Asyah Al Bualy Articles

قراءة في ديوان ((ثورة الزمرد)) لهاشمية الموسوي

أضف تعليقاً

إن ديوان ((ثورة الزمرد)) قد حوى تعريفاً للشاعرة: هاشمية بنت جعفر بن علي الموسوي، ذلك التعريف الذي عرفنا بالشاعرة من حيث إنتاجها الشعري والمهرجانات التي شاركت فيها والجوائز المختلفة التي نالتها… ومن ثم قد يبدو غريباً وأنا في موقفي هذا أن لا أعرف بالشاعرة، لكنني أؤمن أن البطاقة الحقيقية للتعريف بالشاعر هي قصيدته بكل ما فيها من شاعرية وصدق الكلمة التي تلمس الوجدان والفكر.

        تلك الكلمة التي قادتني إلى قراءة الديوان، قراءة واعية ومتأملة، لأقف على أهم ما فيه من نقاط ومحطات. ولذا كم كنت أتمنى أن تكون كل دواوين الشاعرة بين يدي وأنا أقرأ ديوانها الأخير الذي سُبق بديوانين آخرين هما: إليك أنت 1987م، وللروح هوية 2000م، ثم ثورة الزمرد 2002م.

        كما أنني يجب أن أوضح أن معرفتي بالقريحة الشعرية لهاشمية لا تتعدى قراءتي لما كُتب بشكل سريع عن ديوانيها عبر الصحف المحلية. ومن ثم حين باغتتني هاشمية بسؤال عبـر الهاتف: هل تعرفينني يا دكتورة؟ أجبت قائلة نعم أعرف هاشمية الفنانة بصفة عامة (من منطلق أن الشعر فن من الفنون)، ولكن لا أعرف هاشمية الشاعرة بصفة خاصة.

        لذا فإني أود أن أعبر عن سعادتي لاستضافتي اليوم بالنادي الثقافي للحديث عن هاشمية الشاعرة. عبر ديوان استوقفتني شهاداته، فرغم ما بداخلي من صوت يرفض دوماً قراءة أية شهادة عن أي عمل فني قبل قراءة العمل ذاته، لما في ذلك من توجيه فكري نحو مفهوم إن جاز لي التعبير فأقول: (سابق التجهيز). ومع ذلك فإنني أفضل أن أورد بشكل سريع بعض الجمل من تلك الشهادات؛ إذ قيل أن القصائد تفصح عن ((خصوصية الأنثى الطامحة)) وقيل أن الشاعرة ((تمارس الاحتراق)) وهي أيضاً ((ذات نمط حسي أنثوي مرهف وقوي)) و((يشغلها الهم الوطني والقومي)).

        والجمل السابقة الذكر بما فيها من قوة تعبيرية كفيلة بأن تلفت انتباه أي قارئ. فما بال والقارئ في هذه المرة متخصص في مادة النقد، فلا أخفي عليكم كان همي الأول اكتشاف مدى صدقها، أو مدى تطابقها مع الواقع الفني للقصيدة؟ من ثم فإن الكشف عن الزوايا الفنية للقصيدة في الديوان فضلاً عن جماليتها أوضح لي أن ما ورد من شهادات ناتج عن نظرة تطبيقية وعميقة للنص.

        من المؤكد أن المجال لن يتسع للإفصاح عن كل جانب تطبيقي عبر العشرين قصيدة شعرية اللائي حوتها الديوان، من ثم سينطلق حديثي بقدر ما يسمح به الوقت.

        فعن الجملة الأولى التي تذهب إلى أن القصائد تعبر عن ((خصوصية الأنثى الطامحة)) فكيف لا يكون ذلك إذ أن الذاتية في القصائد دوماً في حالة الاندماج مع الآخر، وعليه فهي في حالة تحول من محدودية الذات إلى شمولية الموضوع. وبناء عليه نفهم لماذا تكتسب الشهيدة آيات الأخرس سمة القدسية؟ في قصيدة ((ثورة الزمرد))، لتتحول من الذات إلى الموضوع؛ وبعبارة أدق إلى محراب بكل ما فيه من حياة، يُسْتحَقُ أن تنصب فيه محاكم البشرية، ابتداء بالسؤال عن حق الشهداء ومروراً بمَنْ جعل الكلام ((حشرجة)) وانتهاء بِمَنْ ((سلب أنسجة العبور)) ونزع ((الممالك والمرايا)) من كل امرأة، فتلاشتْ وتلاشى معها كل حي وحياة، وعليه فإن آيات الأخرس لم تعد مجرد ذات استشهدت كُتب لها الخلود، بل موضوعاً يستحق السؤال، طالما نحيا ((على قلق القصيدة)). كما تقول الشاعرة.

        وحين يقال إن ذاتية الشاعرة عبر القصائد ((تمارس احتراقاً))، فهي حقاً كذلك إذ تجعل دائماً من النهاية (احتراق)، بداية ولذا فهي مستمرة عبر الفعل (تمارس)، وآية ذلك أننا نرى في قصيدة ((أنسام المساء))، رغم تقريرية هذه الذات بحتمية المصير حيث ((تمازج الأقدار بالأشلاء والأسماء)) فإنها لا تنكسر تعود ليعلو ما بداخلها من صرخة التحدي، رغم حرقة المعاناة حيث تُصِر قائلة. ((سأظل أبحر في العهود محدقاً وأُعِدُ أجفاناً تألَّب حلْمها))، فكما نلاحظ أن نبذة التحدي هنا لا تبحر في البحور حيث احتمالية المرسى أو الشاطئ، لكنها تبحر في العهود!!

        ولأن هذه الذاتية تأبى الهزيمة والانكسار فهي تستمد انتصارها من الجموع حين تصبح هي والآخرون واحداً، لذا ففي القصيدة المهداة إلى الشاعر محمود درويش والتي بعنوان ((أجنحة الغياب)) تلعب الكلمة دوراً أساسياً للتعبير عن القريحة الفنية لا عبر المجاز أو الصورة الاستعارية فحسب، بل في قدرتها على رسم مشهد مرئي بكل تفاصيله حيث اللون والحركة والبعد.. ذلك المشهد الذي أراه من أجمل ما ورد في الديوان بما فيه من إصرار وكيفية هذا الإصرار، حين تقول الشاعرة: ((يا ذلك المحبوس في مهد النوى غَرقتْ قصائدُنا وتاه فضاؤنا، لكننا ريحُ تدق شهادة الموتى وتعشقُ لونَ أجنحة الحجرْ)).

        وإذا كانت الذاتية من الصمود والتحمل إلى درجة عشق الحجر بكل زواياه وألوانه فمن الطبيعي أن تكون مسكونة بالهاجس ((والهم القومي)) لاسيما وكما ترى الشاعرة أن للوشاية أفئدة ((لا تزال تلهو)) عند ((انبلاج الليل)) وكذا أنفاساً اعتادت طرق ((مقامات الخيانة)).

        وبذا يتضح لنا إلى أي مدى تلعب لغة الشاعرة في ترسيخ هذا الهاجس والهم الذي يستمر معها عبر القصائد حيث  تناجي في قصيدة ((أشرعة الرواية)) ((هتاف الأنبياء)) القادمين من القيامة، خاصة وأن الزمن والموقف في حاجة إلى التطهير من ((فيروس الغواية)) ذلك الفيروس المتفشي في ((كل أزمنة الخلافة)) لذا تتوق الذات إلى ذلك المفقود ((المولود في زمن الخرافة)).

        وذاتية الشاعرة تمتلك ((نمطاً حسياً أنثوياً مرهفاً وقوياً)) وهي حقاً كذلك فهي العاشقة إلى حد الثمالة في قصيدة ((أتيت إليك)) التي تفتح صرة العشق فتكتشف أنها تحمل غربتها وأبواب المتاهات في رئتيها، حينئذ تتحد بالآخر من أجل التغيير للأفضل عبر رسول الحب من أجل تبديل وطن ((تغطية ظلال الخوف)) من أجل معشوق يرحل بنا ((إلى طيف مليء بالحكايات)) حيث لا وجع ولا ألم ((ولا صبر لاسع)) أو ((شعر جارح)).

        إن ديوان ((ثورة الزمرد)) دعوة على انفتاح النص وتجرد التأويل، انفتاح لم تحققه الصورة الفنية أو المجاز اللغوي فحسب، بل بساطة اللغة في الخاطرة التي لا تخلو من عمق الفكرة الفلسفية، حيث تأتي الكلمة منتقاة بدقة وانحراف عن السائد والمعتاد فبها تقول الشاعرة عن الشهيد محمد الدرة ((يا حلمى المغرور يا تعويذتي عند انسكاب الألسنة)) ومن ثم تُفجر مرارة الواقع من أجل واقع أفضل، ذلك البرزخ المبتغاة ((بين الحقيقة والخيال))، حيث لا اعتصار ((للخطيئة)) أو حزن ((للمشاغب)).

        ففي الختام ((ثورة الزمرد)) هي ثورة الكيان عبر أنسجة الجمال، بكل ما فيها من عمق ونفاسة ومن ثم فهي ((زمرد)).

ملحوظة: آثرتُ وضع الأقواس للتأكيد على أن ما ورد فيها مقتبس من الديوان.

الكاتب: Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s