرعبوب. وأن لكل منها فنها الشعبي ففي فن البحر والعيالة والمديمة يكثر توظيف الصاجات، وفي فنون مثل: الليوا والطنبورة والرايو والمكواره يتم توظيف التنك، وفي فن الشوباني والليوا والمديمة تستخدم آلة الجم، كما تستخدم آلة البرغوم مع فنون السيف مثل: الرزحة والعازي، وأخير يوظف الرعبوب في بعض الاحتفالات الاجتماعية مثل احتفاء الأطفال بـ (القرنقشوه) ليلة منتصف شهر رمضان.

وختاماً، خلص البحث إلى أن الكشف عن العلاقة التي تربط بين الصناعات الحرفية والفنون الشعبية العُمانية سواء فيما يتعلق بالغناء أو الرقص أو الموسيقى، يحتاج إلى مزيد من البحوث المستقبلية المتخصصة في هذا المجال، لما لها من أهمية في دفع عملية الإبداع والكشف الأكاديمي الدقيق لأشكال الإيقاعات ولكافة الآلات الموسيقية الموظفة في الفنون الشعبية، فضلاً عن الحاجة القصوى لدراسة كافة أشكال الموسيقى الشعبية العُمانية وما يعقبها من جوانب تاريخية وعلمية وتطبيقية وجغرافية… إلخ. ومثل هذا النوع من الدراسات يحتاج إلى إمكانيات فكرية ومادية وبشرية عالية.

نماذج من الصناعات الحرفية العُمانية.

 

 

 

 
 

 

 

نماذج من الميادين العامة.

   

 

 

نماذج من الزي العُماني .

   

 

 

نماذج من الآلات الإيقاعية.

   

نماذج من مسابقات التميز الحرفي.

     


الـهـوامــش

 

(1)

أحمد علي مرسي. مقدمة في الفولكلور، القاهرة، دار الثقافة، (د.ت)، ص17.

(2)

لمزيد من التفاصيل حول هذه المفردات راجع شبكة المعلومات الدولية في كل من:

– موقع وزارة التراث والثقافة: www. mhc. gov. com.

– موقع معلومات عن سلطنة عُمان: www. omanet. com.

(3)

أحمد علي مرسي. حول المأثورات الشعبية: قضية للمناقشة، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع19، أبريل- يونيو 1987م، ص13.

(4)

راجع: خطب وكلمات حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم (1970-2000م)، وزارة الإعلام، مسقط، 1422هـ-2001م، ص ص20-21.

(5)

راجع: السابق. ص144.

(6)

السابق. الصفحة نفسها.

(7)

راجع: السابق. ص147.

(8)

راجع: عُمان (2004-2005م)، إصدار وزارة الإعلام، مسقط، 1425هـ-2004م، ص66.

(9)

راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع الهيئة العامة للصناعات الحرفية www. paci. gov. com

(10)

راجع. السابق.

(11)

ندوة (الوايبو) عن حماية الصناعات الحرفية العُمانية، مسقط، مارس 2005م، نقلاً عن: مجدي العفيفي. منظومة الثقافة العُمانية في عصر النهضة، مسقط، وزارة التراث والثقافة، مطبعة عُمان، 2006م، ص177.

(12)

راجع: مسابقة التميز الحرفي الثالثة. الهيئة العامة للصناعات الحرفية، مسقط، 2005م، ص39.

(13)

راجع: مطويات الهيئة العامة للصناعات الحرفية، مسقط، 2006م.

(14)

راجع: سعود بن سالم العنسي. العادات العُمانية، ط1، مسقط، وزارة التراث القومي والثقافة، 1412هـ-1991م، ص68.

(15)

راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع الهيئة العامة للصناعات الحرفية، مرجع سابق.

(16)

راجع: سعود بن سالم العنسي. مرجع سابق، ص68.

(17)

راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع الهيئة العامة للصناعات الحرفية، مرجع سابق.

ج

(18)

تم إنشاء مركز عُمان للموسيقى التقليدية بوزارة الإعلام في عام 1984م، بغية جمع وتوثيق وتطوير الفنون الشعبية الموسيقية العُمانية لتتفق مع رغبات المجتمع العُماني الحديث، ومن ثم قام المركز بمسح ميداني لهذه الفنون قدر المستطاع، كما يسعى نحو إخراج معجم متكامل عن كل الفنون الشعبية العُمانية، وإيجاد الدراسات والكتب التخصصية في هذا المجال لخدمة احتياجات المهتمين والدارسين.

لمزيد من التفاصيل راجع كلاً من:

– شبكة المعلومات الدولية. موقع عُمان للموسيقى التقليدية:

     www. octm- folk. gov. om.

– عُمان (2004م-2005م). مرجع سابق، ص229.

(19)

نص البيان الصادر عن مؤسسة سميثسونيان، شبكة المعلومات الدولية. موقع

       www. folklife. si. edu. internet .

See: Neil Richardson and, Maria Dorr. The Craft Heritage of Oman, vol 1-2 Published under the Auspices of his Highness Seyyid Shihab bin Tariq Al- Said, Motivate Publishing,Dubai, UAE, 2003.

(20)

(*)

صاحب السمو السيد: شهاب بن طارق بن تيمور آل سعيد، هو المستشار الخاص لصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد. وهو رئيس مجلس البحث العلمي بالسلطنة.

(**)

معالي: محمد بن الزبير بن علي هو المستشار الخاص لصاحب الجلالة لشؤون التخطيط الاقتصادي، كما أنه واحد من أبرز رجال الأعمال والفنانين الفوتوغرافيين بالسلطنة.

(21)

لمزيد من التفاصيل حول متحف بيت الزبير راجع كلاً من:

– مجدي العفيفي. مرجع سابق، ص ص 288-290.

– مطويات متحف بيت الزبير. مسقط، مطبعة بيت الزبير، 2004م.

(22)

لمزيد من التفاصيل حول كل صناعة من تلك الصناعات راجع:

     Neil Richardson and Maria Dorr. OP. Cit.-

– سعود بن سالم العنسي. مرجع سابق، ص195.

– عُمان (2004م-2005م). مرجع سابق، ص227.

(23)

لمزيد من التفاصيل حول أنواع السفن والقوارب التقليدية بالسلطنة، راجع شبكة المعلومات الدولية، موقع معلومات عن سلطنة عُمان، مرجع سابق.

(24)

راجع: مجدي العفيفي. مرجع سابق، ص216.

(25)

لمزيد من التفاصيل حول أسماء تلك الشواهد وما يتضمنه كل منها من تاريخ راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان، مرجع سابق.

(26)

راجع: سعود بن سالم العنسي. مرجع سابق، ص ص 61،195.

(27)

السابق. ص67.

(28)

راجع السابق. ص195.

(*)

لمزيد من التفاصيل حول تقسيمات هذه الصناعات وتوزيعها عبر مناطق السلطنة راجع: السابق. ص ص 195-196.

(29)

لمزيد من التفاصيل عن أنواع الزي العُماني واختلافه بين مناطق السلطنة راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع معلومات عن سلطنة عُمان، مرجع سابق.

(30)

لمزيد من التفاصيل راجع: السابق.

(31)

راجع: سعود بن سالم العنسي. مرجع سابق، ص180.

(32)

لمزيد من التفاصيل راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع معلومات عن سلطنة عُمان، مرجع سابق.

(33)

راجع: ابن منظور. لسان العرب، القاهرة، دار المعارف، مادة (رقم)، ج3، (د.ت)، ص1709.

(34)

السابق. الصفحة نفسها.

(35)

لمزيد من التفاصيل عن الأخشاب المستخدمة في صناعة الطبول وأنواعها راجع: شبكة المعلومات الدولية. موقع مركز عُمان للموسيقى التقليدية، مرجع سابق.

الكاتب: Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s