Asyah Al Bualy Articles

زهراء سقطرى .. رؤية فنية

أضف تعليقاً

إن مصادر كتابة النص المسرحي تتنوع ما بين الأسطورة والخرافة والتراث الشعبي والتاريخ وخيال المؤلف، والعقل الباطن، والواقع الفعلي، فضلاً عن واقع المؤلف (تجاربه الشخصية)… إلخ، والمؤلف (سمير العريمي) يتخذ من التاريخ مصدراً أساسياً لمسرحيته (زهراء سُقْطرى) التي تجسد أحداثها ملحمة تاريخية دونت في أبيات شعرية كتبتها (زهراء) إحدى بنات جزيرة سقطرى باليمن إلى الإمام العادل (الصلت بن مالك الخروصي)، الذي كان في عُمان مستنجدة به لتلخيص الجزيرة من وحشية غزو الأحباش.

        والمسرحية التي عرضتها وزارة التراث والثقافة على مسرح الشباب ضمن الاحتفال بالعيد الوطني الثالث والثلاثين، تنم مشاهدها عن رؤية إخراجية مميزة لمخرجها (د. عبدالكريم بن علي بن جواد) الذي يمتلك أدواته الفنية وتقنيات الإخراج بشكل واسع، كما يتضح من مفردات العرض المتمثلة في:

أولاً: الديكور.

        وظف بشكل مباشر عبر مجموعة من الرسومات والمجسمات: رسومات مثل صورة الرسالة اليدوية التي وردت على شكل لوحة جدارية تعبر عن تبادل الرسائل بين سقطرى وعُمان، فضلاً عن التبادل الحدثي بين الطرفين، الذي عبر عنه بصورة لمركب صغير في وسط البحر، كما وردت المجسمات لتؤكد دلالات أخرى منها مجسم الكتاب معبراً عن سوق الورق والوراقين (شكل من أشكال المكتبة أو دكان الكتب قديماً) في إحدى أسواق سقطرى، وكذا مجسم كبير بلون ذهبي لرجل عُماني يرتدي: (العمامة والدشداشة والخنجر)، ومن أطراف أصابع يده تسقط خيوط من أشعة ذهبية على الجزيرة.

        ونلاحظ عبر العرض أن مفردات الديكور قد تم توظيفها بشكل إيجابي بحيث حققت علاقة ديناميكية بينها وبين الشخصيات عبر حركاتها وكلامها، فضلاً عن دور الديكور في تأكيد الحدث المسرحي. ورغم كل ذلك فإن المجسم الذهبي للرجل العُماني (رمز الإمام) يظل أضعف المفردات توظيفاً في العرض إذ أن وجوده (أي المجسم) كان من المفترض أن يوحي بتلبية الرسالة من قبل الإمام لأهل سقطرى والذي ورد عبر (الخيوط الذهبية الساقطة)، فضلاً عما يوحي به اللون الذهبي من إشراقة وقوة حضور وإضاءة وبريق، بيد أنها دلالات غابت عن المشاهد العادي باستثناء المتخصص مَنْ يستطيع استنباطها، بينما يظل الأول في أحوج الحاجة لفهم الدلالة المبتغاة من كل ذلك، وهي سقوط شمس عُمان على سقطرى شمس الحرية والعدل، تلك الدلالة التي بدت غامضة نتيجة لغياب دور الإضاءة فضلاً عن، سُبل أخرى كان من الممكن توظيفها حتى لا يبدو المجسم مجرد جزء من الخلفية المكانية أو زخرفة فحسب.

ثانياً: اللوحات التشكيلية.

        تم توظيف مجموعة من اللوحات التشكيلية التي وردت عبر تقنية السكون والحركة. ويظل أضعف تلك اللوحات توظيفاً مجموعة الجنود بسيوفهم مِمَنْ وظفوا في شكل خط مستقيم يفصل بين حدث وآخر. ولا يغيب عن المشاهد أن مثل هذا التوظيف ورد بغرض تحقيق النقل المكاني والحدثي للمشاهد عبر أسلوب الإيحاء، بيد أن صياح الجنود كان دخيلاً للغاية وأضعف التوظيف الذي كان الغرض منه تبيان قوة عُمان تجاه الآخر، عبر إثارة الخيال، بينما ورد توظيف تقنية استحضار الغائب بالغائب ضمن الجوانب الجمالية القوية في العرض، وذلك عبر كسر المخرج الرؤية التقليدية في بعض اللوحات والمواقف. منها غياب زير؛ (الجحلة أو البلاص) العسل بين يدي البائع في السوق بينما نجد الممثل يحرك يديه موحياً بأنه يبيع العسل ويسكبه من زير إلى آخر ، وكذا قراءة الإمام الصلت لرسالة زهراء دون وجود حقيقي للرسالة بين يديه، وأيضاً غياب الكتاب أو الورق الفعلي من يدي البائع وزهراء في مشهد الشراء. كما وردت اللوحات التشكيلية في سكونها قوية معبرة، ومرسومة بدقة بفعل توزيع الإضاءة.

ثالثاً: الموسيقى والأداء الغنائي.

        إن الأداء الغنائي للدكتورة منية حجيج لأبيات الشعر كان له حضوره المميز لما للصوت من طبقة معبرة تتسم بالدفء الذي اكتمل بنغمات العود من ألحان راشد الهاشمي.

        والمستمع الجيد للصوت واللحن يلاحظ أن الغناء حقق بعدين رومانسيين: النغمة عبر صوت العود بما يوحى بالبكاء والحزن لغيات تلك المعاني المعبرة عنها بالكلمة الشعرية، أي البكاء على الماضي بكل ما فيه من شجاعة وإقدام ورجولة ومروءة، فضلاً عن بعد آخر الإصرار على استحضار الماضي باستنهاض الهمم وهو ما حققه الأداء الغنائي الجماعي، وكذا تشابك الأيادي أثناء تأدية الغناء.

رابعاً: الأداء التمثيلي.

        ورد باجتهاد واضح من قبل الممثلين والممثلات كما أبرز الأداء التمثيلي الجهد المبذول من قبل المخرج لاستخراج أقصى طاقات الممثل. تلك الطاقات التي تأرجحت ما بين الضعيفة والمتوسطة والقوية، والأخيرة تمثلت في مجموعة من الأسماء منها على سبيل المثال لا الحصر: الفنانة حنان العجمي في دور (زهراء سقطرى) التي أدت الدور بعمق وباجتهاد واضح، وكذا الفنان خالد الضوياني (في دور والي سقطرى) كان مقنعاً للغاية عبر تلقائية التعبير والحركة، والفنان سيف المعولي في دور (زعيم الأحباش)، فرغم محدودية الدور بملامح الشخصية المرسومة بدقة، استطاع أن يفلت من تلك المحدودية ويضيف جوانب في الأداء بحيث حقق للشخصية حضوراً.

خامساً: الرسالة المستوحاه من العرض.

        غنى عن البيان أن الفنون في مثولها بمختلف أنواعها لابد وأن تحوي على رسالة ما وربما مجموعة رسائل تمثل فيما تمثل الهدف من وجود العمل الفني برمته. والمسرح بوصفه أباً للفنون جميعها لاحتوائية على كل أدوات التعبير الموجودة في الفنون الأخرى، يأتي في مقدمة الفنون التي بإمكانها إيصال الرسائل بشكل جيد إذا ما تم توظيف كل عناصر المسرحية بشكل جيد وفني.

        والرسالة المستوحاة منذ الوهلة الأولى لمسرحية (زهراء سقطرى) هي التأكيد على دور عُمان عبر التاريخ، عبر استحضار حادثة تاريخية بعينها، (استنجاد زهراء سقطرى بالإمام الصلت)، والتأكيد ورد لا بهدف تعريف المشاهد بالحدث التاريخي فحسب، بل بغرض استنهاض الهمم ورفع شعار الإسلام بوصفه ديناً وهو ما يتبين من توظيف شخصية الإمام الصلت بن مالك بوصفه رمزاً من رموز العدل أو معادلاً موضوعياً لها. هذا فضلاً عما أبرزته تقنية الإخراج للأداء الغنائي الجماعي بتشابك الأيادي، وكذا التكرار لأبيات القصيدة التي تقول:

يا للرجال أغيثوا كل مسلمة

ولو حبوتم على الأذقان والركب

حتى يعود عماد الدين منتصباً

ويهلك الله أهل الجور والريب

        ولكن السؤال الذي يطرح ذاته ألم يكن هناك حاجة لتحرير العرض من ثبوتية الحدث التاريخي والخروج به من الرؤية النمطية، بأن يقدم مؤلف النص إضافة لاسيما وأنه يتعامل مع الحدث في قالب فني، والفن هو بشكل أو بآخر إعادة صياغة لفكرة أو موضوع ما في المقام الأول، بحيث تشكل هذه الصياغة رؤية أكثر تطوراً للموقف التاريخي برمته وأكثر اتساقاً مع أحداث العصر بما فيه من تقدم، لاسيما وأن المسرحية عُرضت في مناسبة وطنية نحتفي جميعاً بإنجازاتها التي يأتي على قمتها تطور العقلية والفكر العُماني بفعل عاملي التعليم والتثقيف.

وعليه فإنني أرى أن المشاهد فكرياً تجاوز مرحلة تعريفه بدور عُمان تاريخياً عبر واقعة معلومة للجميع، كما أنه في غنى عن استنهاض الهمم بدعوى صحوة الإسلام، ورفع شعاره بوصفه ديناً فحسب، لكنه في أمس الحاجة لمعرفة الكيفية التي بها يتحقق فعلاً صحوة للإسلام، فضلاً حاجته لمعرفة السبل القويمة لرفع الشعار الديني عبر أسلوب بعيداً كل البعد مشاهد الحرب والسيف التي اكتظ بها العرض. وهنا – من وجهة نظري – تكمن الإضافة الفنية من قبل المؤلف والمخرج تجاه العرض؛ حيث إمكانية التعامل مع الحدث التاريخي – في الفن – عبر منظور مغاير؛ يتعامل مع الحدث التاريخي بمرونة ويقدم رؤية فنية تتسق مع تطورات العصر والنهضة المباركة، وترفع من شعار الإسلام لا بوصفه ديناً فحسب، بل كلمة وثقافة شاملة تحوي أسلوباً في التواصل مع الآخر وتحقق جسراً حوارياً متيناً يؤكد كل سبل التبادل الفكري والحضاري بين طرفي الصراع (عُمان- الحبشة) وهو ما يُعد سبيلاً لتحرير العرض من تقليدية الرؤية وكذا سبيلاً لتقديم كل ما وصلت إليه الشخصية العُمانية (الحاضرة) وليدة النهضة من تقدم فكري.

     وختاماً. أوجه كل الشكر والامتنان لمخرج العرض (د. عبدالكريم بن علي بن جواد) على إرساله بطاقة دعوة لي، وإصراره حضوري العرض رغم قسوة ظروفي العائلية.

الكاتب: Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s