Asyah Al Bualy Articles

عن كتاب “زنجبار التكالب الاستعماري وتجارة الرقيق”

أضف تعليقاً

جريدة عمان، ملحق شرفات  يوم الثلاثاء الموافق 8 مايو . 2012

 

عن كتاب “زنجبار التكالب الاستعماري وتجارة الرقيق”

د. آسية البوعلى.

مستشار مجلس البحث العلمي للعلوم الثقافية .

      لقد قرأت النسخة العربية  لكتاب “زنجبار التكالب الاستعماري وتجارة الرقيق” لمؤلفه الشيخ عيسى بن ناصر الإسماعلي ، الطبعة الأولى 2012 م ، دار الغرير للطباعة والنشر ، دبي ، دولة الإمارات العربية المتحدة ).والكتاب  الذي يبلغ في عدد صفحاته (329صفحه) من الحجم الكبير، وقد  ترجمه من اللغة السواحيلية إلى العربية : مبارك بن خلفان بن ناجم الصباحي ( سفير سلطنة عُمان بالسودان ،سابقًا )، و لا يعد هذا  الكتاب بالكتاب الأول للمؤلِف إذ سبقه كتاب” الزنجبارية والسلطنة”  كُتب باللغة ذاتها. ( راجع:  مقدمة الكتاب الصفحة الأولى).

        وقبل الولوج إلى دواعي الكتابة عن كتاب “زنجبار التكالب الاستعماري وتجارة الرقيق” و التي أهدف من ورائها  إبراز ما للكتاب من خصوصية و أهمية ، أود أولاً أن أُبيِّن أن المجهود الذي بُذل من قِبَل مترجم الكتاب في نقله إلى العربية  –  والذي  كان تطوعًا و بلا مقابل مادي – يعد إنجازًا في حد ذاته ، فكلنا نعلم صعوبات الترجمة ومشقاتها، لذا أيًا كانت الملاحظات  التي يمكن أن تُأخذ على الكتاب في نسخته العربية لا و لن تقلل من عظمته و قيمته ، في توقيف القارئ العربي على الحقائق الدقيقة لمذبحة زنجبار فضلاً عن معلومات وأفكار أخرى لا تقل أهمية ، أضف إلي ذلك ما يحسب للمترجم من اجتهادات نحو إضافة بعض التوضيحات في متن بعض الصفحات وهوامشها.

      والكتاب المذكور أعلاه تكمن أهميته، في كونه كتاب تاريخي يعرض و بمنهجية علمية وعبر المراجع المختلفة تاريخ ودوافع الهجرات العربية وغير العربية إلى القارة الإفريقية بعامة،  وشرق أفريقيا بخاصة سواء ما تعلق منها بأسباب بيئية و أخرى اقتصادية و سياسية. كما  أنه يُعد مرجعًا علميًا في  السرد للتاريخ العٌماني في شرق أفريقيا وزنجبار، فضلاً عن قيمته في عرض تاريخ ألاثني عشر سلطانًا من سلاطين زنجبار، بدءًا من عهد السيد سعيد بن سلطان ، سلطان عُمان وزنجبار ( 1804- 1856م)، وانتهاءً بعهد السيد جمشيد بن عبد لله ( 1 يوليو 1963- 12 يناير 1964م). وليس السرد التاريخي لمختلف الأحداث و الوقائع المتعلقة بكل سلطان من السلاطين ما يمنح الكتاب خصوصيته ، بل طبيعة هذا السرد من حيث الوقوف على الجوانب المختلفة لشخصية كل سلطان من السلاطين بحيث يمنحنا السرد مساحة لتخيل هذه الشخصية وكأنها حية بيننا مع الوضع في الاعتبار ما ورد في ذهن المؤلِف  من أهمية تعزيز هذه المساحة بصورة فوتوغرافية لكل سلطان.

      غني عن البيان أن لكل شخصية جانبها السلوكي، والنفسي والفكري وهذه الجوانب قد توافر الكثير  منها في العرض التاريخي لشخصيات السلاطين المتناوَلة في  الكتاب ولولا ضيق الحيز الكتابي لأدرجت أكثر من مثال لِمَا أقوله، لذا سأكتفي بمثال واحد  لجعل القاري يتخيل السلوك والتركيبة النفسية والفكرية لأحد سلاطين زنجبار فضلاً عن سلوك مَنْ حوله من المقربين بما يعكس الطبيعة البشرية النكراء في حالات الأزمات.

       حيث يقول الكاتب عن السيد خليفة بن سعيد ( 1888-1890م) : ” قبل توليه الحكم ، عاش السيد خليفة حياة العزلة ، نتيجة لِما فُرض عليه من إقامة جبرية دامت ست سنوات من قِبَل أخيه السيد برغش الذي كان يتهمه بالقيام بحركات ضده، مِما ترتب عليه أن عاش السيد خليفة وحيدًا في مزرعة نائية، إلى درجة أن مَنْ كان يرغب في زيارته من أصدقائه ومؤيديه امتنع خشية ألا يشمله الاتهام.  إن حياة العزلة التي عاشها  السيد خليفة كان لها  آثارها الجم فقد جعلته يميل في طبعه إلى  الهدوء والانطواء حتى بدا وكأنه لم يكن راغبًا في الحكم ” (ص 39 الفقرة الأولى، بتصرف من صاحبة المقال في إعادة الصياغة مع الاحتفاظ بالمعنى ).

      وإذا كان الكاتب في وصفه للشخصية السابقة يعتمد على ما ورد ذكره في  إحدى مراجع التاريخ ، فإنه في موضع آخر يستند على تجربته الشخصية والمعرفة الذاتية للسيد جمشيد بن عبد الله (1 يوليو 1963- 12 يناير 1964م)، بما لا يسمح بتسرب الشك في الحقيقة المسرودة حيث يقول: ” لقد لعبت والسيد جمشيد منذ الصغر،  كما كنا في مرحلة الشباب زملاء عمل ، واستمرت هذه الزمالة حتى وقتنا الحالي ؛  مرحلة المشيب ، رغم إقامة السيد جمشيد في بريطانيا وإقامتي في عُمان . من هذا المنطلق لديَّ الحق في القول : إنني أعرفه حق المعرفة وأن الجبن والخوف ليسا من طبعه ، كما أنه لم يغادر زنجبار خُفية وهربًا فضلاً عن أن مغادرته لم تكن جوًا ؛عن طريق المطار” (ص 125 الفقرة الأولى، بتصرف من صاحبة المقال في إعادة الصياغة مع الاحتفاظ بالمعنى ).

     ويسترسل الكاتب في سرد جوانب أخرى من شخصية السيد جمشيد لا سيما السلوكية منها حيث يقول : ” كان السيد جمشيد ( آخر سلاطين زنجبار) يعشق الرياضة ، وكان كثير الاختلاط بعامة الشعب. أحبه الكثيرين من الناس لبشاشته وحُسن ترحيبه لهم إلى جانب ما تحلى به من حُسن الخلق والمكانة واحترام الناس” (ص 138 الفقرة الأولى مع تصرف بسيط في صياغة بعض الكلمات من قِبَل صاحبة المقال).

        إن ما أريد  الوصول إليه ، أن الكتاب في كثير من المواضع جمع في  سرده التاريخي لسيرة الآخر التي وصلتنا  عبر التجربة الذاتية أو بما يمكن أن يُسمي بسيرة الذات، هذا السرد قد جمع بين الرؤية الموضوعية والذاتية في الطرح وليس أدل على الأولى ؛( الموضوعية ) من إقرار الكاتب بالامتنان والتقدير لمعلمه ” عبود جومبي ” فضلاً عن غيره من معلميه ( راجع: الصفحة ش في فصل نبذة عن المؤلِف)، رغم أن الشخصية ذاتها ( أي عبود جومبي) وبعد  توليها رئاسة زنجبار بعد موت عُبيد كارومي في أبريل 1972م، حكمتْ بإعدام تسعة من المواطنين رميًا بالرصاص بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم ،  دفنوا جميعًا في حفرة واحدة ( راجع: ص ص 168- 169).

      وفي موضع آخر يتجلى الجمع بين الرؤية الموضوعية و الذاتية حين يقول المؤلِف : ” فكثير من المصائب التي تعرض لها إخواني في زنجبار لم أسلم ،أيضًا ، منها. منها ما يصعب وصفها ويستحيل نسيانها”  (الصفحة ط ، مع تصرف بسيط في صياغة بعض الكلمات ) كما ” لم تكن كبرى مصائبي هي استيلاء حكومة تلك الزمرة الظالمة على كل ما أملك بغية إذلالي كي لا أتمكن من العيش بحياة كريمة لا لشيء سوى لكوني عربي، بل  أكبر تلك المصائب المرارة التي أشعر بها بسبب قتل والدي رميًا بالرصاص بطريقة وحشية، فضلاً عن جدتي المسنة التي يفوق عمرها الثمانين عامًا، إذ تركها أتباع الأفورشيرازي لتموت حرقًا ببطء  داخل منزلنا ببلدة مفينسيني، بعد أن أضرموا فيه النيران ” (الصفحة ط ، مع تصرف بسيط في صياغة بعض الكلمات ).

     ورغم ذلك فإن الكاتب يقر وبموضوعية شديدة، بامتنانه لزنجبار حيث يسرد : ” يستحيل بأية حال من الأحوال نكران ما لزنجبار من أفضال علىَّ، فهناك مولدي و نشأتي وتربيتي وذكرياتي … إنني لن أكره زنجبار مطلقًا ، وستظل عواطفي وحبي لها باقية طالما أنا باق” (الصفحة ط ).

    ويحسب للكتاب أيضًا قيمته في تسجيل المشاهد الدموية وصنوف التعذيب للأبرياء من شهداء زنجبار وليس أدل على هذا من المشهد الدموي لقتل المصليين رميًا بالرصاص  في إحدى مساجد زنجبار بتاريخ 9سبتمر 1964م، من قِبَل السفاح ” كاوجوري” أحد أعضاء مجلس قيادة الانقلاب، تلك المجزرة التي لم يعقبها  أية مساءلة ولا محاكمة من قِبَل حكومة الأفروشيرازي ، بل أحيط الموضوع بصمت رهيب ( راجع : ص ص 167- 168).

    وفي الحقيقة إن موضوع الاغتيالات والتصفية الجسدية والتعذيب والقتل الفردي والجماعي، احتل مساحات كبيرة عبر الكتب التي ألفت لتتضمن أحداث مذابح زنجبار التي وقعت في فترة الانقلاب أو عقبها ، الأمر الذي يجعلني أحيل القارئ إلى كتابين هامين في هذا المجال الأول هو:( الصراعات والوئام في زنجبار لكاتبه على بن محسن البرواني؛ ترجمة أ.د السيد عمر، دار الغرير للطباعة والنشر ، دبي ، دولة الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى 2011م ، توزيع مكتبة بيروت، مسقط ، سلطنة عٌمان). ففي الفصل الواحد والعشرين و الوارد تحت عنوان ” ذكريات السجون” والممتد من ( ص 561- 606)  يصف الكاتب وحشية شخصية” على محفوظ محمد الوهيبي ”  الشيوعي الذي من أصول عُمانية، وأحد زعماء المجموعة اليسارية المسماة ” بالرفاق ” و أحد كبار أنصار حزب الأفروشيرازي ، وحزب الاتحاد الوطني الأفريقي التنجانيقي  ( راجع:  ص 598 ، وراجع : ص 596 الهامشين (4) و (5)) ،  في هذا الفصل يصف المؤلِف قيام على محفوظ  ” بكي أناسًا من قبيلة ماكوندي بنار مستعرة ” ( ص 598) ، كما أنه ” أذاق أبرياء زنجباريين صنوفًا من التعذيب ” ( ص 599) و في حالات أخرى ” نزع فيها على محفوظ أظافر أصابع قدمي ضحاياه، و علقهم في سقف الزنزانة ، أقدامهم إلى أعلى و رؤوسهم إلى أسفل ، مع وضع فحم مشتعل يصب عليه فلفل حار، تحت رؤوسهم المنكسة” ( ص ص 599-600). ليس هذا فحسب ، بل هي الشخصية ذاتها التي قامت باعتقال والدته بناءً على بعض الشائعات ، كما قامت أيضًا باعتقال خال زوجته : محمد سالم البرواني المعروف بمحمد سالم جينجا ( راجع: ص 600).

      والكتاب الثاني الذي لا يقل أهمية في هذا المضمار كتاب ( زنجبار شخصيات وأحداث : 1828- 1972م، من تأليف ناصر بن عبدلله الريامي ،  الطبعة الأولى 2009م ، دار الحكمة لندن) ، ففي هذا الكتاب الذي  يُعد بحثًا قيمًا موثقًا بمختلف المصادر؛ الشفاهية منها والكتابية، يورد كاتبه مجموعة لا حصر لها من المشاهد الدموية في الفصل الرابع ، تحت عنوان فرعي ” التصفية العِرقية ( مذبحة القرن )” حيث يسرد من (ص460- 472) أسوأ المشاهد التي يقشعر لها البدن، منها على سبيل المثال لا الحصر حين يقول الريامي: ” من وسائل التعذيب التي استُخدِمت ضد العرب، ما يمكن تسميتها بوسيلة ” السَّحْل في الشوارع” . فلقد عمل الأفارقة ، بل العرب، أيضًا المنتمين إلى حزب الأمة أو ما كانوا يُعرفون بال ” Comrades ” ( الرفاق)، على توثيق أيدي ضحاياهم ، وجرَّهم بسياراتهم من أرجُلهم، لمسافات بعيدة إلى أن تخرج أرواحهم من شدة الألم؛ بعد أن تكون المسارات الوعرة والمخلَّفات العالقة فيها، من حَجرٍ وأغصان شجر، والشَّوك قد سلَخت جلودَهم بل وأكلت قدرًا كبيرًا من شحومهم ولحومهم” ( ص 466).

      وناصر الريامي في كتابه القيم يذهب لِمَا قبل 1964م ليبّن لنا أن مذابح انقلاب زنجبار لم تكن سوى نتيجة لسموم الحقد والكراهية التي نُفثت في المجتمع بزنجبار بكل فئاته وعرقيّاته لذا فإن مجازر العنف الوحشي كانت سابقة لتاريخ الانقلاب  فمن ضمن الدلائل “قضية حرق الأطفال” من جانب معلمهم ” على محسن الشيرازي” ( راجع: ص 567) تلك التي تُعد حالة واحدة من ” حالات القتل والتعذيب التي مُوِرسَتْ ضد الجنس العربي تحديدًا، في الفترة مابين الأول وحتى الثامن من يونيو 1961م” ( ص 567).

      وحتى لا لأبعد بالقارئ عن المضمون الأساسي لهذا المقال  الذي هو كتاب “زنجبار التكالب الاستعماري وتجارة الرقيق”  فإن ذكري لتلكما الكتابين وضربي المثل بالمشاهد الدموية ، كان الهدف منه تنبيه القارئ العربي إلى أن ترجمة تلك الكتب إلى اللغة العربية قد فتحت المجال واسعًا نحو إمكانية إقامة  الدراسات المقارنة في السرد التاريخي خاصة وأن مضامين بعض فصول هذه الكتب تتقاطع في تقارب دون نفي لوجود أوجه الاختلاف فيما بينها. هذا فضلاً عن إمكانية دراسة أوجه التناول للسرد التاريخي والمناهج المتبعة في تلك الكتب.

    إن الشيخ ناصر بن عيسى الإسماعيلى لم يكتف في كتابة بمآسي أحداث 1964م ، بل عرج إلى مسألة تشكيل الأحزاب السياسية في زنجبار ، والدور الذي لعبه المستعمر الإنجليزي في التنكيل بهذه الأحزاب ، تنفيذًا لمخططهم ” فَرِق تسد” ( راجع : الفصل الثاني من الكتاب بعنوان الحركات السياسية من ص 127-175)، كما تناول وبإسهاب لا يخلو من التوثيق العلمي والتدليل بالصور الفوتوغرافية إلى أن تجارة الرقيق لم تكن قط عربية المنبع  ، و أن المستعمر والبعثات التنصير الأوربية لعبا دورًا أساسيًا في غرس مفهوم الربط  بين الجنس العربي وتجارة الرقيق، في حين أن الأوروبيين هم اللذين بدءوا هذه التجارة ومارسوها بنطاق واسع ( راجع: الفصل الثالث تحت عنوان تجارة الرّق والاستعباد من ص 176-313).

     ختامًا ،لا املك سوى تعبيرات الإجلال والتقدير لمؤلِف الكتاب الذي واجه مأساوية الأحداث دون هزيمة ولا انكسار، فتحية لك أيها الوجيه البطل ؛ عيسى بن ناصر الإسماعيلي .

الكاتب: Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s