Asyah Al Bualy Articles

جبال وأودية عُمان إضافية فنية

أضف تعليقاً

        إن عدسة الفنان: محمد بن الزبير تعد مزيجاً فريداً يربطك بأجواء الحلم ويحملك بمناخات اليقظة، كما تفسح (أي العدسة) المجال الأوسع للرائي كي يطلق عنان خياله وحرية تأويله وتفسيره، حيث مفردات الطبيعية تُكسى بميلاد جديد يتجدد مع كل رؤية متذوقة للروعة والجمال، وعليه فإن أحاديث تصاوير الفنان تترك أثراً في النفس ضارباً في العمق إلى الحد الذي يسأل معه المشاهد أحلم ما أراه أم حقيقة ؟

        في مساء يوم الثلاثاء الموافق 12 ديسمبر 2006م. تم تدشين كتاب؛ (ألبوم الصور) لمعالي: محمد بن الزبير بن علي الذي ورد تحت عنوان (جبال وأودية عُمان) حيث كان الحدث في (بيت الزبير) بمسقط، وتحت رعاية معالي السيد: سعود بن إبراهيم البوسعيدي (وزير الداخلية) وبصحبة لفيف من كبار مسؤولي الدولة والفنانين ومتذوقي الفن ومحبيه من الأصدقاء والمعارف.

        يأتي كتاب (جبال وأودية عُان) بوصفه جزءاً ثالثاً ضمن إصدارات سلسلة فنية بدأها محمد الزبير بالجزء الأول كتاب: (عُمان بلادي الجميلة) الذي تلاه بجزء ثاني بعنوان (مناظر من ظفار).

        والمتابع لكتاب (جبال وأودية عُمان) يطالع في مقدمته إهداء الفنان المرفوع للمقام السامي؛ صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – لما لتشجيع وتوجهات جلالته السامية الدافع الأكبر للفنان إزاء إصدار سلسلته، ومما لا شك فيه أن القائد المفدى وابن عُمان البار هو حقاً أحق الناس بالإهداء إذ أن جلالته منبع الفن للوطن بأكمله، وآية ذلك نهضته المجيدة التي حولت من عُمان إلى تحفة فنية لا مثيل لها.

        كما لم ينس الفنان أن يقدم كلمة شكر وتقدير إلى كل مَنْ سانده فكرياً وفنياً ومن ثم رصد مجموعة من الأسماء هي: أ.د. أحمد درويش، ود. آسية البوعلي، وسعيد الساحب والشاعر الفنان ذياب صخر، وأحمد المخيني، وعبد الرحمن الهنائي ودعد وقاف والدكتور وليم سايفر وساره وايت، هذا فضلاً عن دعائه بالرحمة لكل الشعراء الذين وافتهم المنية واقتبس الفنان بعضاً من أشعارهم موظفاً إياها في كتابه. وكذا تقديره وشكره لشركة زينة للتصميم والإعلان.

        في حقيقة الأمر قصدت أن أبين اعتناء الفنان: محمد الزبير بذكر الشكر والتقدير وأيضاً إصراره على رصد الأسماء تفصيلاً حتى يكون الموقف بكل ما فيه من رفعة فكرية وإنسانية قدوة للأجيال اللاحقة في أعمالهم الثقافية والإبداعية لاسيما وأن الجميع يعرف ما يتمتع به معالي الزبير من مكانة أدبية واجتماعية، مع ذلك لم يجاهل مَنْ سانده في عمله الإبداعي خاصة وأنه يكرر دائماً أن يداً واحدة لا تصفق وأن الفن الجاد والصادق هو هجنة تولد من قرائح متنوعة.

        وقبل الخوض في الحديث تفصيلاً عن كتاب (جبال وأودية عُمان) أود أن أبين أن الجزء الأول من هذه السلسلة الذي هو (عُمان بلادي الجميلة) قد انصب على تركيز الفنان في ما تتمتع به عُمان من طبيعة خلابة متمثلة في مختلف المفردات: بحر، شاطئ، صحراء، أفق، زراعة، حصون، جبال… إلخ، كما أن الكتاب لاقى نجاحاً منقطع النظير وآية ذلك إعادة طباعته أكثر من مرة، فضلاً عن تحقيق رسالته في تأكيد الجانب الجمالي للطبيعة العُمانية وما استتبع ذلك من جذب عين السائح، وكذا توظيف صور الكتاب على جدار الفنادق والمؤسسات والهيئات الرسمية والخاصة وأيضاً طباعة صوره في مختلف الكتب والمجلات والنشرات.

        والمتابع لصور الفنان: محمد الزبير يشعر دوماً بأنه إزاء لوحة فنية متجددة الخطوط والألوان والزوايا، ولما كان وعي الفنان مدركاً لما ينجزه واعياً لأهدافه الفنية، فإنه في الجزء الثاني من إصدارته والذي ورد تحت عنوان (مناظر من ظفار) انتقل بعدسته من مفردة المكان إلى الزمان قاصداً بالأخيرة التأكيد على أن الزمان يعد عاملاً حاسماً في تشكيل المكان وهيئته. ومن ثم وقع الاختيار على مناظر من ظفار إبان فصل الخريف لما فيه من كسر لقاعدة الموت والانتهاء المرتبطة بهذا الفصل. لذا فاختيار محمد الزبير لفصل لخريف ظفار كان موفقاً من خلال إيضاحه لتدرجات اللون الأخضر على الجبال وعبر التنوع التشكيلي لمختلف الألوان في الزهور والورود بكل ما فيهما من اختلاف واتساق.

        إن رصد عدسة الزبير لمفردات المكان في الجزأين السابقين نراه يأتي من منظور خارجي يعكس ما يراه الفنان عبر عينٍ التقطت أبعاد جمالية، أضاف إليها زوايا تشكيلية بواسطة تقنية التصوير الرقمي.

        تلك التقنية التي يعيد توظيفها محمد الزبير في الجزء الثالث (جبال وأودية عُمان) حيث يعد الألبوم مرحلة نضـج فنية بما يطرحه من سؤال ألا وهو: هل يبادل المكان الإنسان علاقة التأثير والتأثر ؟

        يقر الفنان: محمد الزبير في مقدمة كتابه أن آلة تصويره وهي “تتجول من جبال وسهول وأودية عُمان لا تريد أن تقدم شرائح لمختبرات العلماء ولا وثائق لكتب الدارسين بقدر ما تريد التأمل في صفحات كتاب الكون الخالد ودلالتها الجميلة التي لا تحدها نهاية”.

        ذلك التأمل وتلك الدلالات التي كان الفنان على وعي بها وعليه فإن الصور أتت عاكسة عما يعتمل داخل الإنسان العُماني من ملكات القوة وردود أفعال وحاسة تذوق لجمال الجبال والأودية، وأن هيمنة مفردتي الجبال والأودية على الطبيعة العُمانية كانت ولا تزال منبعاً لأحاسيس التحدي وقهر المستحيل للوصول إلى الغاية والهدف، فضلاً عن تحمل المشاق والقدرة على اكتشاف الحلول كذا تأقلم الإنسان مع تلك الطبيعة وترويضه كل ما حوله كي يتناسب مع البيئة المحيطة، كما أن تلك الطبيعة كانت ولا تزال مثار خيال الإنسان فمنها نسج أساطيره، وفيها أيضاً حقق حضاراته وتاريخه بكل ما فيه من مواقف انتصار وانكسار.

        وقد حرص الفنان في إعطاء الجانب الوثائقي لصوره فدون في الفرس أسماء الجبال والأودية مثل: جبل شمس وجبل كور والجبل الأخضر ووادي الغول ووادي دربات ووادي خبة، والمتذوق لصدق اللحظة الفنية يستنبط مباشرة مدى حب الزبير لفنه الأمر الذي يتجلى من زوايا التصوير التي وردت تارة فوفية وأخرى عمودية وثالثة سطحية على نحو يعكس رحلة المشقة التي قطعها المصور لالتقاط صوره.

        كما حقق محمد الزبير عبر الحاسوب وتقنية التصوير الرقمي أعلى درجة من درجات التوظيف اللوني سواء من حيث التدرج أو من حيث التوزيع فبدت الصور في منطقة وسط ما بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة التشكيلية ليس هذا فحسب، بل في كثير من الصور يلمس المشاهد بعد التجسيم الذي تحقق باللون والزاوية من حيث توظيف درجات الارتفاع والانخفاض.

        وقد أدرك الفنان: محمد الزبير من خلال مجموعته هذه ولعل للمرة الأولى في أعماله الفنية أهمية دمج أدوات التعبير الفنية، ومن ثم لم يكتف بالعدسة في إبراز فنه فحسب، بل فعَّل ذلك بأداة الكلمة، وعليه وظف مقابل بعض الصور مجموعة من أبيات شعر المتنبي ونقولا الاسطنبولي وإلياس طعمة وأبي بكر أحمد بن سعيد الخروصي وغيرهم من الشعراء بغرض التفعيل الفني الذي يحقق للمشاهد إحساس المعايشة الكلية، فبدت الصور حية ناطقة بكل ما فيها.

        وحيث إن الفنون لا تكتمل إلا بتواصل العطاء الفني للفنان فلدي ملحوظتين سريعتين – الأولى فيما يتعلق بصورة الفنان محمد الزبير التي وردت في مطلع الكتاب فرغم احتوائها على على عنصري الحركة واللحظية (الآنية) وكذا تضمنها موضوع الكتاب (التصوير) الذي تم التعبير عنه بحمل الفنان لآلة الكاميرا وهو ما أضفى على الصورة جانبها الطبيعي الحي إلا أن من وجهة نظري أن الفنان عبد الرحمن الهنائي – مع كل التقدير والاحترام للفنان حيث إنني من أشد المعجبين بفنه – قد خفق في توظيف سمة (الفوتوجينك) التي يتسم بها وجه الزبير فبدى الأخير أكثر عجزاً وأقل وسامة من حقيقته.

        والملحوظة الثانية تختص بتوظيف درجة اللون ونوعه في بعض الصور وأقصد بصفة خاصة لون المياه في مجريات الأودية إذ ورد درجة توظيفها في بعض المواضع على نحو حاد مما أعطى الانطباع بانقسام الصورة إلى شقين، فضلاً عن إحساس الاصطناع (ARTIFICIAL) تجاهها.

        وختاماً تجدر الإشارة إلى أن صور الفنان: محمد الزبير كانت – ولا تزال موضع دهشتي الفكرية ومنبعاً لمتعتي الفنية، ومن ثم فهي دوماً بكل ما فيها من مصداقية فنية، تشكل دافعاً لكتاباتي التحليلية والنقدية. ([1])


(1) لمزيد من التفاصيل حول هذه الكتابات راجع مقالاتي في جريدة الوطن تحت عنوانين:

     (قراءة في عدسة الفنان محمد الزبير) بتاريخ 30 أكتوبر 2001م.

     (بيت الوادي أم بيت الأحلام) بتاريخ 12 فبراير، 2002م.

     (عدسة الزبير بين الرؤية والمخيلة) بتاريخ 12 مارس 2002م.

     (قلت عنه ولم أقل) بتاريخ 22 أكتوبر 2002م.

     (بمناسبة ميلادك أيها الفنان الصديق الإنساني) (جزأين) بتاريخ 28-29 أكتوبر 2003م.

     (وجهاً لوجه رؤية تحليلية) بتاريخ 11 مايو 2005م.

     (منتجع بر الجصة وحلم العمر) بتاريخ 11 مارس 2006م.

الكاتب: Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s