Asyah Al Bualy Articles

دراسة تحليلية للمضامين النفسية في رواية “الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحي

أضف تعليقاً

دوافع الدراسة:

        قبل الخوض في تفاصيل الدراسة من حيث دوافعها ومنهجها وطبيعتها، حري بنا أن نلفت الانتباه إلى هذه الدراسة عن رواية “الطواف حيث الجمر” ([1]) لبدرية الشحي ([2])قد سُبقت بدراسات ([3]) تختلف عنها  في المنهج.

        والرواية هي أول رواية لقاصة عُمانية، لها أكثر من ثلاثين قصة قصيرة منشورة منذ تموز/ يوليو 1986 ([4]) غير مضمنة في مجموعة قصصة، بيد أننا لم نعثر على أية إشـارة مرجعيـة لتلك القصص باستثناء ثلاث قصص: عرسها – البركان – هاتف الإنذار ([5]).

        واختيارنا للرواية موضوعاً للدراسة، لا يكمن في كونها أول رواية لقاصة عُمانية فحسب، بل في مضمونها بما فيه من صدى تاريخي يمثل المهجر العُمانى الأفريقي . فالرواية تدور حول هروب (زهرة) الفتاة العُمانية ابنة الشيوخ التي تبلغ من العمر ثلاثين عاماً , من منطقة (نزوي) بسلطنة عُمان إلى جزيرة (زنجبار) بجنوب شرق أفريقيا , بحثاً عن حبيبها (سالم) ابن عمها , الذي تركها دون الزواج منها , ذاهباً إلى الجزيرة ذاتها ليتزوج من امرأة أفريقية . وتتلخص حبكة الرواية في ازدراء (زهرة) للحياة التقليدية الرتيبة بمنطقة (نزوي) بما فيها من قهر للمرأة , وكذا في رفضها الزواج من (عبد الله) ابن عمها الذي يصغرها سناً والذي خطبت له بعد أربعين يوماً من رحيل (سالم). ومن ثم هروبها إلى أفريقيا تاركـة أهلها يتمرغون في وحل العار والفضيحة اللذين ألبستهما إياهم ابنتهم الوحيدة (راجع: 7-280).

        إن “زهرة” في الرواية هي الشخصية الرئيسية ذات كثافة سيكولوجية , بما تنطوي عليه من صراع داخلي , يعكس أزمة نفسية تتمثل في علاقة زهرة بذاتها وبالآخر. وتوجد شخصيات أخرى رئيسية مثل : النوخذة سلطان, البحار صالح , الحبيب سالم . أما بقية الشخصيات فهي شخصيات ثانوية أو هامشية مثل : ربيع , إلياس , كتمبو , كوزي وغيرهم.

        ويقوم السرد في الرواية على مناجاة نفسية طويلة تعيشها البطلة، لدرجة أن هذه المناجاة تشكل لازمة في الرواية وتؤثر على الرؤية السردية بجعلها رؤية داخلية، عبر مشاركة الذات الراوية وفعاليتها في سياق الأحداث. كما تشكل المناجاة طبيعة علاقة زهرة بذاتها والآخر، إذ تصبح مثار جدل حول مدى هذه العلاقة وإشكالية تعقدها ودرجة غموضها وغرابتها. هذا فضلاً عن أن المناجاة تبلور حالات التداعي النفسي التي تعبر عن فقدان البطلة تواصلها مع ذاتها أو مع الذوات الأخرى، فتجتر ما بداخلها من حالات شعورية ولا شعورية.

منهج الدراسة:

        وحيث إن زهرة تستقطب جميع مظاهر الصراع حولها سواء أكان صراعاً داخلياً أم خارجياً، بالتالي تعد مفتاحاً أساسياً في تحديد المضامين النفسية في الرواية وكشف أيديولوجية النص، بالوقوف على مقومات هذه الشخصية وسبر أغوارها، وصولاً إلى سماتها وأفكارها وانفعالاتها، فإن الكشف عن كل ما يمت بصلة للجانب الباطني لهذه الشخصية هو الهدف الأساسي لهذه الدراسة.

        من ثم، فإن دراستنا للمضامين النفسية للرواية سوف تستند إلى المنهج النفسي لدى سيجموند فرويد  Sigmund Freudوالتأويلي لدى جاك لا كان Jacque Lacan، نظراً لوجود علاقة متبادلة بين الأدب وعلم النفس، ذلك أن النص الأدبي يُعد مصدراً توجيهياً للتحليل النفسي، والطريقة القويمة في فهم هذا التحليل، بما يزخر به النص من إبهام وتعقيد ومرجعية ذاتية غنية بالمعاني ([6]). كما أن الذات (الأنا) تنقسم إلى: شعور ولا شعور، وأن العمليات النفسية فيها تحوي النوعين.

        ولما كانت الرواية تمثل في مجملها أزمة نفسية لها صلة بقضايا اجتماعية وتاريخية وفكرية، فإننا في تحليلنا للمضامين النفسية سنركز على تحليل شخصية زهرة من حيث الشعور واللاشعور، لاسيما في ارتباطهما بالعقدتين الأوديبية والنرجسية. وقراءتنا التحليلية ستنطلق من المنهج التأويلي على اعتبار أن اللغة الروائية “إزاحة كنائية للرغبة” ([7]) تتقلب في أشكال عديدة وأن ما يجب قراءته ليس الظاهر منها ولكن الخفي. ([8]) وعليه فاتخاذ مركزية اللغة أساساً للتحليل سيساعد على إلقاء مزيد من الضوء على أبعاد التجربة النفسية في الرواية وما تحوي من دلالات لا تتكشف إلا عبر التأويل للغة السرد.

الدراسة:

أولاً: الشعور:

        وهو ما يتم بالعقل الواعي الذي يعبر به الشخص عن تقديره للأشياء كالأحكام الأخلاقية والدينية والسياسية، وهذا النوع مكتسب من البيئة غالباً وبإقرار منها. ويتمثل في شخصية زهرة في:

أ- الإحساس بالقلق:

        غنى عن البيان أن الكلمات في الرواية، تعد علامات حية تمس أكثر من دلالة، بما يلزمنا الوقوف على لحظة سردية هامة؛ هي لحظة “ميلاد زهرة” بملابساتها النفسية والجسدية.

        فـ “زهرة” تبدو في بداية الرواية ناظرة إلى نفسها في المرآة، ترى ذاتها “امرأة عانساً” (11)، ذات شعيرات بيض، وتكرار ([9]) نظر زهرة إلى صورتها في المرآة، يجعل الأخيرة تتعدى دورها الإشاري المباشر إلى رمز قابل للتأويل، حيث نجد المرآة تحوي فعلاً مزدوجاً؛ تكمن فيه عملية النقل الأمين لصورة البطلة كما هي عليه في الواقع، كما تكمن فيه عملية النقل غير الأمين أي الصورة المعكوسة لزهرة، بكل مواصفاتها الظاهرية، تلك الصورة التي كانت المؤشر الأول لشعور زهرة بالقلق، الذي لا ينتاب الإنسان إلا حين يعي وجوه وإمكانية تحطيم هذا الوجود، وبالتالي احتمالية فقدان الإنسان نفسه وصيرورته إلى لا شيء. ([10])

        وعليه فإننا نقول: إن عملية الانعكاس، بما فيها من فعل مزدوج تعد أساساً للإدراك الجدلي لدى الإنسـان فيمـا يتعلق بصورته المرآوية التي تتيح له معرفة ذاته ” الأنا ” من خلال الأنا الأخرى ” صورته ” المنعكسة على صفحة المرآة. وهنا يكمن الإحسـاس بالذاتية والآخرية . ومن ثم يتبين أن ” علاقة الإنسان بالصورة سواء صورته هو نفسه أو صورة آخر غيره ، إنما هي علاقة جدلية قوامها الهوية والاختلاف، أو العينية والغيرية معاً” ([11]) وهو ما يؤكده النص الروائي، إذ في اللحظة التي ترى فيها البطلة صورتها منعكسة على صفحة المرآة، ترى الآخر عبر الصورة ذاتها ومن ثم تكره النظر إلى صورتها حيث تغير وجـههـا وجـسدهـا تمـاماً فتقول “امرأة أخرى تنظر لي، امرأة ليست ذاتي وتكويني” (260) .

        وانعكاس الصورة على المرآة، فيه تحويل للصورة من الذاتية إلى الموضوعية، ومن ثم خضوعها لعملية التأمل وقبولها لأي حكم أو دراسة بوصفها موضوعاً خارجياً، شأنه في ذلك شأن أي موضوع خارجي آخر ([12])، كما يتضح من عبارة النص الروائي، حين تعلل البطلة هروبها إلى أفريقيا بقولها: “فأنا ما جئت على هذا المركب إلا بعد أن يئست من صورتي المشوهة في الجبل” (116).

        إذاً نظر زهرة إلى صورتها المنعكسة على صفحة المرآة يولد لديها الوعي بأن هذا الصورة مشوهة ومن ثم إعادة النظر فيها وتأمل حياتها وبالتالي تقييمها هذه الحياة ([13]) لاسيما وأنها تشعر بأنها رتيبة حيث تقول: “أقضي يومي في دائرة مكررة، لا جديد ولا حياة” (9) .

        مما سبق يتبين أن المرآة بما فيها من عملية الانعكاس هي رمز للمعرفة، بما تتضمنه من فعل التحول الداخلي للبطلة، مما يؤكد أن المرآة تعد “وسيلة تغيير وتصحيح، من أجل أن يرقى الإنسان، سواء في معرفته أو في سلوكه، إلى مرتبة أعلى مما هو عليه في الواقع” ([14])، وهو ما ينطبق في النص الروائي إذ ما تدرك زهرة أن صورتها مشوهة ترفضها تماماً، وتتبدى بوادر هذا الرفض في رفضها ألا تختلف وهي امرأة اليوم عن طفلة الأمس، كما ترفض الزواج من “عبدالله” ابن عمها الذي يصغرها سناً. (راجع: 21، 19).

        إن المرآة التي تعد رمزاً للمعرفة، هي ذاتها رمز يرتبط بالموت أو الخوف منه، وذلك بمرجعية خرافية ([15])، وأسطورية ([16])، وشعبية ([17])، حيث تبطن المرايا الدلالات المتعلقة بالموت والمستوحاة من رمزية الماء، ذلك أن المياه تُعد “مرايا مجازية”، فضلاًَ عن كونها أول مرآة طبيعية في الوجود.

        ولكي نصل إلى دلالة الموت وارتباطها برؤية زهرة لصورتها، ينبغي أن نلفت النظر إلى أن اللحظة – التي ترى فيها البطلة نفسها في المرآة امرأة عانساً، ذات شعيرات بيض – بما في اللحظة من إيحاء زمني وتعبير عن الحالة السيكولوجية – هي اللحظة نفسها التي تشكل أيضاً نرجسيتها، من خلال مرآة مجازية أخرى هي العين، كما يتبدى من العبارة الاستدراكية في اللحظة ذاتها حيث تقول: “مع أن وجهي ما يزال بهياً مخضباً وعيناي خضراوان حلوتان” (11)، ومن إعجابها بجمالها في مواقف أخرى حيث ترى عينيها “جنة خضراء” في مرآة الآخر، أي عيون الآخرين ([18]).

        والعبارة الاستدراكية بما فيها من زمنية الفعل في المضارع تؤكد استمرارية دلالات الحيوية والجمال اللذين تبرزهما المفارقة الشكلية والدلالية بين لون الشعر (الأبيض) ولون العين (الأخضر)، وهي مفارقة تنطوي على ثنائية الموت والحياة، والنهاية والبداية. والعين بلونها الأخضر، سواء أكانت عين زهرة أم عين الآخر حال الإنعكاس، هذه العين بوصفها مرآة مجازية أو رمزية تؤكد دلالات التحدي والثبات، فضلاً عن الإشراق والجمال، وهي دلالات ترتبط أساساً بالعين باعتبارها (رمزاً). ([19])

        إذا كانت العين مرآة مجازية، تعكس نرجسية زهرة، فإن هذه النرجسية – وفقاً للتفسير النفسي لأسطورة نرسيس – تكون مدعاة لإحساس زهرة بالهلاك والموت، وهو ما يتبين فـي اللحظـة ذاتها، حين ترى زهرة صورتها “على لجين الماء مضببة وغامضة” (19)، الأمر الذي يؤكد أن المياه مرايا سحرية تنكشف من خلالها خبايا النفس، فهي “وسيلة لمعرفة الذات،  وإن كانت معرفة آسرة ومهلكة لصاحبها”. ([20])

        وهكذا يتبين أن الرموز: المرآة – العين – الماء، كانت وسيلة زهرة في معرفتها ذاتها وإحساسها بهذه الذات وإدراكها لها ووعيها بها، ومن ثم تأملها وإعادة النظر في نهج حياتها، وبالتالي كان شعورها بالقلق وإحساسها بالموت والهلاك، الذي يؤكده السرد الروائي عبر مناجاة ذاتية متكررة ([21])، تفصح عن مدى قلق البطلة على وجودها الحاضـر (الآني)، وإحساسها بانسلاخه منها، حيث تقول: “لقد ضاع عمري عبثاً” (7).

ب- الإحساس بالكبت والقهر:

        لم يكن حاضر زهرة الزاخر بأحاسيس الهلاك والموت و الشعور بالقلق سوى امتداد لماضٍ مأساوي يعكسه تأملات البطلة لمرحلة طفولتها، التي تعود بها إلى التجارب الأولى، و تعد قيمة أساسية بما تنطوي من أحداث ووقائع لها تأثيرها على نفسية زهرة بكل ما فيها من أحاسيس ومثيرات تحرك دوافعها سلوكها وأفعالها في الحاضر والمستقبل. كما تمثل المرحلة ذاتها بداية الارتباط بمجموعة “التابوات” TABOOS؛ أي (مختلف المحظورات) ([22]) منها: ما هو منبثق من حكم العادات التقاليد والسلطة العائلية والاجتماعية. ([23]) وعليه فإن زهرة لا تنسى الصفعة الأولى من أخيها “محمد”، ليس لأن الصفعة كانت “ساخنة ومهينة”، بل لما تقوله هي: “الشكوى لأبي مذلة” (16) كما لا تسنى توبيخ أمها لها قائلة لها: “تستحمين مع الصبية، وافضيحتاه، أخ عليك” (128)، فالموقف بما فيه من قمع لرغبات الطفولة وكبح لنزعاتها، راسخ في ذاكرة البطلة، تسترجعه دوماً بتفاصيله الدقيقة، كذلك تسترجع حرمانها من متعة وجودها في درس القرآن، بدعوى أن أمها “تحتاج إلى من يساعدها في العجين” (46) .

        ولا تقف مشاهد كبت نزعات الطفولة لدى زهرة، عند كبح الحركة الجسدية التي تعد أبسط صور الحرية، بل تتجاوزها إلى فرض حاجز مادي ومعنوي بينها وبين الآخر، متمثلاً في “البرقع” ([24]) الذي أرغمت عليه في طور المراهقة.

        وما سبـق يجسـد ماضـي زهـرة طفولة ومراهقة، وهو ماضي “القسوة والتناقض والإهمال” (126)؛ ماضٍ أفرزته سلطة اجتماعية متمثلة في سطوة الأب والأم والعادات والتقاليد، التي تؤكد زهرة رسوخها بوصفها إياها بـ “القوانين المرسومة رسماً” (124)، ولأنها عانت من وطأة هذه القوانين فلا غروٍ أن تصفها بأنها إرث لا يرحم، مذل، مريض، معتوه، وبغيض ([25])، ذلك أنه لم ينجم عنها سوى ذاتية ممزقة ضائعة حافلة “بالمتناقضات”، لا تمتلك “مصوغات الحقيقة” (78) أسيرة الشعور بالذنب والخطيئة والإحسـاس بالاغتـراب الذاتـي ومـن ثـم تردد: “إني بنفسي لا أعرف شيئاً عن نفسي” ([26]) (248).

        والصـورة الواقعية للبطلة تكتمل زواياها بمواقف أخرى تغرس فيها الإحساس بالموت المعنوي ([27])، فضلاً عن أحاسيس التعثر والخجل ([28])، كما يتبين من حوار زهرة مع النواخذة “سلطان” إثر مغازلاته المتكررة لها، إذ تقول: “لم أعرف رداً، كنت أتحدث للمرة الأولى في حديث محرم؛ بأمر الموروث” (58) .

        وماضي زهرة المأساوي يظل يطاردها في أماكن عدة ([29])، حتى أنها، بعد هروبها ووصولها إلى أفريقيا وبلوغها قمة السعادة والمال والسلطة، تقول: “الماضي وحده ثقيـل…، يضغـط على أنفاسـي، يخنقنـي خنقـاً…، جاء… ليذكرني بأني شريدة بائسة” (198).

        والماضي الذي يتربص بالبطلة، يتمثل في حالات يقظتها في صور شتى، فتارة يأتي على هيئة “خنجـر” مميـت ([30]) وأخـرى فـي صـورة “منجل أو شفرة سكين” ([31])، وثالثة في شكل “شبح مخيف” (124).

        إن حالات القمع  والكبت التي تزخر بها المراحل العمرية للبطلة دليل على الظلم الاجتماعي وغياب العدل وموت الحرية وقيم الجمال , كما تكشف تلك الحالات من خلال ما توحي به من دلالات معينة أبرزها: (الخطيئة – الذنب – العار – الخجل – العيب) عن أيديولوجية خاصة بمجتمع معين تجاه المرأة ووضعها.

جـ- الإحساس بالدونية والقزمية:

        للوصول إلى هذا الإحساس داخل البطلة لابد أن نفصح عن المقارنات التي تعقدها زهرة بينها وبين الآخر تلك المقارنات التي تأتى من منظور داخلي (ذاتي), مما يجعلنا نتساءل : إلى أي مدى تبدو لنا رؤية زهرة لذاتيتها الخاصة على حقيقتها دون مواربة أو أقنعة? وكيف تفصح هذه المقارنات عن العلاقة المرآوية بين (الأنا) أي زهرة وبين (الآخر)? وهل هذه المقارنات ذاتها هي التي تدفع زهرة إلى خلق واقع آخر بداخلها , يعبر عن أيديولوجيتها المتولدة عن ضرورتها النفسية , ومدى معايشة زهرة لهذا الواقع وكأنه حقيقة?

فزهرة تسترجع إحساسها بالذل والعدمية, من جراء التفرقة في المعاملة بينها وبين أخيها محمد من قبل أبيها, وهو مشهد تسترجعه دوماً ([32]), حتى بات إطاراً نفسياً خانقـاً لهـا, لا سيمـا وأن القسـوة لم تكـن من جانب الأب فحسب , بل من الأم أيضاً (راجع: 24، 29) .

وليس أدل على إحساس البطلة بالذل والعدمية من ملابسات موقف بلوغها الحلم, حين صورته الأم برمته “موتاً”, بينما لم يكن ” التهويل ذاته ” عندما بلغ إخوتها الحلم, إذ “كانت النظرة مهووسة بالكبرياء, نظرة تحمل مئات الزغاريد” (16) .

ومعاناة زهرة النفسية لم تبرزها طبيعة المواقف، التي تتجلى فيها صور التفرقة في المعاملة، ولغة السرد فحسب، بل المفارقة المضمنة فيها التي تُستشف منها ثنائيات تتمثل في: القبح والجمال، العبوس والابتسام، القسوة والحنان، الخوف والأمان، الألم واللذة، التعب والراحة، القمع والحرية، الذل والكبرياء، العبودية والسيادة.

كما تتضمن المفارقة ذاتها نفي أسمى القيم الإنسانية؛ الحرية بكل أنواعها. وليس أدل على ذلك من رؤية زهرة – بعد ظنها أنها نالت حريتها – مشهد طفلة في إحدى غابات أفريقيا، إذ تقول: “هذه الطفلة العارية الساقين، الراكضة بحرية… ما كنت أعرف أن أركض بحريـة مثلما تفعـل هي بـلا رقيـب، تتعارك في التراب، وتشد شعورهم (أي الأطفـال) ضاحكـة، ما جـرؤت على (مثـل هـذا)…، كنت ابنة شيوخ غير كل البنات” (154).

والمشهد برمته لا يعود بالبطلة إلى تداعيات الطفولة بكل ما فيها من إحساس بالاغتراب الذاتي زمانياً ومكانياً، ومن قيود مادية ونفسية فحسب، بل يتجاوز كل ذلك إلى تأكيد انتفاء الحرية مع السيادة كانتفاء المثال مع الواقع (ابنة شيوخ!)، فالسيادة تحول الحرية من قيمة جمالية إلى قبح (عار وعيب).

وتتواصل المقارنات بين (الأنا) أي زهرة، والآخر، لتشعرها بالقزمية والدونية، فحين ترى زهرة نفسها مخلوقاً” ناقصاً”، “فتاة حمقاء”، “بلهاء”، “مجنونة”، “فارغة”، “جارية”، “مهضومة الحق”، “جمالها بارد”، لا تستطيع أن تنفي في قرارة نفسها حقيقة أن المرأة “الأفريقية السوداء”، ذات “الأنف الأفطس”، التي أحبها سالم هي “الأسمى والأقوى”، وهي “الأسطورة”، وهي “امرأة من طراز آخر” “الأميرة”، “سارقة الأحلام”. وهذه الحقيقة، رغم أنها مثار إيلام لزهرة، فإنها تقف دليلاً على قناعتها بحب سالم لهذه المرأة وركضه خلفها حتى ولو جلبت له الموت، لأنها تماثل “المستحيل”. ([33])

المقارنة بين زهرة والآخر تمتد إلى ما هو حسي؛ جسدي، لتؤكد هيمنة الإحساس بالدونية والقزمية، في مقابل سمو الآخر ([34])، فحين تقارن نفسها بنساء أفريقيـا، تقـر قائلة “بجانبهن كنت أشبه بعود قش أجرب، كن يتمتعن بسمنة ناعمة محببة” (21) .

وجدير بالذكر أن المقارنات الجسدية بين زهرة والآخر لم تبرز الفروق الظاهرية فحسب، بل توضح الفروق الأيديولوجية بين المجتمعين (العربي والأفريقي)؛ وتؤكد افتقار زهرة العُمانية إلى مقومات إغراء الرجل، ذلك لأن الغزل المفضوح في مجتمعها، يُعد “عاراً” في حين أنه في المجتمع الأفريقي “أمر مباح” لا يستحق الاهتمام، بل إنه من الأمور “الحياتية الأولية” (راجع: 249).

والاختلاف الأيديولوجي بين مجتمع زهرة المكبوت ومجتمع الآخر الحر يبرز مدى تبلد المشاعر الرومانسية لدى زهرة التي تعلل ذلك بأن “الحب عمره ما كان يتخطى مفهومه السائد المضبب في تقاليدنا، مثل العيب والعار” (268).

ما تقدم يؤكد أن الوصف في السرد الروائي قد يلعب دوراً اختراقياً، بمعنى أنه ينفذ إلى العوالم الباطنية ليكشف عن معانٍ نفسية، فضلاً عن أيديولوجية بعينيها.

إذا كان الإحساس بالقلق والكبت والقهر والدونية والقزمية خصائص لصيقة بشخصية زهرة بحيث تُبدى صورة واضحة المعالم لذاتيتها، فلكي تكتمل الصورة، ينبغي البحث عن صورة الآخر – فرداً كان أم جماعة – المتمثلة في مجموعة الصفات والخصائص التي تنسبها الذات للآخر، والمسؤولة إلى حد كبير عن علاقات الذات مع الآخر، ونظرتها إليه، وكذا نظرتها أيضاً إلى نفسها في ضوء هذه العلاقات ([35]).

صورة الآخر :

ولما كانت صورة زهرة المنعكسة على صفحة الماء, غامضة ومضببة, فإن البحث عن صورة الآخر يرمى إلى الإجابة عما يلي : إلى أي مدى تعد هذه الصورة امتداداً لصورة زهرة عبر علاقتي التماثل والتباين ? وإلى أي مدى يعد تكرار هذه الصورة , عبر أي من العلاقتين , تأكيداً لها؟ استناداً إلى النظرية القائلة بأن “الماء ليس فقط مرآة الذات الوحيدة الوجدانية, أسيرة نفسها, وإنما أيضاً مرآة الكون كله والعالم بأسره” ([36]), وكذا إلى إمكانية اتخاذ الماء ” رمزاً لإمكانية إدراك الإنسان نفسه في آخر غيره ، حتى لو كان صورته التي هي أول آخر بالنسبة إليه, أو على الأدق : أنا آخر “([37]).

ولكي نصل إلى صورة الآخر , ينبغي أن نلفت النظر إلى أننا لن نعرض لشخصيات الرواية من حيث تقسيمها إلى شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية ; إذ أن هذا التقسيم لا يعنينا قدر عنايتنا بالتقسيم من حيث الجنس (نساء – رجال) , وهو تقسيم يتمثل في نموذجين عامّين ترصدهما زهرة , أحدهما للمرأة والآخر للرجل . ذلك أن هذين النموذجين يساعدان بشكل أقوى في إبراز ما  بالنص الروائي من دلالات، وإثبات كيف أن كل نموذج منهما ينسحب على الجنس الخاص به في شخصيات الرواية .

إن صورة زهرة المنعكسة على صفحة الماء مضببة وغامضة, لا تمثل رؤية زهرة لذاتها فحسب , بل لذوات أخريات تماثلها, كما يتبدى في قولها: ” كم شبح هناك يشبهني, يتخبط بالوهم وبالقهر! “(124), فـ ” المرأة هي المرأة … طفلة وامرأة وعجـوز, تصنع كل شـيء, ويقع على عاتقها كل المسئوليات, ولا يبدو أنها تعرف كيف تتذمر, أو كيـف تفـر في مركـب يخلصهـا من ناسها وأهلها وعمرها الماضي “(154-155), وتعانى ” أكاذيب الشوق والفرح, أكاذيب العذاب والاغتراب”(107), و”تذوب قهراً وغيرة وليس بيدها غير صبر واهٍ “(106-107), ومن ثم تقر زهرة ” أنا , وربما الكثيرات معي, سنظل دائماً على يقين بأننا لا نملك قوة السيادة ” (139) , الأمر الذي يؤكده الحدث الروائي عبر مناجاة البطلة ذاتها ؛ إذ تبرز هذه المناجاة صورة الآخر (الشخصيات النسائية) في عينيْ  زهرة , حيث يقع هذا الآخر تحت وطأة الظلم والذل والقمع والهـوان . ويتمثل في شخصيات : ( ” أم زهرة ” و” ريا بنت شهاب” “ومريم” و”غنية” “و ” فضيلة ” و” منيرة “) ([38]).

وهكذا يتبين أن زهرة وغيرها من الشخصيات النسائية ضحايا مجتمع يزيدهن رعباً وهماً ويصيرهن غارقات في “تخبطات الوهم، والانتظار العقيم..، انتظار المجهول… والحدود التي لا ينبغي تجاوزها” (124). مما يؤكد أن صورة الآخر، متمثلة في نموذج المرأة المتكرر، لم تكن سوى امتداد لصورة زهرة عبر علاقة التماثل. وأن صورة الآخر هذه تأكيد لوضع إنساني جماعي (الشخصيات النسائية في الرواية)، متجسد في وضع فردي (شخصية زهرة). ومن هذا المنطلق يتسنى لنا القول بأن “زهرة” شخصية رمزية تمثل قيمة معينة، وذات أهمية جوهرية في بلورة التجربة الروائية وتعميق أبعادها.

وعليه، فلا غرابة أن تبحث البطلة – بوصفها معادلاً موضوعياً للشخصيات النسائية في الرواية – عن الأمان في زمانها الذي تصفه “بالقسوة” (199)، ضارعة إلى ربها بقولها: “خذني للدار التي أحس بها بالأمان، والكرامة والفضيلة” (86).

إن صورة الآخر، متمثلة في شخصيات الرجال تتبدى خصائصها الشكلية وسماتها الأيديولوجية والسلوكية من خلال علاقة التباين التي تجمع بين زهرة وهذا الآخر.

        فزهرة تـرى أن الرجـال لا يحترمون إلا المرأة ذات السطوة “فهم ذاتهم في كل مكان” (270)، متكبرون، متعالون، متسلطون ([39])، “الرجال درجات… يتفاوتون في اعتلاء السيادة، منهم مَنْ في القمة ومنهم من في السفح” (139)، و”قُدَّر لهم أن يملكوا كل شيء في أيديهم، قُيِّض لهم أن يصنعوا الأعراف، يفصلونها بمقاييسهم الخاصة لتناسب جنسهم المبجـل المغرور” (107)، آفاقهم ضيقة والمرأة في نظرهم “للفراش والطبيخ فقط” (104)، فما أسهل أن يضم الرجل “متشردة تائهة للماعز في حظيرته، يقضمها ليلة العيد، ويلقى بالعظام في قمامة تؤمها الوحدة والهواجس” (85).

من سياق الاقتباسات السابقة، يتضح لنا أن زهرة ترسم إطاراً عاماً لصورة الرجل بخصائص معينة، يندرج تحته نماذج لرجال لا يشذ أغلبهم عن هذه الصورة، فالرجال في مجتمع أهل الجبل بمنطقة “نزوى” يتطابقون في أوصافهم مع الإطار العام لصورة الرجل ([40])، كما يتطابق هذا الإطار مع شخصيات بعينها في هذا المجتمع تتمثـل في (“والد زهرة” و”عمها” و”سالم” حبيبها و”أحمد” معلم القرآن) ([41]).

وبالانتقال إلى مجتمع البحارة، نجد أن أوصاف هذا المجتمع لا تخرج عن نطاق الإطار العام لوصف الرجال بكل ما فيه من مفردات (السلطة والقوة والأنانية والمراوغة والتقلب والتناقض والخداع والنفاق) ([42])، والإطار العام لوصف مجتمع البحارة، بكل ما فيه من بشاعة حسية ومعنوية، ينطبق على جميع نماذج الرجال في هذا المجتمع. وتتمثل هذه النماذج في (النوخذة “سلطان” والبحار “صالح” و”سليمان”) ([43]).

إن صورة الرجل، بما فيها من صفات تندرج تحت السلطة والقوة، تتواصل في مخيلة زهرة حيث تسترجع حكايات جدتها التي تذهب إلى أن الرجال “سحرة”، و”البحارة” “لصوص” و “حفنة قراصنة” ([44]).

ووصف الجدة للرجال بأنهم سحرة يؤكد دلالات القوة والعظمة، كما يؤكد صفات الخداع والمراوغة والتقلب التي اقترنت بصورة الرجل، فضلاً عن أن وصف البحارة باللصوصية والقرصنة لهو تأكيد لصورة الرجل بما فيها من خصائص القبح، شكلاً ومضموناً.

وغنى عن البيان أن توظيف كلمات: (سحرة، لصوص، قراصنة) في قالب رمزي (حكايات جدة زهرة) يُعد تأكيداً لكل الخصائص التي اقترنت بالرجل ولاستمراريتها من منطلق أن الحكاية في حد ذاتها رمز يحوي دلالة الزمنية الضاربة في القدم، كما يحوي دلالة الاستمرارية النابعة من كون الحكاية غير مرتبطة بزمان معين.

وفي ضوء ما تقدم يتضح أن الإطار العام لصورة الرجل، وتكرار هذا الإطار مع شخصيات الرجال هو تمثيل واقعي لهوية الرجل وتأكيد لطبيعة هذه الهوية في مجتمع زهرة.

كما أن علاقة التباين بين صورة الآخر (شخصيات الرجال) بما تتمتع به من قوة وسلطة، وبين زهرة (المعادل الموضوعي للشخصيات النسائية)، بما تعانيه من ضعف وقهر، هي تأكيد لصورة زهرة ولاستمرارية هذه الصورة، من منطلق أن الضعف والقهر من معطيات القوة والسلطة، على اعتبار أنهما نقيضان أو وجهان لعملة واحدة هي النفس البشرية.

ثانياً: اللاشعور:

        تُعد الأحلام لدى “كارل يونج” المادة الأساسية التي تتجسد فيها الأنماط الأولية أو النماذج الأصلية “Archetypes” وهي مكونات اللاشعور الجمعي ([45])؛ وحيث إن صور الأحلام هي “صورة رمزيـة لا تصـرح بالواقع بطريقة مباشرة، بل تعبر عن القصد منه بشكل غير مباشر بواسطة المجاز” ([46])، فلا غرابة في أن الماضي الذي يتربص بزهرة ويخيفها بأشكال شتى (شبح مخيف، خنجر مميت، منجل، شفرة سكين) في حالات اليقظة، هو ذاته الذي يظهر لها في حالة “التهويم” التي تشتمل على: الأحـلام وأحلام اليقظـة والأخيلـة والـرؤى والهـلاوس، وصـور خيال ما قبل النوم وصور خيال ما بعد الاستيقاظ ([47]).

ففي حالات الهذيان – مثلاً – يطاردها الماضي على هيئة شبح مخيف يهاجمها في شكل “دخان كثيف” (راجع: 270-271)، وفي هـذه الحـالات يخيـل إليها أن هناك من يراقب معاناتها وضعفها (راجع: 267).

        وصور الماضي في حالات الهذيان يتكرر مثيلها في كوابيس زهرة إذ تصف حالتها “أنتفض ليلاً، عرقانة، مبللة الثياب، يحدوني الظلام والفزع ويتقمصني شيطان مزعج بيده خنجر مسموم يغرزه فيَّ غرزاً متلاحقاً” (106).

        ولما كانت أحلام اليقظة والأخيلة ضمن حالات التهويم، فإن مشهد مطاردة الماضي للبطلة على هيئة منجل أو شفرة سكين، يتكرر دوماً في هذه الحالات، إذ تسترجعه في أماكن مختلفة ([48]).

وبما أن الرموز تعد جزءاً هاماً من جملة العمل الأدبي , والمجال الرمزي  ” يقوم على أساس من تجارب الأفراد في مجتمع معين وفى مكان وزمان معينين “([49]), وزهرة ما هي إلا ابنة مجتمع شرقي عربي (عُماني), يهيمن عليه الرجل الذي يمثل سلطة اجتماعية, والخنجر والمنجل والسكين كلها صور مجازية لا ترمز إلى هذه السلطة في الواقع فحسب, بل إنها حتى في الأحلام تعد من بين الأدوات الحادة التي ترمز إلى عضو الذكورة ([50]), فليس بمستغرب أن يتبلور خوف زهرة من ماضيها وحاضرها في حالات الهذيان والكوابيس والأخيلة (أحلام اليقظة) بصور معينة , تعد تعبيراً غير مباشر عن خوف زهرة من السلطة الاجتماعية متمثلة في الرجل بصفة خاصة , باعتباره شخصية مرهوبة .

وعليه فإن صورة الرجل في لا شعور زهرة, تترجم إلى رموز مثل: الخنجر – السكين – المنجل – الدخان – الشبح – الشيطان وغيرها , وهى رموز تنطوي على إحساس البطلة بالرهبة والهلع من الرجل , وليس أدل على ذلك من أحد مشاهد هذيانها الذي يجمع صوراً مفزعة لبعض الرجال الذين عرفتهم في ماضيها وحاضرها , إذ تقول في هلوسة: “جميع الوجوه أعرفها وتعرفني , جميع الوجوه التي أعرفها تلاحقني كذئاب مسعورة تقترب مكشرة عن أنياب مسمومة كالسكاكين , دائمة الطلب , ودائمة الأخذ , وجوه مألوفة من بينها زوجي الراحل وإلياس وإسماعيل و.. كلهم يتربصون بي وكأني فريسة مذعورة غرة , وأمامي حيث السبيل الوحيد للنجاة , وجدت عمـى بأوداجه المنتفخـة, بعينيـه الحاسدتين الغاضبتين , ويداه ملطختان بالدم حمراوان قانيتان. وفى الخلف كان سلطـان، شيطان محنك، بابتسامة غواية واسعة الأبواب” (205-206).

        ومما تقدم يتأكد لدينا، أن الأحلام هي صور مهوشة (غير منتظمة) مستمدة من الواقع , تنتظم وفقاً لنزوات الحالم ورغباته ومخاوفه([51]), كما أنها ” وسيلة من وسائل الوجود واستمراره …, ودلالاتها الرمزية لا نهائية , لكن جذورها كامنة في الواقع” ([52]) فضلاً عما يتكرر فيها من صور لا شعورية مفعمة بالعواطف والانفعالات ومثقلة بالرموز , مما يجعلنا نولى الأحلام اهتماماً كبيراً  وبالتالي فإن اهتمامنا بأحلام زهرة على اختلاف أنواعها (أحلام يقظة – حالات هذيان – كوابيس), يجعلنا نتجاوز المفهوم “الفرويدي ” إزاء الأحـلام الـذي ينصـب علـى البحــث عن سبـب الحلم, إلى المفهوم ” اليونجي ” الذي يركز على غائية الحلم أو بمعنى آخر الهدف الذي من أجله كان الحلم . فإذا كان الخوف من الرجل هو السبب في أحلام زهرة, فإننا نطرح سؤالاً: من أجل ماذا كانت أحلام زهرة؟

ثالثاً : علاقة اللاشعور بالشعور :

وللإجابة عن السؤال السابق , لا بد من لفت الانتباه إلى أن ثمة علاقة بين الجانب اللاشعوري والجانب الشعوري في النفس البشرية , استناداً إلى أن كبت الرغبات أو النزعات النفسية لا يؤدى إلى محوها أو القضاء عليها ; إذ تظل كامنة في اللاشعور , متحفزة للظهور بالقفز إلى الشعور ([53]).

فإذا كانت صورة الرجل في لا شعور زهرة تقترن بمواصفات رمزية مثل : الذئب والشيطان والحاسد , فإن هذه الصورة تتردد في شعورها بمواصفات الشبح والقوة والسيطرة والأنانية والسحر , مما يوحي لنا أن هذه المواصفات في الجانبين : اللاشعوري والشعوري تنطوي على دلالات يفضي بعضها إلى بعض، وتتلخص في سمات: المكر والتقلب والخداع والخطيئة، هي سمات ارتبطت عبر مرجعيات مختلفة بالمرأة منذ أساطير الخلق الأولى.

وعليه فإن ارتباط الرجل في الرواية موضع الدراسة بتلك المواصفات الرمزية يُعد استخداماً لرموز معكوسة الدلالة , وهو استخدام ينطوي على عملية نفسية من العمليات العقلية اللاشعورية يطلق عليها “الإسقاط” وهى عملية من خلالها يستطيع المرء حماية نفسه بإلصاق عيوبه بغيره وبصورة فيها تهويل ([54]). كما يؤكد هذا الاستخدام استمرارية نزعات زهرة اللاشعورية وقفزها إلى شعورها, متمثلة في رغبتها الملحة في رفض القهر والظلم الواقعين على المرأة منذ اقتران الخطيئة الأولى بها .

وورود الرجل بتلك المواصفات الرمزية, في حالات زهرة الشعورية واللاشعورية, يعد نوعاً من الخروج عن الاستخدام المألوف في اللغة, كما يعد نوعاً من خطاب الأنا السلطوي الذي يتلون ليتسق مع الخطاب الأيديولوجي أي خطاب الآخر, بما يمثله من سلطة أو قوة أو قانون اجتماعي أو موروث, وهو ما يتأكد من قول زهرة: “لن أكون عبـدة للشيطـان, لكننـي سـألاعب الشيطـان بذات السلاح, وقتها ربما أجد النور” (206).

مما سبق يتضح لنا أنه إذا كان الدافع وراء حالات زهرة اللاشعورية (الأحلام – الكوابيس – نوبات الهذيان) هو الخوف من الرجل, فإن الهدف منها محاولة زهرة الخلاص من الخطيئة الأبدية والتنصل من الذنب الملصق بها, باعتبارها معادلاً  موضوعياً للشخصيات النسائية في الرواية وبوصفها رمزاً للمرأة .

رابعاً: ردود الأفعال:

        ثمة علاقة جدلية بين زهرة والآخر (المجتمع)؛ فزهرة تجد نفسها أمام اختيار صعب يدفعها للبحث عن ذاتها من خلال مواجهة هذا الآخر أو بالأحرى الصدام معه. ذلك أنه يشكل اتجاهاً ثقافياً ينحو نحو تدمير الأنا (أي زهرة)، ومن ثم لا يكفي زهرة أن ترفض هذا الآخر وتصطدم معه فحسب، بل إنها ترى الموت شيئاً معتاداً مع أنه كفكرة “يبدو رهيباً وغير مقبول البتة” (106)؛ إذ يدفعها نحو مسيرة العدم ويبدى شقاءها المعرفي ووعيها بالعجز عن بلوغ المستحيل (حريتها). ومع ذلك تتحداه كما يتبدى من عبارات بعينها في النص الروائي تعكس إصرار البطلة على استحواذ الحرية([55])، وإن أقرت بأنها مقبلة على المجهول “أنا الآن في طريقي لعالم آخر مجهول، ربما يحبطني… وربما أفرحني” (111)، مما يوضح أن المجهول “هو المحك الأساسي الذي تنبع منه مأساة الإنسان الداخلية وهو قلق الإنسان الوجودي” ([56]).

        وإذا كنا قد بينا سلفاً الملابسات النفسية والجسدية لقلق زهرة إزاء وجودها, فإنه ينبغي أن نلفت النظر إلى مدى تلاعب لغة النص بازدواجية الدلالة وثنائية الفكرة, وتعبير هذه اللغة عن تدرج الأطوار النفسية لدى البطلة حتى بلوغها مرحلة الثورة الداخلية دفاعاً عن وجودها. تلك المرحلة التي أعقبتها ردود أفعال تمثلت في عبارات التحدي, وسلوك الرفض, والرغبات, والتأملات الشاردة.

        فزهرة بوصفها امرأة تحاول الخلاص من الخطيئة الأبدية الملصقة بها، هي ذاتها التي تناقض ذاتها؛ إذ تقر بخطيئتها الأبدية كما يتبين ذلك من طبيعة توظيف لفظة “الشيطان” ([57]) في النص الروائي. فتارة تعترف بغواية الشيطان لها، وأخرى بتمكنه منها، وثالثة بتوحده معها، ومن ثم كسر المحظور بخرقها الموروث (العادات والتقاليد) وهروبها إلى أفريقيا.

إن الآخر (الشيطان/ الرجل) الذي تنوى زهرة محاربته أو ملاعبته بسلاح الشيطنة, ما هو إلا (الأنا) أي (أنا) زهرة ذاتها . تلك الأنا الشيطانية التي تتضخم بداخلها وتتسلل خارجة منها , كما تقول هي : ” جسدي بأكمله يبدو كأنه يتضخم وكأن الشيطان الذي كان يسكنني يتسلل خارجاً مني “(37). ومن ثم تجعل من (أناها) آخر; أي موضوعاً خارجياً قابلاً  للتحكيم والتقييم , مما يفسر لنا أن الأنا تدور في دائرة مغلقة هي الذات , فهي تتسلل خارجها لتعود إليها مرة أخرى , كما أن توحد الأنا والآخر يبين أن الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن تدمير نفسه أو تحقيقها , وبمعنى آخر إما أن يكون ألد أعدائها أو أحب الناس إليها.

        وعليه كان نبذ زهرة لماضيها، وكذا ازدراؤها لحاضرها اللذين لم ينتجا سوى الإحساس بالقلق، مما ترتب عليه رفضها للآخر ولأي وضع ينحو نمو طمس وجودها حتى لو كان هذا الوضع يستمـد قوته مـن المـوروث أو ينبثق منه، ذلك الرفض الذي تبلور في عبارات تفيد التحدي والصدام ([58])، منها قول زهرة: “لا يحق لرجل بعد اليوم أن ينظر لي كأنه يمتلك حق تقييمي والتصرف بي” (62).

        ومن نمط هذه العبارة، يتضح أن زهرة تحمل صفات البطل الإيجابي، بما تنطوي عليه من قيم أصيلة، يتمثل أبرزها في الإحساس بالأنا وبقيمة  الحرية وفي الرغبة في تغيير الذات  وما حولها، وبما تبرزه من جانب  إشكالي في الشخصية من حيث رفضها التبعية. فزهرة ترفض مجتمعها بكل ما فيه من قيود، ومع ذلك لا يتسنى لها العيش بآمالها الداخلية، بمعزل عن هذا المجتمع، مما يفسر هيمنته عليها، وبالتالي تكمن المأساة؛ إحساس بالانتماء وعدم الانتماء في آن واحد، ومن ثم يحدث الصدام.

        ويتواصل تحدي زهرة عبر ردود فعل تكشف سلوكها الرافض للآخر وسخطها عليه ([59]) كما يتأكد من قولها: “هكذا وجدتها معركة تتحداني كاملة، معركة فاصلة بيني وبيـن حريتي، مطلق الحرية… و(أية) حشرة…، لن تقف في طريقي…، سأدوسها بقدمي” (236)، وشعور السخط يتواصل عبر رغباتها المختلفة التي تسعى نحو إشباعها؛ إذ وراء كل إشباع حاجة. فهي ترغب في الفوقية والسيـادة والسلطـة وتتوق إلى الحرية، وعليه فهي تستعذب الإحساس بالانتصار على إخوتها في مواقف عدة ([60]). كما تستلذ الإحساس بالانتقام من “سلطان”، وكسر عنفوانه بالحقد عليه والتشفي فيه ([61]).

        كما تستلذ التخلص من نسلها لزوجها صالح، رغم عشقه إياها ومعاملته الطيبة لها، وكذا مع سليمان؛ تنتشي وهي تراه خادماً لها، لاهثاً وراءها، معانداً – من أجلها – أوامر سيده سلطان ([62]) ووسط البحارة تنتشي وهي تستعرض قدراتها ([63])، إذ تشعر أنها “مخدومة من الجنس العالي” (113).

        إن الحاجة إلى إشباع نزعة الفوقية والرغبة في السلطة تتملك زهرة حتى تصير عقدة تعاني منها. فرغم إحساسها بالحرية والخلاص من كل القيود بعد وصولها إلى أفريقيا وامتلاكها مقومات السلطة من مـال وأرض وعبيد، فإنها تجد لذة في استرهابها العبيد، ونظرات الحيطة والحذر من جانبهم (راجع: 247).

        وإذا كان الفن في رأي فرويد “وسيلة لتحقيق الرغبات في الخيال، تلك الرغبات التي أحبطها الواقع إما بالعوائق الخارجية أو المثبطات الأخلاقية” ([64])، فالنص الروائي يحقق ذلك من خلال التأملات الشاردة لدى زهرة أو ما يمكن أن نطلق عليه أحلام اليقظة التي تضعها في عالم غير عالمها ومجتمع غير مجتمعها، تجد فيه نوعاً من الاطمئنان أو الثبات النسبي، بما في هذه التأملات من حالة نفسية عابرة تولد لديها شعوراً بالخلاص الزمني وذلك بالانفتاح على عوالم جميلة بلا ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل، فالزمن يقودها نحو السرور والمتعة حين تتخيل نفسها امرأة من طراز آخر ؛ أميرة وملكة, وحين تجعل من ذاتها حلماً جميلاً تصبح بمقتضاه بمثابة أسطورة أو ” صرحاً ” تُحكى حكايته ” في كل الأوقات “([65]).

        كما تخفف هذه التأملات من وطأة معاناة زهرة النفسية الناجمة عن إحساسها بالنقص من جراء مقارنتها ذاتها بالآخر , لا سيما زوجة سالم الأفريقية ; إذ بهذه التأملات الشاردة, تخلق لنفسها صورة مماثلة لصورة تلك المرأة الأفريقية ; الشخصية الوحيدة التي لا تعاني النقص ; حيث لا وجود حقيقي لها في الرواية , فهي الغائب الحاضر الذي يصل إلينا من خلال ما تتخيله زهرة عنها وما تسمعه بصددها . وهى حقاً وهم لا وجـود لـه “أسطورة ” كما يتأكد من الحدث الروائي، إذ لا تعثر زهرة لها على أثر (راجع: 188).

        إن النقص الذي تعانيه زهرة، يمثل حقيقة في واقعها المعيش لا تعانيه البطلة فحسب، بل النموذج العام للمرأة في الرواية، وما يندرج تحته من شخصيات نسائية، مما يؤكد أن التأملات الشاردة هي حالة نفسية عابرة تتوهم البطلة فيها السلطة والقوة، وعليه فهذه التأملات تُعد هروباً مؤقتاً من الواقع المعيش. أما الهروب الدائم منه، فيتمثل في مغامرة خروجها من سلطنة عُمان إلى أفريقيا، بحثاً عن المفقود الذي هو – من وجهة نظر زهرة – الحرية مقرونة بالسلطة والقوة.

خامساً : الازدواجية العاطفية :

إذا كانت صورة الرجل التي عايشتها زهرة في واقعها , صورة قبيحة, مشوهة , مؤلمة ومخيفة لها عبر المواقف المختلفة لحالاتها الشعورية واللاشعورية , وإذا كانت التفرقة في المعاملة بين زهرة وإخوتها من قِبل والديها , قد أدت إلى شرخ مؤلم في نفسيتها وإلى انطباع صورة قاسية لهما في ذاكرتها , فلنا أن نطرح هذا التساؤل : هل تكره زهرة الرجال فعلاً  ومنهم أباها ? وهل يؤدى ما لديها من انطباع قاسٍ عن أمها إلى كراهية النساء عموماً ومن بينهن نفسها?

واستناداً إلى الازدواجية العاطفية , أي اجتماع الحب والكراهية في آن واحد تجاه موضوع معين شخصاً كان أم شيئاً , دون أن يدرى المرء مصدر هذه الازدواجية , بيد أنه لا يستطيع أن ينفى أنها أساسية في حياته العاطفية ([66]), فإن زهرة التي ترى في سوء معاملة أمها لها ما يثير استياءها , ويُشعرهـا بقسوة هذه المعاملة , هي ذاتها التي – حال انتعاشها وإحساسها أنها أميرة على ظهر المركب – تتأسى على حال أمها المسكينة ([67]). والازدواجية العاطفية من جانب زهرة تتكرر تجاه شخصيات نسائية أخرى ([68]).

وهذه الازدواجية، التي يذهب فرويد إلى أن البشرية اكتسبتها من عقدة الأب حيث تجد أقوى صيغة لها ([69]) ، يؤكدها النص الروائي من طبيعة علاقة زهرة بأبيها، فوالدها الذي لم تلق منه سوى الفظاظة وغلظة القلب هو ذاته الذي تشفق عليه حين تخيلها إياه هازاً رأسه وبين أصابعه مسبحته الفيروزية وقد ذاق مرارة العار إثر علمه بهروبها. فضلاً عن يقينها بأنه ما كان ليرضى لها ما ألم بها على ظهر المركب من إحساس بالضعف والهوان من جراء وجودها بين الرجال (البحارة), ومن ثم تعرب عن ندمها داخلياً (راجع: 121).

        والازدواجية التي بدأت مع الأب تمتد مع غيره من شخصيات الرجال في الرواية مثل: (الحبيب سالم، النوخذة سلطان، الزوج صالح، عم زهرة، أحمد معلم القرآن، الصبي الأفريقي) ([70]).

        مما سبق يتسنى القول أن زهرة لا تكره الرجال كما لا تكره النساء، وأن مشكلتها النفسية وليدة حكم الأب والأم، ذلك الحكم الذي تبلور في طبيعة العلاقة بينها وبينهما.

        وإذا كانـت أول تجربة للقلق تمر في حياة الإنسان، ناجمة عن الآثار النفسية للانفصال عن الأم ([71])، فإن قلق زهرة على وجودها جاء نتيجة لمقدمات كثيرة تمثلت في مواقف قست عليها الأم جسدياً ونفسياً ([72])، مما نجم عنها فجوة نفسية بينهما حيث تقول زهرة: “إنني أعرف أكثر عندما لا تكون أمي معي” (15).

        واستناداً إلى أن عقدة أوديب ما هي إلا ” مجموعة من الرغبات والمشاعر والأفكار اللاشعورية التي تقوم على أساس الرغبة في امتلاك الوالد أو الوالدة من الجنس المقابل … وفى نفس الوقت إزالة الوالد أو الوالدة من نفس الجنس” ([73]), وإلى أن الاضطرابات النفسية والجنسية ومشاعر الذنب ما هي إلا نتيجة لهذه العقدة ([74]), فإن زهرة التي تعجز عن امتلاك أبيها عاطفياً واحتوائه نفسياً, تسعى إلى البحث عن هذا الرمز في نماذج الرجال . فمع صالح تنشد الحماية والمأوى , وبالتالي ترتضيه زوجاً . ومع النوخذة سلطان تبحث عن القوة والسلطة والقيادة وهى صفات تفتقدها في أبيها. كما تنشد في سلطان الصراحة والوضوح اللذين افتقر إليهما الأب . وعليه فإنها تلوم أباها (رمز الموروث) الذي جبلها على النفاق والتناقض, ونظراً لإحساسها بالنقص الناجم عن عجزها في التخلص منهما, فإنها تعجب بصراحة سلطان ووضوحه .

        وإذا كانت ” رحلة البحث عن الأب , تفتح خطاب الرغبة بوصفها ذاتاً متكاملة تتوحد وفقاً للصيرورة في جدل الطبيعة / الثقافة – الحب / العمل ، إذ يكون العمل فكرة شاملة , توحد البدن / الفكر , فلا عمل دون جهد بدني وإدراك عقلي” ([75]), فإن بحث زهرة عن أبيها يتبلور في مغامرة الخروج من منطقة الجبل ورفضها الحياة النمطية , حيث سلطة الموروث وضياع الذات وغياب الحرية , وبالتالي الشعور بعدم الكرامة وانتفاء السلام النفسي , الأمر الذي ترتب عليه الخروج من أجل عمل أسمى يدركه العقل ويؤدى إلى الحرية وتحقيق الذات.

وبما أن ” اكتشاف المرء لمصيره يُرمز إليه بالبحث عن الأب ” ([76]), على اعتبار أن العثور على الأب مرتبط بالتعرف والحصول على شخصية المرء ومصيره , فإن زهرة تواصل البحث عن أبيها عبر البحث عن سالم , ظلها الكامن في أعماقها ورفيق باطنها, الذي بدونه لن يتحقق لذاتها التطور والانتشار والتفرد , ليس لأنه فتى أحلامها , ولا لكونه مصدراً لاستمرارية هذه الأحلام , بل لكونه موضوعاً لها . فسالم الذي أبحر دون عودة وأعطى حياته للبحر , ومات في أحضان امرأة غريبة , يرمز بفعله هذا إلى موضوع أحلام زهرة , وهو الرغبة في ميلاد جديد والانطلاق نحو حياة أفضل في ظل موروث جديد , يحررها من عقدة الذنب .

وإذا كان سالم ظلاً  باطنياً لزهرة ورجلاً يعد الشيطان رمزاً له , يتضخم داخل زهرة ثم يتسلل خارجها ليتحول إلى ذات أخرى , فإن هذا الظل بخروجه المجازى , هو “الجزء النامي المتطور في الشخصية , الجزء الذي يسعى نحو التفرد والخروج من حالة الأنا Ego المحدودة إلى حالة الذات Self الأكثر اكتمالا  ونمواً وتحقيقاً”([77]), على نحو ما يذهب إليه يونج.

        ولما كان الشعور بالذنب ضمن محصلات العقدة الأوديبية، فإن لحظات ندم البطلة على هروبها، تعد اعترافاً بالخطيئة والذنب ورغبة في التطهر منهما بمحو الماضي الذي نجم عنه اضطراباتها وأزماتها النفسية التي كانت وليدة حكم الأب والأم بمعناه السلطوي الواسع: الموروث- المجتمع – الثقافة. وعليه تسعى زهرة إلى الخلاص، سعياً لا يتمثل في خروجها من عُمان إلى أفريقيا ولا رغبتها في ميلاد جديد فحسب، بل في تمنيها منذ الطفولة الصيرورة إلى جنس الرجال، حيث الانطلاق والحرية والسلطة (راجع: 105-127)، وفي إصرارها على إثبات أن ذاتيتها سوية خالية من الاضطرابات النفسية، وهنا تكمن المفارقة. ففي الوقت الذي تعاني فيه أحاسـيس الحقـد والأنانيـة والشعـور بالخـوف، تؤكد أنها امرأة سوية تعرف الحب (راجع: 143) وبداخلها “امرأة عادية تتعلق بالأحلام” (268).

        وتتجلى المفارقة في أبهى صورها في أن زهرة التي تعرف الحب والرومانسية -على حد قولها – هي ذاتها التي تسيطر عليها رغبة الانتقام من الآخر , بقتله . ففي فعل القتل تكمن جدلية النهاية والبداية أو الموت والولادة , إذ تناجى زهرة نفسها ثائرة: “لو أحمل مجز القت وأبقر من  يحادثني لفعلت”(19), “ليتني أبقر بطنه (عبد الله) بخنجر” (20).

وحيث إن المجز والخنجر من الأدوات الحادة التي ترمز إلى العضو الذكوري في اللاشعور (الأحلام), وهو العضو الذي يرمز إلى الخصوبة والحياة في الشعور كما يتأكد بمرجعية أسطورية (أسطورة أوزيريس مثلاً) ([78]), فإن رغبة زهرة في بقر البطن لا تعنى قتلاً أو موتاً للآخر, بل إحياءً له , بمزج دلالتي الحياة : الآلة الحادة التي ترمز إلى عضو الذكورة , والبطن التي ترمز إلى الرحم والولادة .

وبالرجوع إلى فكرة توحد زهرة مع الآخر (الشيطان)، يمكننا القول أن القتل بواسطة عضو الذكورة (المجز أو الخنجر) الباقر (أي الداخل) للبطن (وبها الرحم) هو تعبير عن رغبة زهرة والآخر – باعتبارهما شيئاً واحداً – في العودة إلى اللاعضوية واللاتميز من أجل ولادة جديدة. فضلاً عن أن فعل القتل، بما يتضمنه من رموز جنسية، يؤكد رغبة زهرة في التوحد بالآخر من خلال العملية الجنسية التي يترتب عليها استمرارية الحياة بفعل الولادة.

ومما يفسر ازدواجية عاطفة زهرة (الرهبة والرغبة) تجاه الآخر (الرجل) , أنه في الوقت الذي ترهب فيه الرجل (شعورياً ولا شعورياً) ومن ثم تود شعورياً الانتقام منه ببقر بطنه , ترغب لا شعورياً في احتوائه وامتلاكه والتوحد به , الأمر الذي يؤكد أن العمل الفني ” يحقق من الرغبات المكبوتة في اللاشعور ما يحققه الحلم . وهو كذلك يتخذ من الرموز والصور ما ينفس عن هذه الرغبات , ويخلق بين هذه الرموز أو الصور علاقات بعيدة وغريبة في الوقت نفسه” ([79]).

أخيراً , إذا كانت الزهور رمزاً أنثوياً , يرتبط بالمستقبل والتوازن والعدل والميلاد والانتصار والسرور , ويحوى دلالات انفتاح العوالم الباطنية وامتزاج الروح بالجسد , فضلاً  عن توحد الزمان بانتفاء مراحله , والإشراف والمعرفة والنور والخصوبة والنمو والامتداد والانبعاث والعقل والتنبيه والحماية ([80]), فإن النص الروائي يؤكد انتفاء تلك الدلالات لدى زهرة من خلال التوظيف الفني للاسم (زهرة) الذي كان الغرض منه الإسقاط الدلالي , ومن خلال إخفاق زهرة في تحقيق الدلالات السابقة , بعد رحلة الهروب الطويلة , إذ لم تجن سوى المعاناة والشقاء , كما يتبدى في مناجاتها ذاتها : ” ماذا بي أحس بالوحدة , أحسني غريبة من الأعماق يا زهرة الأسفار الطويلة , يا زهرة الأحزان الغريبة , يا أنا يا ذاتي المغتربة , ويا أشواقي المنبعثة , كم هو مؤلم إحساسي بالشقاء “(209).

الخاتمة:

وبعد الدراسة التحليلية للمضامين النفسية لرواية “الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحي, اعتماداً على منهج التحليل النفسي, وانطلاقاً من مركزية اللغة في تحليل النص, وبالوقوف على محاور محددة متمثلة في: الشعور – اللاشعور – علاقة اللاشعور بالشعور – ردود الأفعال – الازدواجية العاطفية , أمكن تلخيص أهم النتائج فيما يلي:

إن الرواية تُعد أول رواية لقاصّة عُمانية، وفي مجملها تعكس أزمة نفسية ذات صلة بقضايا ذاتية واجتماعية وأيديولوجية. والمناجاة النفسية تمثل لازمة في السرد الروائي، كما تشكل حالات التداعي النفسي للشخصية المحورية: “زهرة”، وتكشف عن طبيعة هذه الشخصية بكل ما فيها من تركيب وكثافة سيكولوجية تستقطب جميع مظاهر الصراع حولها. كما تؤكد المناجاة ذاتها شخصية “زهرة”، باعتبارها رمزاً، يمثل قيمة معينة، وذا أهمية في بلورة التجربة الروائية.

إن أزمة زهرة النفسية تبدأ بالشعور بالقلق على وجودها , ومن ثم كان تأملها إياه, بإعادة النظر فيه , بغية معرفته والوعي به , وبالتالي تقييمه , وذلك عبر مجموعة من الرموز, تمثلت في المرآة والمياه والعين , بوصفها مرايا حقيقية ومجازية تعكس أحاسيس زهرة بالانتهاء والنرجسية.

إن ورود صورة الرجل في لا شعور زهرة (نوبات الهذيان – الكوابيس) – بوصفه سلطة اجتماعية – بمواصفات رمزية تتمثل في الذئب والشيطان والحاسد والساحر, وبدلالات معكوسة , إنما الغاية منه تحقيق ” الإسقاط ” بوصفه عملية عقلية لاشعورية , تؤكد رغبة زهرة في التنصل والتخلص من الخطيئة الأبدية الملصقة بها , بوصفها رمزاً للمرأة, وكذا تأكيد العلاقة بين الجانبين : اللاشعوري والشعوري. ذلك أن مواصفات الرجل في شعور زهرة وطيدة الصلة بمواصفاته في لا شعورها.

إن النص الروائي يلجأ إلى توظيف رمز الشيطان للتأكيد على ازدواجية الدلالة وثنائية الفكرة , وهو ما يتبين من التناقض بين إقرار زهرة بخطيئتها الأبدية وبين محاولتها الخلاص منها , بالسعي نحو الارتقاء بذاتها وبالمرأة إلى مكانة تتسق وآدميتهما .

إن الازدواجية العاطفية لدى زهرة تحول دون كراهيتها لعنصر الرجال , فإن زهرة لا تكره الرجال كما لا تكره النساء , هذا فضلاً  عن أن ازدواجيتها العاطفية بدأت مع عقدة الأب , وأدت إلى البحث عن هذا الرمز بما يحويه من دلالات مختلفة في جنس الرجال .

وأخيراً يؤكد السرد الروائي أن زهرة بعد مغامرة هروبها من عُمان إلى أفريقيا , تعجز عن اكتشاف ذاتها وتحقيقها , ومن ثم لا تجد معنى لحياتها, كما أن تخلصها من القيود لا يحقق لها الحرية المرجوة فتظل حريتها قيد الحلم ورهن الوهم.


ملخص البحث

 موضوع هذا البحث هو : دراسة تحليلية للمضامين النفسية في رواية “الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحي. ومن بين دوافع هذه الدراسة , أهمية الرواية ; إذ تعد أول رواية لقاصّة عُمانية , وذات صلة وطيدة بقضايا ذاتية واجتماعية وأيديولوجية .

وقد اعتمدت الدراسة على منهج “فرويد” في التحليل النفسي بغرض الكشف عن العالم الباطني لشخصية “زهرة “, بطلة الرواية, باعتبارها شخصية محورية, مركبة, وذات كثافة سيكولوجية , تستقطب حولها جميع مظاهر الصراع الداخلية والخارجية . كما استندت الدراسة إلى المنهج التأويلي عند جاك لاكان بهدف تحليل لغة النص والكشف عن دلالاته المختلفة .

والمناجاة النفسية تشكل لازمة في الرواية وتبلور حالات التداعي النفسي التي تعبر عن طبيعة العلاقة بين ” زهرة ” والآخر . ومن أجل الكشف عن طبيعة هذه العلاقة, ركزت الدراسة على تحليل شخصية زهرة عبر محاور بعينها تمثلت في: الشعور, اللاشعور , العلاقة بينهما, ردود الأفعال , والازدواجية العاطفية.

 

Summary

The topic of this research is : An Analytical Study for the Psycho Contents in the novel Entitled “Al Twaf Hytho Al Gamr” : (Perambulating Around Embers) by Badryah Al Shehi : One of the motives of this study is the importance of the novel, being the first novel produced by an Omani authoress and closely related to subjective, social an ideological issues.

The study has relied on Freud’s psycho-analysis method with the purpose of revealing the psycho aspect of Zaharh’s character, the heroine of the novel, being a basic and complex character which has a psycho intensity that attracts towards her all internal and external aspects of conflict.

The study has depended also on Jacque Lacan’s Hermeneutics, with the aim of analyzing the text’s language and revealing its different implications.

The monologue forms an essential matter in the novel and constructs the stream of consciousness that expresses the nature of relationship between Zahrah and the others.

In order to unveil the nature of this relationship, the study has focused on analyzing Zahrah’s character through specific concepts : consciousness,  unconsciousness, the relation between them reactions and dual sentiment.

ثبت المصادر والمراجع

أولاً المصــادر :

 (1)      الشحي ، بدرية بنت إبراهيم . الطواف حيث الجمر ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1999.

ثانياً : المراجع العربية الحديثة :

(2)       إبراهيم ، نبيلة. قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية ، القاهرة، دار الفكر العربي ، 1973.

(3)      إسماعيل ، عز الدين . التفسير النفسي للأدب ، ط4 ، القاهرة ، مكتبة غريب ، (د.ت).

(4)  حمودي ، تسعديت آيت . أثر الرمزية الغربية في مسرح توفيق الحكيم ، بيروت ، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع ، 1986.

(5)      رجب ، محمود . فلسفة المرآة، القاهرة، دار المعارف ، 1994.

(6)      السعداوي ، نوال . الأنثى هي الأصل ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1974.

(7)      الشاروني ، يوسف . في الأدب العُماني الحديث ، لندن ، رياض الريس للكتب والنشر، (د.ت).

(8)  عبد الحميد ، شاكر . الأسس النفسية للإبداع الأدبي في القصة القصيرة خاصة، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1992.

(9)      ـــــــ . الحلم والرمز والأسطورة. القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1998.

(10) ـــــــ . وآخران . دراسات نفسية في التذوق الفني، القاهرة ، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ، 1997.

(11) عبد الكريم ، عبد المقصود (مترجم). جاك لاكان وإغواء التحليل النفسي ، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة والفنون ، 1999.

(12) عزام ، محمد . البطل الإشكالي في الرواية العربية المعاصرة ، دمشق ، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع ، 1992.

(13)  عسكر ، عبد الله . غياب الأب الرمزي : دراسة في التحليل النفسي لمضمون رواية “الطريق”  لنجيب محفوظ ، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1992.

ثالثاً: المراجع المترجمــة :

(14) دوران ، جيلبير .الأنثروبولوجيا : رموزها، أساطيرها ، أنساقها؛ ترجمة مصباح الصمد ، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1411 – 1991.

(15) فرويد سيجموند . تفسير الأحلام؛ ترجمة مصطفى صفوان ؛ مراجعة مصطفى زيور ، القاهرة ، دار المعارف ، (د.ت).

(16) ــــــــ . الطوطم والتابو؛ (1912 – 1913)؛ ترجمة بوعلي ياسين ؛ مراجعة محمود كابيبو ، سورية ، دار الحوار للنشر والتوزيع ، 1983.

(17) فريزر،جيمـس. الغصـن الذهبـي: دراسة في السحر والدين؛ ترجم بإشراف أحمد أبو زيد ، ط2 ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ، ج1 .199.

(18) ـــــــ . الفولكلـور في العهد القديم :  التوراة  ؛ ترجمة نبيلة إبراهيم ، ط2، القاهرة، دار المعارف ، ج2 ، 1982.

(19) كامبل ، جوزيف مع بيل مويرز . سلطان الأسطورة ؛ تحرير بيتي سوفلاورز ؛ ترجمة بدر الديب ، القاهرة ، المجلس الأعلى للثقافة ، 2002.

(20) هاملتون ، أديث . الميثولوجيا ؛ ترجمة حنا عبود ، دمشق ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، 1990.


رابعاً : المراجع الأجنبية :

(1)       Michalak, Barbara Pikulska. Modern Poetry And Prose of Oman (1970-2000), Ekodruk,Krakow,Poland, The Enigma Press, (S.A.).

خامساً : الرسائل الجامعية :

(21) الطالعي، رفيعة. تقنيات الخطاب في الرواية النسوية العربية في الخليج: 1971-2001  دراسة تحليلية، رسالة ماجستير ، قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، مسقـط ، سلطنة عُمان ، فبراير 2003.

سادساً : الدوريات :

(22) آل سعيد ، غالية فهر تيمور . “قراءة في الطواف حيث الجمر” ، نزوي مجلة فصلية ثقافية  ، مسقط ، مؤسسة عُمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان ، ع 24 ( عدد خاص )، أكتوبر 2000 – رجب 1421.

(23) اليحيائي ، شريفة . “الطواف حيث الجمر ، بدرية الشحي : اللاوحداوية في تحليل النص السردي”، نزوي، مرجع سابق ، ع 22، أبريل 2000 – محرم 1421.

سابعاً : المعاجم :

(24) إمام، عبد الفتاح. معجم ديانات وأساطير العالم، القاهرة، مكتبة مدبولي، مج1، 1995.


([1]) بدرية الشحي. الطواف حيث الجمر، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999. إحالات الرواية مأخوذة من هذه الطبعة، وسيشار إليها في المتن باستثناء مواضع تكرار الشواهد ستدرج في الهامش.

([2]) بدرية بنت إبراهيم الشحي. قاصة عُمانية الجنسية، من مواليد مسقط بتاريخ 1/4/1971، حاصلة على درجة الدكتوراة في الهندسة الكيمائية من جامعة (لوفبرا) بالمملكة المتحدة عام 2001، عملت كمهندسة تصميمات كيميائية في شركة (تنمية نفط عُمان)، وتعمل الآن بجامعة السلطان قابوس، وهي زوج وأم لثلاثة أطفال.

([3]) راجع:

– شريفة اليحيائي. “الطواف حيث الجمر، بدرية الشحي: اللاحدودية في تحليل النص السردي” نزوى، مجلة فصلية ثقافية، مسقط، مؤسسة عُمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان، ع22، إبريل 2000- محرم 1421، 247-251.

– غاليـة فهـر تيمـور آل سعيد، قراءة في “الطواف حيث الجمر”، نزوى، 2000، ع (24)، (عدد خاص)، أكتوبر 2000- رجب 1421، 237-247.

– رفيعة بنت سلمان بن سلوم الطالعي. “تقنيات الخطاب في الرواية النسوية العربية في الخليج: 1971-2001 دراسة تحليلية”، رسالة ماجستير، قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، مسقط، سلطنة عُمان، فبراير 2003، 90، 91، 93، 94، 108، 113، 116.

– Barbara Michalak – Pikulska. Moderm Poetry and Prose of Oman (1970-2000) Ekodruk,Krakow,poland, the Enigma Press, (S.A.) 410-417.

([4]) راجـع: يـوسـف الشـارونـي. في الأدب العُماني الحديث، لندن، رياض الريس للكتب والنشر، (د.ت)، 45.

(5) See: Barbarsssssssssssssssa, opcit, 410-416.

([6]) راجع: عبدالمقصود عبدالكريم (مترجم). جاك لكان، وإغواء التحليل النفسي، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة والفنون، 1999، 210.

([7]) السابق، 112.

([8]) راجع: السابق. 207، 243، 244.

([9]) راجع: الشحي. 7، 260، 261.

([10]) راجـع: نـوال السعـدوي. الأنثـى هـي الأصل، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1974، 201.

([11]) محمود رجب، فلسفة المرأة، القاهرة، دار المعارف، 1994، 115.

([12]) راجع: السابق. 191.

([13]) راجع: الشحي. 10، 11، 12، 13.

([14]) محمود رجب. مرجع سابق، 140.

([15]) راجع: جيمس فريزر. الغصن الذهبي؛ دراسة في السحر والدين؛ ترجم بإشراف أحمد أبو زيد، ط2، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ج1، 1998، 29-30، 186.

([16]) راجع:

– جيمس فريزر. الفولكلور في العهد القديم: التوراة؛ ترجمة نبيلة إبراهيم، ط2، القاهرة، دار المعارف، ج2، 1982، 111-123.

– أديث هاملتون. الميثولوجيا؛ ترجمة حنا عبود، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العربي، 1990، 129-130.

([17]) راجع:

– شاكر عبدالحميـد. الحلم والرمز والأسطورة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، 199.

– محمود رجب. مرجع سابق، 15-16، 32، 192-193.

([18]) راجع: الشحي. 68، 69، 232.

([19]) راجع: شاكر عبدالحميد. مرجع سابق، 189.

([20]) محمود رجب. مرجع سابق، 32.

([21]) راجع: الشحي. 11، 13.

([22]) راجع: سيجموند فرويد. الطوطم والتابو (1912-1913)؛ ترجمة بوعلي ياسين، مراجعة محمود كابيبو، سورية، دار الحوار للنشر والتوزيع، 1983، 41-42، 45، 46، 47، 50، 59.

([23]) راجع: السابق. 54.

([24]) راجع: الشحي. 15، 68-69.

([25]) راجع: السابق. 24، 42، 78، 174، 201.

([26]) راجع: السابق. 40، 55، 78، 81، 126.

([27]) راجع: السابق. 23، 27، 52.

([28]) راجع: السابق. 48، 110.

([29]) راجع: السابق. 33، 71، 79، 157.

([30]) راجع: السابق. 30، 38، 61، 194، 195، 201.

([31]) راجع: السابق. 69، 114، 156-157.

([32]) راجع: السابق. 68، 69، 113.

([33]) راجع: السابق. 142، 9، 124، 125، 168، 21، 125، 8، 116، 11.

([34]) راجع: السابق. 154، 222، 249.

([35]) راجع: شاكر عبدالحميد، مرجع سابق، 350،356.

([36]) محمود رجب. مرجع سابق، ص71.

([37]) السابق. 221.

([38]) راجـع: الشحــي. 24، 68، 67-68، 80-81، 95، 162-163، 194-195، 267-269، 272.

([39]) راجع: السابق. 28، 36، 60.

([40]) راجع: السابق. 89، 165، 163، 194، 195.

([41]) راجع: السابق. 22، 42، 14، 164-165، 13، 278، 9، 11-12، 8، 10، 44-45، 71، 46.

([42]) راجع: السابق. 67، 66، 59، 91، 164، 107، 110، 68، 73، 131، 117.

([43]) راجع: السابق. 73، 70، 50، 78، 249، 167-169، 85، 48، 120، 75، 168، 141، 171، 181، 74، 92، 183، 186، 131.

([44]) راجع: السابق. 43، 53، 83، 85.

([45]) راجع: شاكر عبدالحميد. مرجع سابق، 8.

([46]) شاكر عبدالحميد، الأسس النفسية للإبداع الأدبي: في القصة القصيرة خاصة، ا لقاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992، 81.

([47]) راجع: السابق. 187.

([48]) راجع: الشحي. 69، 114، 156-157.

([49]) جوزيف كامبل مع بيل مويرز. سلطان الأسطورة؛ تحرير بتي سوفلاورز؛ ترجمة بدر الديب، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2002، 93 .

([50]) راجع: سيجموند فرويد. تفسير الأحلام؛ ترجمة مصطفى صفوان؛ مراجعة مصطفى زيور، القاهرة، دار المعارف، (د.ت)، 360-363.

([51]) راجع:

– شاكر عبدالحميد. الحلم والرمز والأسطورة ، 42.

– نبيلـة إبـراهيـم. قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية. القاهرة، دار الفكر العربي، 1973، 136.

([52]) شاكر عبدالحميد. الحلم والرمز والأسطورة ، 45.

([53]) راجع: عز الدين إسماعيل. التفسير النفسي للأدب، ط4، القاهرة، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، (د.ت)، 141.

([54]) راجع: السابق. 111.

([55]) راجع: الشحي. 33، 40، 58، 61، 106، 113، 272.

([56]) تسعديت آيت حمودي. أثر الرموز الغربية في مسرح توفيق الحكيم، بيروت، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1986، 105.

([57]) راجع: الشحي. 52، 8، 5، 30، 67، 37.

([58]) راجع: السابق. 33، 106، 120، 32، 196.

([59]) راجع: السابق. 21، 27، 69، 86، 107، 122-123، 182، 260، 271.

([60]) راجع: السابق. 24، 29، 238.

([61]) راجع: السابق. 60، 124، 177، 182، 237.

([62]) راجع: السابق. 260، 130، 131، 144.

([63]) راجع: السابق. 114، 132، 140.

([64]) شاكر عبدالحميد وآخران. دراسات نفسية في التذوق الفني، القاهرة، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 1997، 79.

([65]) راجع: الشحي. 113، 167، 265، 191، 218، 183.

([66]) راجع: سيجموند فرويد. الطوطم والتابو، مرجع سابق، 184.

([67]) راجع: الشحي. 14-15، 17، 19، 114.

([68]) راجع: السابق. 188-189، 105.

([69]) راجع سيجموند فرويد. الطوطم والتابو، مرجع سابق، 184.

([70]) راجع: السابق. 75، 124، 45، 143، 12، 188، 18، 142، 78، 50، 257- 258، 17، 186، 192، 13، 46، 240.

([71]) راجع: جيلبير دوران. الأنثروبولوجيا: رموزها، أساطيرها، أنساقها؛ ترجمة مصباح الصمد، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1411-1991، 50.

([72]) راجع: الشحي. 14-15، 24، 29، 46.

([73]) شاكر عبدالحميد. الأسس النفسية للإبداع الأدبي، مرجع سابق، 50.

([74]) راجع: السابق. الصفحة نفسها.

([75]) عبدالله عسكر. غياب الأب الرمزي: دراسة في التحليل النفسي لمضمون رواية “الطريق” لنجيب محفوظ، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1992، 95.

([76]) جوزيف كامبل مع بيل مويرز. مرجع سابق، 225.

([77]) شاكر عبدالحميد. الحلم والرمز والأسطورة، مرجع سابق، 26.

([78]) راجع:

– جيلبير دوران. مرجع سابق، 193.

– إمـام عبدالفتـاح إمـام. معجـم ديانات وأساطير العالم، القاهرة، مكتبة مدبولي، مج1، 1995، 384-385.

([79]) عز الدين إسماعيل. مرجع سابق، 40.

([80]) راجع: شاكر عبدالحميد. الحلم والرمز والأسطورة، مرجع سابق، 81، 82.

الكاتب: Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s